صفحة جزء
المسلك التاسع الطرد

وليس المراد به كون العلة لا تنتقض فذاك مقال العكس ، بل المراد أن لا تكون علته مناسبة ولا مؤثرة . والفرق بينه وبين الدوران أن ذلك عبارة عن المقارنة وجوبا وعدما . وهذا مقارن في الوجود دون العدم . وقال القاضي الحسين - فيما حكاه البغوي عنه في تعليقه : الطرد شيء أحدثه المتأخرون ، وهو حمل الفرع على الأصل بغير أوصاف الأصل من غير أن [ ص: 314 ] يكون لذلك الوصف تأثير في إثبات الحكم ، كقول بعض أصحابنا في نية الوضوء : عبادة يبطلها الحدث وتشطر بعذر السفر ، فيشترط فيها النية كالصلاة ، ولا تأثير للشطر بعذر السفر في إثبات النية . وكقول الحنفية في مس الذكر : معلق منكوس ، فلا ينتقض الوضوء بمسه دليله الدبوس . أو قالوا : طويل مشقوق ، فلا ينتقض بمسه كالقلم والبوق . قال : وهذا سخف يتحاشى الطفل عن ذكره ، فضلا عن الفقيه . انتهى .

وقال ابن السمعاني : هو الذي لا يناسب الحكم ولا يشعر به . وقال الإمام وأتباعه : هو الوصف الذي لا يكون مناسبا ولا مستلزما للمناسب وإلا لم تكن حاجة إلى الطرد ، ويكون الحكم حاصلا معه في جميع صور حصوله غير صورة النزاع ، فإن حصل في صورة النزاع كان دورانا . قال الهندي : هذا قول الأكثرين . ومنهم من قال : لا يشترط ذلك ، بل يكفي في علية الوصف الطردي أن يكون الحكم مقارنا له ولو في صورة واحدة . والصحيح الأول .

وقد اختلفوا في كونه حجة ، والقائلون بأن الطرد [ و ] العكس ليس بحجة ، ففي كون الطرد ليس بحجة من طريق الأولى ، فأما القائلون بحجية ذلك فقد اختلفوا في حجية الطرد ، فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقا ، وذهب بعضهم إلى أنه حجة مطلقا ، ومنهم من فصل وقال بحجيته بالتفسير الأول دون الثاني . والمعتبرون من النظار على أن التمسك به باطل ، لأنه من باب الهذيان . [ ص: 315 ]

قال إمام الحرمين : وتناهى القاضي في تغليط من يعتقد ربط حكم الله عز وجل به ، ونقله إلكيا عن الأكثرين من الأصوليين ، لأنه يجب تصحيح العلة في نفسها أولا ثم تعليق الحكم عليها ، فإنه ثمرة العلة ، فالاستثمار بعد التصحيح ، فلا يجوز أن يجعل ما حقه في الرتبة الثانية علما على ثبوت الأصل . قال : وقد رأينا في الطرد صورا لا يتخيل عاقل صحتها ، كتشبيه الصلاة بالطواف ، ونقله القاضي أبو الطيب في " شرح الكفاية " عن المحصلين من أصحابنا وأكثر الفقهاء والمتكلمين . وقال القاضي الحسين - فيما نقله البغوي في " تعليقه " عنه : - لا يجوز أن يدان الله به . وقال ابن الصباغ في " العدة " : الطرد جريان العلة في معلولاتها وسلامتها من أصل يردها وينفيها . والأكثرون على أنه لا يدل على صحتها . وذهب طوائف من الحنفية إلى أنه حجة ، ومال إليه الإمام الرازي ، وجزم به البيضاوي . قال ابن السمعاني : وحكاه الشيخ في التبصرة عن الصيرفي . وهذا فيه نظر . فإن ذاك في الاطراد الذي هو الدوران . وقال الكرخي : هو مقبول جدلا ، ولا يسوغ التعويل عليه عملا ، ولا الفتوى به .

