صفحة جزء
الرابع والعشرون [ النكرة في سياق النفي ]

النكرة في سياق النفي " بما " ، أو " لن " ، أو " لم " ، أو " ليس " ، وسواء دخل حرف النفي على فعل نحو : ما رأيت رجلا ، أو على اسم نحو : لا رجل في الدار ، وسواء باشرها النفي نحو ما أحد قائما ، أو عاملها نحو : ما قام أحد ، ويدل له قوله تعالى : { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } وقال الآمدي [ ص: 150 ] في " أبكار الأفكار " : إنما تعم النكرة المنفية ، فأما التي ليست بمنفية لكنها في سياقه ، فلا تعم ، ولنا قوله تعالى : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } في جواب : { ما أنزل الله على بشر من شيء } ، فلو لم يكن العموم لم يلزم الرد عليه بالواحد ، والمعنى في ذلك أن النكرة غير مختصة بمعين ، كقولك : رأيت رجلا ، والنفي لا اختصاص له ، فإذا انضم النفي الذي لا اختصاص له ، إلى التنكير الذي لا يختص بمعين ، اقتضى ذلك العموم .

احتج الإمام فخر الدين بأنها لو لم تكن لنفي العموم لما كان " لا إله إلا الله " نفيا لدعوى من ادعى سوى الله ، ثم إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشيء وموجود ومعلوم ، أو ملازمة للنفي ، نحو أحد ، وما ألحق به مثل : غريب ، وداع ، ومجيب ، أو واقعة بعد " لا " العاملة عمل إن ، وهي " لا " التي لنفي الجنس ، مثل : لا رجل في الدار ، ببناء رجل على الفتح ، أو داخلا عليها من مثل : ما جاءني من رجل ، فإن كونها للعموم من الواضحات ، لكن هل استفيد العموم في قولك : ما جاءني من رجل ، من لفظة " من " أو كان مستفادا من النفي قبل دخولها ، ودخلت هي للتأكيد ؟ فيه قولان للنحويين ، والصحيح الثاني ، وهو قول سيبويه .

والأول قول المبرد ، حكاه في " الارتشاف " في الكلام على حروف الجر ، واختاره القرافي ، وزعم أنها لا تعم إلا إذا باشرتها " من " وتمسك بقول الزمخشري في قوله تعالى : { ما لكم من إله غيره } إنما استفيد العموم من لفظة " من " ولو قال : ما لكم إله لم يعم ، مع أن لفظة إله نكرة ، وقد حكم بأنه لم يعم . [ ص: 151 ]

وقد ذكر الحريري والزمخشري ونازعه الأصفهاني ، وقالا : لا حجة في قول صاحب الكشاف مع نقل إمام الحرمين عن سيبويه : إن " ما جاءني رجل " عام ، والحق ( أنه ) إن أراد الزمخشري بكلامه ظاهره " ، فهو شذوذ ، ويحمل أن يريد ما أراده غيره من أنه بعد دخول " من " في النفي يكون العموم نصا ، ودونها ظاهرا ، والانتقال من الظهور إلى النص تأكيد تأسيس ، فإنه تقوية مجردة ، وكذلك ذهب جمهور النحاة إلى أن " لا " التي لنفي الجنس نص في العموم ، دون " لا " التي هي أخت ليس ، فإن معنى " من " متضمن مع الأولى دون الثانية . وقال ابن الصائغ رادا على من قال : " لا رجل " بنى لتضمنه معنى حرف الاستغراق ، وهو " من " .

قال سيبويه : إنه لا يقتضي عموم النفي .

وقال الشيخ أبو حيان : مذهب سيبويه أن ما جاءني من أحد ، وما جاءني من رجل ، " من " في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس ، وهذا هو الصحيح ، وقال إمام الحرمين في باب التأويل : هي للعموم ظاهرا عند تقدير " من " ، فإن دخلت " من " كانت نصا ، وهذا هو الحق .

ونقله ابن الخباز في " شرح الإيضاح " عن النحويين ، فقال : فرق النحويون بين قولنا : ما جاءني رجل ، وما جاءني من رجل ، أن الأول يحتمل نفي واحد من الجنس ، فلو جاء اثنان أو ثلاثة كان صادقا ، والثاني لا يحتمل إلا نفي جميع الجنس قليله وكثيره ، فلو قلت : بل رجلان كان كذبا ، وكذا قال أبو البقاء إلا أنه فرق بين دخول " من " على أداة [ ص: 152 ] عموم كأحد فجعلها مؤكدة للعموم ، وبين دخولها على غيره كرجل ، فجعلها مقيدة له ، وهذا هو الصواب .

وقال القاضي عبد الوهاب في " الإفادة " : قد فرق أهل اللغة بين النفي في قوله : ما جاءني أحد ، وما جاءني من أحد وبين دخوله على النكرة من أسماء الجنس ، في ما جاءني رجل ، وما جاءني من رجل ، فرأوا تساوي اللفظين في الأول . وأن " من " زائدة فيه ، وافتراق المعنى في الثاني ; لأن قوله : ما جاءني رجل ، يصلح أن يراد به الكل ، وأن يراد به رجل واحد ، فإذا دخلت " من " أخلصت النفي للاستغراق ، وغيرت الفائدة ا هـ .

