صفحة جزء
[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام العلامة المحقق أفضل المتأخرين ، وبرهان المحققين ، كهف الأئمة والفضلاء ، زبدة نحارير العلماء ، شيخ الإسلام وعمدة فضلاء الزمان ، بدر الدين أبو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي ، سقى الله ثراه ، وفي دار الخلد مأواه : الحمد لله الذي أسس قواعد الشرع بأصول أساسه ، وملك من شاء قياد قياسه ، ووهب من اختصه بالسبق إليه على أفراد أفراسه ، وأولى عنان العناية من وفقه لاقتباسه .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة يتقوم منها الحد بفصوله وأجناسه .

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي رقى إلى السبع الطباق ببديع جناسه ، وآنس من العلا نورا هدى الأمة بإيناسه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ما قامت النصوص بنفائس أنفاسه ، واستخرجت المعاني من مشكاة نبراسه . [ ص: 4 ]

أما بعد : فإن أولى ما صرفت الهمم إلى تمهيده ، وأحرى ما عنيت بتسديد قواعده وتشييده ، العلم الذي هو قوام الدين ، والمرقى إلى درجات المتقين . وكان علم أصول الفقه جواده الذي لا يلحق ، وحبله المتين الذي هو أقوى وأوثق ، فإنه قاعدة الشرع ، وأصل يرد إليه كل فرع . وقد أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم في جوامع كلمه إليه ، ونبه أرباب اللسان عليه ، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنية ، ورموز خفية ، حتى جاء الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - فاهتدى بمناره ، ومشى إلى ضوء ناره ، فشمر عن ساعد الاجتهاد ، وجاهد في تحصيل هذا الغرض السني حق الجهاد ، وأظهر دفائنه وكنوزه وأوضح إشاراته ورموزه ، [ ص: 5 ] وأبرز مخبآته وكانت مستورة ، وأبرزها في أكمل معنى وأجمل صورة ، حتى نور بعلم الأصول دجى الآفاق ، وأعاد سوقه بعد الكساد إلى نفاق . وجاء من بعده ، فبينوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا ، حتى جاء القاضيان : قاضي السنة أبو بكر بن الطيب وقاضي المعتزلة عبد الجبار ، فوسعا العبارات ، وفكا الإشارات ، وبينا الإجمال ، ورفعا الإشكال .

واقتفى الناس بآثارهم ، وساروا على لاحب نارهم ، فحرروا وقرروا ، وصوروا ، فجزاهم الله خير الجزاء ، ومنحهم بكل مسرة وهناء .

ثم جاءت أخرى من المتأخرين ، فحجروا ما كان واسعا ، وأبعدوا ما كان شاسعا ، واقتصروا على بعض رءوس المسائل ، وكثروا من الشبه والدلائل ، واقتصروا على نقل مذاهب المخالفين من الفرق ، وتركوا أقوال [ ص: 6 ] من لهذا الفن أصل ، وإلى حقيقته وصل ، فكاد يعود أمره إلى الأول ، وتذهب عنه بهجة المعول ، فيقولون : خلافا لأبي هاشم ، أو وفاقا للجبائي ، وتكون للشافعي منصوصة ، وبين أصحابه بالاعتناء مخصوصة ، وفاتهم من كلام السابقين عبارات رائقة ، وتقريرات فائقة ، ونقول غريبة ، ومباحث عجيبة .

التالي


الخدمات العلمية