وقال القاضي أبو الطيب : ذهب بعض متأخري أصحابنا إلى أنه يدل على صحة العلية ، واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق ، فصاروا يطردون الأوصاف على مذاهبهم ويقولون . إنها قد صحت ، كقولهم في مس الذكر : مس آلة الحرث فلا ينتقض الوضوء ، كما إذا مس الفدان . وإنه طويل مشقوق فأشبه البوق . وفي السعي بين الصفا والمروة : إنه سعي بين جبلين ، فلا يكون ركنا في الحج . كالسعي بين جبلين بنيسابور . ولا يشك عاقل أن هذا سخف . قال ابن السمعاني : وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد [ ص: 316 ] حجة ، والاطراد دليلا على صحة العلية " حشوية أهل القياس " قال : ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء . قال ابن السمعاني : ويجوز للشارع نصب الطرد علما عليه لكنه لا يكون علة بل تقريب للحكم وتحديد له . قال : وذكر القاضي أبو الطيب أن الاطراد زيادة دعوى على دعوى ، والدعوى لا تثبت بزيادة دعوى ، ولأن القياس الفاسد قد يطرد ، ولو كان الاطراد دليل صحة العلية لم يقم هذا الدليل على الأقيسة الفاسدة المطردة ، مثل قول من يقول في إزالة النجاسة بغير الماء : مائع لا تبنى عليه القناطر ، ولا يصاد منه السمك ، فأشبه الدهن والمرقة . وفي المضمضة : اصطكاك الأجرام العلوية فوجب أن لا ينقض الطهارة ، كالرعد ولا يلزم الضراط لأنه اصطكاك الأجرام السفلية . قال القاضي : هذا مع سخفه ينتقض بما لو صفع امرأته وصفعته . والاشتغال بهذا هزأة ولعب في الدين . انتهى . وقال الكرخي : هو مقبول جدلا ، ولا يسوغ التعويل عليه عملا . وهو ظاهر كلام الغزالي . وقال : إنه رأي المشايخ المتقدمين ، وقال : هو مصلحة للمناظر في حق من أثبت الشبه ورآه معتمدا ، بل لا طريق سواه ، فإما أن يصار إلى إبطال الشبه رأسا ، وقصر الجامع على المخيل ، وإما أن يقبل من المناظر الجميع على الإطلاق . وهاهنا أمور ذكرها إلكيا :

أحدها : أن هذا كله في غير المحسوسات . أما المحسوسات فقد تكون صحيحة مثل ما نعلمه أن البرق يستعقب صوت الرعد فلهذا اطرد وغلب على الظن به

الثاني : أن الخلاف في هذه المسألة لفظي ، فإن أحدا لا ينكره إذا غلب على الظن ، وأحدا لا يتبع كل وصف لا يغلب على الظن ، وإن أحالوا اطرادا لا ينفك عن غلبة الظن .

الثالث : إذا قلنا بأنه ليس بحجة ، فهل يجوز التعلق به لدفع النقض [ ص: 317 ] أم لا ؟ قال إلكيا : فيه تفصيل : فإن كان يرجع ما قيد الكلام به إلى تخصيص العلة بحكمها فالكلام في تخصيص العلة سبق ، وإن كان التقييد كما قيد به تقييدا بما يظهر تقيد من الشرع الحكم به . وصورة النقض آيلة إلى استثناء الشرع ، فلا يمنع من هذا التخصيص كما إذا علل إيجاب القصاص على القاتل فنقض بالأب فلا يمنع من هذا التخصيص ، وإن كان يدل على معنى في عرف الفقهاء إلا اللغة وذلك المعنى صالح لأن يجعل وصفا ومناطا للحكم ، فيجوز دفع النقض به ، كقولنا : ما لا يتجزأ في الطلاق فذكر بعضه كذكر كله ، فلا يلزم عليها النكاح ، فإن كان النكاح ينبئ في الشرع عن خصائص ومزايا في القوة لا يلغى في غيره فيندفع النقض .

التالي السابق


الخدمات العلمية