صفحة جزء
مسألة [ إفادة خبر الواحد العلم ] إذا ثبت أنه يجب العمل به ، فهل يفيد العلم ؟ اختلفوا فيه ، فذهب أهل الظاهر إلى أنه يفيده . وحكاه ابن حزم في كتاب الإحكام " عن داود والحسين بن علي الكرابيسي ، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم . قال : وبه نقول . قال : وحكاه ابن خويز منداد عن مالك بن أنس . ا هـ . [ ص: 135 ] وفيما حكاه عن الحارث نظر ، فإني رأيت كلامه في كتاب فهم السنن " ، نقل عن أكثر أهل الحديث ، وأهل الرأي والفقه أنه لا يفيد العلم ، ثم قال : وقال أقلهم : يفيد العلم ، ولم يختر شيئا ، واحتج بإمكان السهو والغلط من ناقله كالشاهدين يجب العمل بقولهما لا العلم ، ونقله ابن عبد البر عن الكرابيسي ونقله الباجي عن أحمد ، وابن خويز منداد . وقال المازري : ذهب ابن خويز منداد إلى أنه يفيد العلم ، ونسبه إلى مالك وأنه نص عليه ، وأطال في تقريره ، وحاصله أنه يوجب العلم الضروري . لكن تتفاوت مراتبه ، ونازعه المازري ، وقال : لم يعثر لمالك على نص فيه ، ولعله رأى مقالة تشير إليه ، ولكنها متأولة . قال : وقيل : إنه يوجب العلم الظاهر دون الباطن ، وكأنهم أرادوا أنه يثمر الظن القوي . وحكى أبو الحسن السهيلي من أصحابنا في كتاب أدب الجدل له قولا غريبا أنه يوجب العلم بشرط أن يكون في إسناده إمام مثل مالك ، وأحمد وسفيان ، وإلا فلا يوجبه . وعن بعض المحدثين يوجبه مطلقا . ونقل الشيخ في التبصرة " عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه ، ويحتمل أن يكون هو القول الذي حكاه السهيلي ، وقال الماوردي والروياني : لا يوجب العلم الباطن قطعا بخلاف المستفيض والمتواتر ، وهل يوجب الظاهر ؟ فيه وجهان أحدهما : المنع ; لأن ظاهر العلم من نتائج باطنه فلم يفترقا . [ ص: 136 ] والثاني : يوجبه ; لأن سكون النفس إليه موجب له ، ولولاها كان ظنا . ا هـ .

وحكى صاحب المصادر " عن أبي بكر القفال أنه يوجب العلم الظاهر وكأن مراده غالب الظن ، وإلا فالعلم لا يتفاوت وبذلك صرح ابن فورك في كتابه ، فقال : قائل هذا أراد غلبة الظن ; لأنه يستحيل أن يكون في العلم ظاهر لا يتحقق به معلوم . وجزم به أبو بكر الصيرفي فقال : خبر الواحد يوجب العمل دون العلم . وقال : يعني بالعلم علم الحقيقة لا علم الظاهر . ونقله عن جمهور العلماء منهم الشافعي . قال : والقائل بأن خبر الواحد يفيد العلم ، إن أراد العلم الظاهر فقد أصاب ، وإن أراد القطع حتى يتساوى مع التواتر فباطل ، ونحوه قول ابن كج في كتابه : إنا نقطع على الله بصحة القول بخبر الواحد ، وينزل منزلة النص ، ألا ترى أنا ننقض حكم من ترك أخبار الآحاد .

وحكى عبد الوهاب في الملخص " أنه هل يفيد العلم الظاهر أم لا ؟ ثم قال : إنه خلاف لفظي ; لأن مرادهم أنه يوجب غلبة الظن ، فصار الخلاف في أنه هل يسمى علما أم لا ؟ وقال الهندي : إن أرادوا بقولهم : يفيد العلم ، أنه يفيد العلم بوجوب العمل ، أو أنه يفيد العلم بمعنى الظن ، فلا نزاع فيه ; لتساويهما ، وبه أشعر كلام بعضهم أو قالوا : يورث العلم الظاهر ، ومعلوم أن العلم ليس له ظاهر ، فالمراد منه الظن ، وإن أرادوا منه أنه يفيد الجزم صدق مدلوله ، سواء كان على وجه الاطراد ، كما نقل بعضهم عن الإمام أحمد وبعض الظاهرية ، أو لا على وجه الاطراد ، بل في بعض أخبار الآحاد دون الكل كما نقل عن بعضهم ، فهو باطل . ا هـ . ولعل مراد أحمد إن صح عنه إفادة الخبر ; للعلم بمجرده ما إذا تعددت [ ص: 137 ] طرقه ، وسلمت عن الطعن فإن مجموعها يفيد ذلك .

