صفحة جزء
إلى : لانتهاء الغاية زمانا ومكانا ، ولا يأتي فيها خلاف " من " في [ ص: 220 ] الزمان . وعبارة الراغب : حرف يحد به النهاية من الجوانب الستة ، وهل يدخل ما بعدها فيما قبلها أم لا أم يفرق بين أن يكون من جنس للغاية فيدخل ، وإلا فلا ؟ خلاف . ونسب الثالث إلى سيبويه كما قاله القرطبي . قلت : ورأيته مجزوما به لابن سريج في كتابه المسمى بالودائع بمنصوص الشرائع " في باب الوضوء قال : ومن أوجب إدخال المرفقين في الغسل ; لأنه من جنسه ; لأن اليد من أطراف الأصابع إلى المنكب ، وقيل : يدخل أول جزء من المنتهى إليه كما يدخل آخر جزء من المبتدأ منه . حكاه النيلي . وقال ابن الحاجب في شرح المفصل " : جاءت وما بعدها داخل ، وجاءت وما بعدها خارج ، فمنهم من حكم بالاشتراك ، ومنهم من حكم بظهور الدخول ، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون . انتهى .

وحكى إمام الحرمين وابن السمعاني وغيرهما عن سيبويه التفصيل بين أن تقترن بمن فتقتضي التحديد ، ولا يدخل الحد في المحدود ، نحو بعتك من هذه الشجرة إلى تلك ، فلا يدخلان في البيع ، وإن لم تقترن جاز أن تكون تحديدا ، وأن تكون بمعنى " مع " كقوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } وأنكر ابن خروف هذا على إمام الحرمين ، وقال : لم يذكر سيبويه في كتابه من هذا ولا حرفا ولا هو [ ص: 221 ] مذهبه ، والذي قاله في باب عدة الكلم : وأما " إلى " فمنتهى الابتداء تقول : من مكان كذا إلى كذا ، وكذلك " حتى " وقد بين ذلك في بابها بمعنى " حتى " ولها في الفعل حال ليس ل " إلى " تقول للرجل : إنما أنا إليك أي : إنما أنت مطلوبي وغايتي ، ولا تكون " حتى " هنا فهذا أمر " إلى " وأصلها وإن اتسعت ، وهي أعم في الكلام من " حتى " تقول : قمت إليه بجعله منتهاك من مكانك ولا تقول : حتاه . انتهى .

وليس فيه إلا أنها لانتهاء الغاية وإن اتسع فيها . وقال الزمخشري : الغاية لا تدخل شيئا ولا تخرجه ، بل إن كان صدر الكلام متناولا قبل دخول حرف الغاية يكون داخلا وإلا فلا . وقال إلكيا الهراسي : وما ذكروه من دخوله في المحدود ليس مأخوذا من معنى " إلى " وإنما فائدة " إلى " التنبيه عن أنها ما ابتدئ به فبمن ، وأما دخول ما ينتهي إليه فيه وعدمه فبدليل من خارج . وقال بعض النحاة : لا تفيد إلا انتهاء الغاية من غير دلالة على الدخول أو عدمه بل هو راجع إلى الدليل . وتحقيقه : أن " إلى " للنهاية فجاز أن يقع على أول الحد وأن يتوغل في المكان لكن تمتنع المجاوزة ; لأن النهاية غاية ، وما كان بعده شيء لم يسم غاية . قلت : وهذا هو ظاهر نص الشافعي في الرسالة " حيث قال : ودلت السنة على أن الكعبين والمرفقين مما يغسل ; لأن الآية تحتمل أن يكونا حدين للغسل ، وأن يكونا داخلين في الغسل ، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ويل [ ص: 222 ] للأعقاب من النار } دل على أنه غسل . انتهى .

وتجيء بمعنى " مع " في قول بعضهم ، والمحققون أنها على بابها وهي متعلقة بفعل محذوف دل عليه الكلام ، والتقدير في قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } أي : لا تضيفوها إلى أموالكم ، فأما قوله تعالى : { وأيديكم إلى المرافق } فمن أوجب غسلها قال بمعنى " مع " وعلى قول المحققين : هي على بابها ولا تفيد انتهاء الغسل إلى المرافق . قال الأزهري وغيره : إن لفظ اليد اسم لهذه الجارحة من رءوس الأصابع إلى المرفقين فالمرافق داخلة في حقيقة اليد ، وإذا جاءت إلى التحديد ببعض الشيء دخل المحدود إليه في الحد ، كقولك : بعتك من هذا الحائط إلى هذه الشجرة ، فإن الشجرة تدخل ، فعلى هذا لا يحتاج إلى تأويلها بمعنى " مع " . وقيل : دخلت المرافق في الغسل لأن المرافق منتهى الذراع ، فلزم من وجوب غسل الذراع وجوب غسل المرافق ، وقيل : إنها غاية للإسقاط لا لمد الحكم . وذكروا لهذا الكلام تفسيرين : أحدهما : أن صدر الكلام إذا كان متناولا للغاية كاليد فإنها اسم [ ص: 223 ] للمجموع إلى الإبط ; لأن ذكر الغاية لإسقاط ما وراءها لا لمد الحكم إليها ; لأن الامتداد حاصل ، فيكون قوله : { إلى المرافق } متعلقا بقوله : " اغسلوا " وغاية لكن لأجل إسقاط ما وراء المرفق عن حكم الغسل . الثاني : أنه غاية للإسقاط ومتعلق به كأنه قيل : اغسلوا أيديكم مسقطين إلى المرافق فتخرج عن الإسقاط ، فتبقى داخلة تحت الغسل ، والأول أوجه لظهور أن الجار والمجرور متعلق بالفعل المذكور ، وأثار بعضهم هنا بحثا ، وهو أنه إذا قرن بالكلام غاية أو استثناء أو شرطا لا يعتبر بالمطلق لم يخرج بالقيد عن الإطلاق بل يعتبر مع القيد جملة واحدة ، فالفعل مع الغاية كلام واحد للإيجاب إليها لا للإيجاب والإسقاط ; لأنهما ضدان فلا يثبتان إلا بالنص ، والنص مع الغاية بمعنى واحد . وقال القاضي أبو الطيب : مجيئها بمعنى " مع " لا يصار إليه إلا بدليل ولهذا قلنا : إذا قال : بعتك بشرط الخيار إلى الليل ، إن الليل لا يدخل في زمن الخيار خلافا لأبي حنيفة . قال الشيخ في المهذب " : وترد لابتداء الغاية ، نحو فلان خارج إلى شهر أي : أن ابتداء خروجه إلى شهر ، وفرع عليه : أنت طالق إلى شهر فلا تطلق إلا بعد شهر ، لاحتمال أن يريد ابتداء الغاية ، ونقله الرافعي عن المتولي .

التالي السابق


الخدمات العلمية