لا : لو لم يفد العموم مع عدمها لم يفد في قوله تعالى : { لا يعزب عنه مثقال ذرة } { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } ونحوها ، مما لا شك في إفادته العموم ، وليس هناك " من " ، وأيضا فإنها دالة على الماهية ، فدخول النافي ينفي معناها بطريق الأصالة ، وهو مطلق الماهية ، ويلزم منه العموم ، وتسميتهم " لا " لنفي الجنس ، وهو بانتفاء كل فرد .

أما النكرة المرفوعة بعد " لا " العاملة عمل ليس ، نحو لا رجل في الدار فهي لنفي الوحدة قطعا ، لا للعموم ، ولهذا يقال في توكيده : بل رجلان أو رجال ، ولا يصح أن يقال : لا رجل بالفتح ، بل رجلان ، وذلك يدل على اقتضاء الثاني التعميم دون الأول ، وأن المنفي في حالة الرفع " الرجل " المقيد بقيد الوحدة ، وذلك لا يعارضه وجود الاثنين أو الجمع ، بخلاف المنفي حالة الفتح ، فإن المنفي فيه الحقيقة لا بقيد الوحدة ، وذلك [ ص: 153 ] ينافيه ثبوت الفرد ، لأنه متى ثبت فرد ثبتت الحقيقة بالضرورة .

هكذا قاله القرافي ، وحكاه عن سيبويه ، والمبرد ، والجرجاني في أول " شرح الإيضاح " ، وابن السيد في " شرح الجمل " والزمخشري ، وغيرهم ، وتبعه الأصفهاني في " شرح المحصول " ، وحكاه الشيخ في " شرح العنوان " عن بعض المتأخرين ، ولم ينكره ، وصرح به العلم القرافي في " مختصر المحصول " .

وحكاه الإبياري في " شرح البرهان " و القرطبي في أصوله عن النحاة ، قال : وظاهر كلام الأصوليين التسوية بينها وبين المبنية على الفتح ، والصواب عدم اقتصارها على نفي الوحدة ، بل يحتمل أن تكون لنفي الجنس ، وأن تكون لنفي الوحدة ، ويقال في توكيده على الأول : بل امرأة ، وعلى الثاني بل رجلان أو رجال .

وقد قال الشاعر :

تعز فلا شيء على الأرض باقيا



وقد نقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه أنها لتأكيد الاستغراق مع الإعراب في قولك ما جاء من أحد ، وما قام من رجل . ونقله عنه من الأصوليين إمام الحرمين في كلامه على حروف المعاني ، فقال : قال سيبويه : إذا قلت : ما جاءني رجل ، فاللفظ عام ، ولكن يحتمل أن يؤول بما جاءني رجل ، بل رجلان ، فإذا قلت : ما جاءني من رجل ، اقتضى نفي جنس الرجال على العموم من غير تأويل . [ ص: 154 ]

وقد ذكر القرافي هذا النص ، ولكنه قال : لم أجده في كتاب سيبويه ، وسألت عنه من هو عالم بالكتاب ، فقال : لا أعرفه ، وهذا ضعيف ، فإن المثبت مقدم على النافي ، وقد صنف ابن خروف في مواضع نقلها إمام الحرمين عن سيبويه ، ولم يرها في كتابه ، ولم يذكر هذا منها .

والذي ينبغي أن يقال : إن دلالة هذه الأقسام على العموم متفاوتة ، وتجيء على مراتب : فأدناها ما جاءني رجل ، لعدم دخول " من " ولعدم اختصاص رجل بالنفي ، وهي ظاهرة في العموم لا نص ، وأعلاها ما جاءني من أحد ، لانتفاء الأمرين ، وهذا نص في العموم والمرتبة المتوسطة ما جاءني من رجل ، وما جاءني أحد ، وهي تلحق بالقسم الثاني وتلحق به النكرة المبنية مع " لا " على الفتح ، فأما المرفوعة فليست نصا ، بل ظاهر ، كالقسم الأول . تتمات

الأولى : أن حكم المنهي في ذلك حكم المنفي ، كقولك : لا تعظ ناسا ولا تعظ رجالا ، كما قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني .

الثانية : زعم أبو الحسين في " المعتمد " أن النكرة في النفي أفادت العموم بصيغتها لا بزيادة عليها ، وصرح الرازي بخلافه وهو الحق ، لأن لا رجل عمت بزيادة دخلت على رجل ، وكذا قال إلكيا الطبري ، إنما عمت النكرة لضرورة صحة الكلام ، وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام لا أنه يتناول الجمع بصيغته ، فالعموم فيه من القرينة ، هذا لفظه ، وقطع به أبو زيد الدبوسي في " التقويم " فقال : النكرة عمت اقتضاء لا نصا . [ ص: 155 ]

الثالثة : اختلفوا في أن النكرة في سياق النفي ، هل عمت لذاتها أو لنفي المشترك فيها ؟ فقال أصحابنا ، بالأول ، وهو أن اللفظ وضع لسلب كل فرد فرد من أفراد الكلية بطريق المطابقة ، وأن سلب الكلي حصل بطريق اللزوم لنفي الكلية .

وقال الحنفية : إنما حصل العموم لأن النفي فيه لنفي الحقيقة الكلية التي هي مفهوم الرجل ، ويلزم من نفيه نفي كل فرد لأنه لو ثبت فرد لما كانت حقيقة الرجل منفية لاستلزام ذلك الفرد الحقيقة الكلية ، فإن نفي المشترك الكلي يلزم منه نفي كل فرد فرد ، ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص ، فحصلت السالبة الكلية بطريق اللزوم ، لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية ، وحينئذ فقولنا : النكرة في سياق النفي للعموم ، لا بمعنى أن النفي رفع للأفراد ; بل رفع الحقيقة ، وحقيقته أن النكرة المنفية مستلزمة للعموم ، والقول الأول أظهر ، لأن المتكلم إنما يقصد بنفيه نفي كل رجل رجل لا نفي المشترك . فإن قيل : دلالة الالتزام لازمة على كلا القولين ، فإن نفي المشترك لازم لنفي كل فرد فرد ، وهو عند الحنفية بطريق المطابقة ، ونفي كل فرد فرد لازم له ، قلنا : لكن نفي المشترك الكلي غير مقصود بالأصالة بخلاف نفي كل فرد فرد ، فجعله مدلولا بالمطابقة أولى من جعل ذلك للماهية الكلية ، والمختار في هذه المسألة التفصيل بين النكرة المبنية على الفتح فباللزوم وبين غيرها فبالوضع .

وزعم بعضهم أنه لا يترتب على هذا الخلاف فائدة ، وليس كذلك ; بل يتفرع على هذا الخلاف أعني نفي الكلية أو الكلي جواز التخصيص بالنية [ ص: 156 ] فيما إذا وقع الفعل المتعدي جوابا لقسم أو شرطا ، نحو والله لا أكلت ، أو إن أكلت فعبدي حر ، ونوى مأكولا ، فعندنا يقبل التخصيص ، لأنه عام قطعيا فتؤثر النية في بعض أفراده ، وقال أبو حنيفة : لا يقبل ; بل يحنث بأكل كل مأكول بناء على أنه نفي للكلي وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى .

وقال الصفي الهندي : المراد بقولنا : النكرة في سياق النفي تعم ، أنها تفيد عموم النفي ، لا نفي العموم الذي قد يكون بالثبوت في البعض ، وقد يسلم لزومه من نفي النكرة ، لكن غايته أن ذلك بواسطة نفي الماهية ، وهو غير قادح في مقصودنا ; لأن المفهوم الأول يحقق بطريقين :

أحدهما : نفي ما ليس بعام ، لكن يلزم منه عموم النفي كما هو في نفي الماهية .

وثانيهما : بنفي كل واحد واحد من أفراد ما هو عام ، ومتى تحقق الخاص تحقق العام .

الرابعة : استثنى من كون النكرة في سياق النفي للعموم سلب الحكم عن العموم ، كقولنا : ما كل عدد زوجا ، فإن هذا ليس من باب عموم السلب ، أي ليس حكما بالسلب عن كل فرد ، وإلا لم يكن في العدد زوج ، وذلك باطل ، بل المقصود به إبطال قول من قال : إن كل عدد زوج ، فأبطل السامع ما ادعاه من العموم ، وهكذا استثناه السهروردي في " التنقيحات " ، والقرافي وغيرهما .

الخامسة : قال أبو حيان في آخر جمع التكسير من " شرح التسهيل " : ما ذكره النحاة والأصوليون من أن النكرة في سياق النفي تعم ، ليس عندي على إطلاقه ، فإنا نفرق بين : ما قام كل رجل .

وما قام رجل .

والنفي عندي مبني على الإثبات ، فإن كان الإثبات عاما كان النفي عاما ، [ ص: 157 ] وإن كان الإثبات خاصا بمطلق كان النفي لذلك المطلق ، لكن يلزم من انتفاء الحكم عن المطلق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المطلق ، فإذا قلت : قام كل رجل ، فهذا إثبات لقيام كل رجل ، فإذا نفيت فقلت : ما قام كل رجل ، انتفى القيام عن كل فرد فرد من الرجال . وإذا قلت : قام رجل ، فيه إثبات قيام لمطلق رجل . فإذا قلت : ما قام رجل ، نفيت القيام . عن مطلق رجل ، هذه دلالة هذا اللفظ ، لكن يلزم من حيث نفي القيام عن مطلق رجل أن لا يوجد في صورة ما من صور المطلق ، فمعنى العموم لازم له ; لا أن اللفظ وضع للعموم ، وهذا لفظه .

ونازعه الشيخ تاج الدين التبريزي - رحمه الله - وقال : ليس هذا الحكم على ما ذكر ، فإن قوله : ما قام كل رجل ، سلب القيام عن كل رجل ، ولا يلزم السلب عن كل واحد واحد إذا سلب الجزئي لا يستلزم الكلي ، نعم يكون سلب القيام عن كل واحد واحد .

التالي السابق


الخدمات العلمية