ولهذا قال يحيى بن معين : لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه . وحكى القاضي أبو يعلى قول أحمد في أحاديث الرؤية : نؤمن بها ، ونعلم أنها حق يقطع على العلم بها . قال : فذهب إلى ظاهر هذا الكلام طائفة من أصحابنا ، وقالوا : خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم . قال : وعندي هو محمول على أنه يوجب العلم من طريق الاستدلال ، لا من جهة الضرورة ، وأن القطع حصل استدلالا بأمور انضمت إليه من تلقي الأمة لها بالقبول ، أو دعوى المخبر على النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه منه بحضرته ، فيسكت ولا ينكر عليه ، أو دعواه على جماعة حاضرين السماع منه ، فما ينكرونه . وقال ابن دقيق العيد : قد أكثر الأصوليون من حكاية إفادته القطع عن الظاهرية ، أو بعضهم ، وتعجب الفقهاء وغيرهم منهم ; لأنا نراجع أنفسنا فنجد خبر الواحد محتملا للكذب والغلط ، ولا قطع مع هذا الاحتمال ، لكن مذهبهم له مستند لم يتعرض له الأكثرون ، وهو أن يقال ما صح من الأخبار فهو مقطوع بصحته ، لا من جهة كونه خبر واحد ، فإنه من حيث هو كذلك محتمل ; لما ذكرتموه من الكذب والغلط .

وإنما وجب أن يقطع بصحته ; لأمر خارج عن هذه الجهة ، وهو أن الشريعة محفوظة ، والمحفوظ ما لا يدخل فيه ما ليس منه ، ولا يخرج عنه ما هو منه ، فلو كان ما ثبت عندنا من الأخبار كذبا لدخل في الشريعة ما ليس منها ، والحفظ ينفيه ، والعلم بصدقه من هذه الجهة ، لا من جهة ذاته ، فصار هذا كالإجماع فإن قول الأمة من حيث هو وحكمهم لا يقتضي العصمة ، لكن لما قام الدليل على ذلك وجب القول به من هذا الوجه ، لا من حيث كونه قولا لهم وحكما ، وأخذوا الحفظ من وجه آخر قرروه يقع فيه البحث معهم . قال : وإنما ذكرنا هذا ; لأن كثيرا من الفقهاء والأصوليين يعتقدون أن [ ص: 138 ] مذهبهم خارج عن ضروب العقل ، فبينا هذا دفعا لهذا الوهم ، وتنبيها لما ينبغي أن ينظر ، ويبحث معهم فيه ، وهو المحل الذي ادعوه من قيام القاطع على ما ذكروه ، وأقرب ما يقال لهم فيه : إن هذا القاطع ، أعني العلم بصحة كل ما صح عندنا وبكذب كل ما لم يصح ، إما أن يؤخذ بالنسبة إلى جميع الأمة أو إلى بعضها ، فإن أخذ بالنسبة إلى الجميع فمسلم ، ولكنه لا يفيد بالنسبة إلى كل فرد هنا إلا إذا أثبتنا العزم بالنسبة إلى كل الأمة ، لكن ذلك متعذر .

وإن أخذنا بالنسبة إلى البعض لم يفد ; لجواز أن يكون بعض الأمة قد وصل إليه ذلك المقتضي للحكم ، وقد وقع كثير من هذا ، وهو اطلاع بعض المجتهدين على حديث لم يطلع عليه غيره ، وإن قال : إذا لم أطلع عليه ، فالأصل عدم اطلاع غيري عليه ، فيحصل المقصود بالنسبة إلي . قلنا : أنت تدعي القطع ، والتمسك بالأصل لا يفيد إلا الظن .

التالي السابق


الخدمات العلمية