صفحة جزء
[ ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى ] الفائدة السادسة والأربعون : إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى ، فإن ذكرها وذكر مستندها ، ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد ، وإن ذكرها ونسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد ؟ فيه وجهان لأصحاب [ ص: 179 ] الإمام أحمد والشافعي ، أحدهما : أن يلزمه تجديد النظر ; لاحتمال تغير اجتهاده وظهور ما كان خافيا عنه ، والثاني : لا يلزمه تجديد النظر ; لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول ، ولا يجب عليه نقضه ، ولا يكون اختلافه مع نفسه فادحا في علمه ، بل هذا من كمال علمه وورعه ، ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر ، وسمعت شيخنا - رحمه الله تعالى يقول : حضرت عقد مجلس عند نائب السلطان في وقف أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين ، فقرأ جوابه الموافق للحق ، فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول ، وقال : هذا جوابك بضد هذا فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة ؟ فوجم الحاكم ، فقلت : هذا من علمه ودينه ، أفتى أولا بشيء ، ثم تبين له الصواب فرجع إليه ، كما يفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه ، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه ، وكذلك سائر الأئمة ، فسر بذلك وسري عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية