صفحة جزء
[ ص: 296 ] التفريع . إذا قلنا بالصحيح أن الحق واحد فعليه فروع : ( منها ) : أنه هل يقطع بصحة قوله وخطأ المخالف ، أم يجوز أن يكون في غيره ؟ وجهان : " أصحهما " ، وبه قال القاضي أبو الطيب ، اعلم إصابتنا للحق واقطع بخطأ من خالفنا ومنعه من الحكم باجتهاده ، غير أني لا أؤثمه . قال أبو الخطاب من الحنابلة : وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن الحكم ، والأصح أن المسائل تنقسم إلى ما يقطع فيه بالإصابة ، وإلى ما لا يدري أصاب الحق أم أخطأ ، بحسب الأدلة . وهذا هو الذي يقتضيه تصرف أصحابنا في نقض حكم الحاكم .

و ( منها ) : أن المخطئ هل يقال : إنه معذور ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) - ونقله ابن كج عن عامة الأصحاب - : نعم و ( الثاني ) وهو الذي أورده ابن فورك : لا . و ( منها ) اتفق القائلون على أن لله في كل واقعة حكما معينا هو مقصد الطالب . ثم اختلفوا هل نصب عليه دليلا أم لا ؟ فقيل : لا دليل عليه ، وإنما هو مثل دفين يعثر [ عليه ] ، فمن عثر عليه فله أجران ، ومن أخطأه فله أجر واحد . والأكثرون على أن الله نصب عليه دليلا . ثم اختلفوا هل هذا الدليل قطعي أو ظني ، فحكى القاضي عن ابن أبي هريرة أنه كان يقول في آخر عمره : أنه قطعي ، وهو قول الأصم وابن علية والمريسي وجميع نفاة القياس ، إلحاقا للفروع بالأصول . ومنهم من يعبر عن هذا الخلاف بأنه : هل دل عليه السمع أو العقل . ثم اختلف هؤلاء في مخطئ هذا الدليل القاطع هل هو مأثوم محطوط [ ص: 297 ] عنه ؟ فحكي عن ابن أبي هريرة أنه كان يقول بأخرة : إن مخطئه مأثوم ، والحكم بخلافه منقوض ، وهو قول الأصم ومن وافقه ، لأنه خالف دليلا قطعيا . وقيل : بل الإثم محطوط عنه .

وحكاه السرخسي عن المريسي والأصم وابن علية . وذهب عامة أصحابنا إلى أنه ظني ، وأن الإثم موضوع عن مخطئه وأن المجتهد كلف طلبه . قال الرافعي : وهو المذهب ، والحديث يدل عليه ، وهل كلف إصابته ؟ فيه قولان - أو وجهان - : ( أحدهما ) : نعم ، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني ويحكى عن المزني ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، ونسبه ابن القطان إلى الشافعي ، فعلى هذا إن أصابه المجتهد كان مصيبا عند الله ، وإن أخطأه كان الإثم مرفوعا عنه ، وله أجر بقصده الحق . و ( الثاني ) : وبه قال ابن سريج ، ونسب إلى الشافعي أن الله لم يكلف المجتهد إصابته ، وإنما كلفه الاجتهاد في طلبه ، فكل من اجتهد في طلبه فهو مصيب في اجتهاده ، ولأنه قد أدى ما كلف . وإذا قلنا بأن كل مجتهد مصيب ، فاختلف القائلون به ، هل الحق في كل واحد من المجتهدين ما غلب على ظنه أو نقول : الحق واحد وهو أشبه مطلوب إلا أن كل واحد منهم مكلف بما يغلب على ظنه ، لإصابة الأشبه . قال الرافعي رحمه الله : فيه وجهان : اختيار الغزالي منهما الأول . وبالثاني أجاب أصحابنا العراقيون ، وحكوه عن القاضي أبي حامد والداركي . انتهى . والمعنى أنه هل يرجع إليه في كل مسألة حكما مطلوبا هو أشبه بحكم الأصل في غالب ظن المجتهد ، فلهذا قيل : هناك أشبه . ثم اختلفوا في تفسيره ، فقيل : هو ما غلب على ظن المجتهد . وقيل : هو قوة الشبه لقوة الأمارة . وقال ابن سريج : هو ما لو ورد به نص لطابقه . قال في " المنخول " : وهذا حكم على الغيب . وقيل : ليس هناك أشبه ، [ ص: 298 ] والجميع واحد إلا ما عند المجتهد أنه الأولى أن يحكم به ، وحكاه القاضي في " التقريب " عن الجمهور ، وحكاه عن الأشعري . وقال ابن القطان : القائلون بأن الحق في كل ما أدى إليه الاجتهاد اختلفوا : هل نصب الله تعالى أدلة مختلفة يؤدي اجتهاد كل واحد منهم إلى دليل منصوب أم لا ؟ على قولين : ( أحدهما ) نعم ، كالتخيير في كفارة اليمين أيها فعل أجزأه ، فكذا أي الأدلة صار إليه وأخذ به كان حقا . و ( الثاني ) أنه لم ينصب عليها دلالة ، وإنما الأمر فيها على غالب الظن ، لأنه المتعبد به . .

التالي السابق


الخدمات العلمية