صفحة جزء
[ ص: 16 ] وأما الصحة في العبادات فاختلف فيها فقال الفقهاء : هي وقوع الفعل كافيا في سقوط القضاء ، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها ، فكونها لا يجب قضاؤها هو صحتها .

وقال المتكلمون : هي موافقة أمر الشارع في ظن المكلف لا في نفس الأمر ، وبه قطع القاضي والإمام في التلخيص " فكل من أمر بعبادة توافق الأمر بفعلها كان قد أتى بها صحيحة وإن اختل شرط من شروطها أو وجد مانع ، وهذا أعم من قول الفقهاء ، لأن كل صحة هي موافقة للأمر ، وليس كل موافقة الأمر صحة عندهم . واصطلاح الفقهاء أنسب ، فإن الآنية متى كانت صحيحة من جميع الجوانب إلا من جانب واحد فهي مكسورة لغة ولا تكون صحيحة حيث يتطرق إليها الخلل من جهة من الجهات ، وهذه الصلاة يتطرق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث ، فلا تكون صحيحة بل المستجمع لشروطه في نفس الأمر هو الصحيح . وبنوا على الخلاف صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين حدثه فإنها صحيحة عند المتكلمين دون الفقهاء .

قال ابن دقيق العيد : وفي هذا البناء نظر ، لأن هذه الصلاة إنما وافقت الأمر بالعمل بمقتضى الظن الذي تبين فساده ، وليست موافقة الأمر الأصلي الذي توجه التكليف به ابتداء ، فعلى هذا نستفسر ، ونقول : إن أردتم [ ص: 17 ] بالصحيح ما وافق أمرا ما فهذا الفعل صحيح بهذا الاعتبار ، لكنه لا يقتضي أن يكون صحيحا مطلقا لعدم موافقته الأمر الأصلي ، وإن أردتم ما وافق الأمر الأصلي فهذه غير موافقة فلا تكون صحيحة . تنبيهات التنبيه الأول

ما حكيناه عن الفقهاء من أن الصحة إسقاط القضاء تبعنا فيه الأصوليين لكن كلام الأصحاب مصرح بخلافه ، فإنهم قالوا : في باب صلاة الجماعة في الكلام على شروط الإمامة : وإن كان صلاته صحيحة فإما أن تكون مغنية عن القضاء أو لا إلخ ، فجعلوا الصحيح ينقسم إلى ما يغني وإلى ما لا يغني ، ولم يجعلوه ما لا يغني عن القضاء .

وحكوا وجهين في صلاة فاقد الطهورين هل توصف بالصحة ؟ والصحيح : نعم واستبعد إمام الحرمين مقابله ، وتابعه النووي مع أنه يجب القضاء على الجديد .

قالوا : ويجري الخلاف في كل صلاة يجب قضاؤها . وفائدة الخلاف في الأيمان وفي جواز الخروج منها ، ولهذا يقولون : من صحت صلاته في نفسه صحة مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به ، وهذا كله تصريح بأن الصحة تجامع القضاء . [ ص: 18 ] التنبيه الثاني

زعم الغزالي في المستصفى " وتابعه القرافي أن النزاع لفظي . وهو أنه هل تسمى هذه صحيحة أم لا ؟ قال القرافي : لاتفاقهم على ، سائر أحكامها .

فقالوا : المصلي موافق لأمر الله سبحانه وتعالى مثاب على صلاته وأنه يجب عليه القضاء إذا علم الحدث ، فلم يبق النزاع إلا في التسمية .

قلت : ونفي الخلاف في القضاء مردود ، فالخلاف ثابت ، وممن حكاه ابن الحاجب في مختصره " في مسألة : الإجزاء الامتثال ، وكأن المتكلمين يقولون : إنها صحيحة ، لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال ، وهي مسقطة للقضاء لو لم يرد نص بالقضاء وإنما وجب بأمر جديد كما حكاه في المستصفى " عنهم ، ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك ، فإن الصحة هي الغاية من العبادة وعندنا قول مثله فيما إذا صلى بنجس لم يعلمه أو مكشوف العورة ساهيا إنها صحيحة ولا قضاء نظرا لموافقة الأمر حال التلبس .

وعكس هذه المسألة من صلى خلف الخنثى المشكل ثم تبين أنه رجل

، وفرعنا على القول المرجوح أنه لا يجب القضاء فإنها على اصطلاح الفقهاء صحيحة لإسقاط القضاء ، وعندالمتكلمين باطلة ، لأنها ليست موافقة لأمر الشارع .

وذكر الأصفهاني في شرح المحصول " أن ما يتخرج على هذا الخلاف صلاة من لم يجد ماء ولا ترابا إذا صلى على حسب حاله ، وقلنا بالراجح : إنه يجب عليه الإعادة قال : فتلك الصلاة صحيحة عند المتكلمين فاسدة عند الفقهاء . [ ص: 19 ]

قلت : فيه وجهان نقلهما إمام الحرمين والمتولي وبنى عليهما ما لو حلف لا يصلي فصلى كذلك ، وقد سبق .

وفي كلام الأصفهاني نظر ، إذ كيف يؤمر بعبادة هي فاسدة ؟ وبنى ابن الرفعة في المطلب " على الخلاف في تفسير الصحة مسألة : لو تحير المجتهد في الأواني فلم يغلب على ظنه شيء ، فتيمم ، ثم إن كان قبل الصب وجب القضاء ، أو بعده فلا .

وحكى الماوردي خلافا في وجوب الصب ، ونسب الجمهور عدم الوجوب .

قال ابن الرفعة : والخلاف يلتفت على أن الصحة ما هي ؟ فإن قلنا : موافقة الأمر لم يلزم الإراقة ، لأن قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وهذا غير واجد له ، إذ الوجود ما يقدر على استعماله ، وإن قلنا : هي ما أسقط القضاء وجب عليه الصب ، لأنه مأمور بالإتيان بالصلاة صحيحة إذا قدر عليها ، وهو قادر هاهنا . ا هـ .

وهذا يعطي أن الخلاف في تفسير الصحة ثابت عند الفقهاء أيضا وقال الآمدي : ولا بأس بتفسير الصحة في العبادات بما ذكروه في المعاملات من ترتب أحكامها المقصودة منها يعني لأمر مقصود العبادة إقامة رسم التعبد ، وبراءة ذمة العبد منها .

فإذا أفادت ذلك كان هو معنى قولنا : إنها كافية في سقوط التعبد ، فتكون صحيحة . [ ص: 20 ] التنبيه الثالث

قال أبو العباس بن تيمية : لم يرد في لفظ الكتاب والسنة الصحة والفساد ، بل الحق والباطل ، وإنما الصحة اصطلاح الفقهاء . قلت : وورد لفظ الإجزاء كثيرا ، وهو قريب من الصحة ثم إن الجمهور لم يسمحوا بإطلاق الفاسد ، وإنما قالوا : هي صلاة صحيحة أو شبيهة بها ، كإمساك رمضان .

وقال إمام الحرمين في التلخيص " : إنما صار الفقهاء إلى هذا في أصل ، وهو أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عندهم ، وهي واقعة على خلاف مقتضى الشريعة ، فدل على أن الصحيح : ما لا يجب قضاؤه ، وإن لم يوافق مقتضى الشرع .

وذكر غيره التفات الخلاف على أصل وهو أن القضاء هل يجب بالأمر الأول أو لا بد من أمر جديد ؟

والثاني : قول الفقهاء حكاه عنهم في المنخول " .

التالي السابق


الخدمات العلمية