صفحة جزء
[ الفرق بين دلالة الاقتضاء ودلالة الإضمار ]

الثالث : الكلام في هذه يستدعي فهم دلالة الاقتضاء ، وهل هي مغايرة للإضمار ؟ وقد اختلف في ذلك ، فذهب جماعة من الحنفية ، منهم أبو زيد الدبوسي إلى عدم المغايرة ; لأن كلا منهما عبارة عن إسقاط شيء من الكلام ، لا يتم الكلام بدونه نظرا إلى العقل أو الشرع أو إليهما ، لا إلى اللفظ ، إذ اللفظ صحيح منهما ، وذهب الجمهور إلى الفرق ، ثم اختلفوا في وجه التغاير على أقوال :

أحدها : وبه يشعر كلام الإمام فخر الدين أن الاقتضاء إثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور ، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ ، نحو اصعد السطح ، فإنه يقتضي نصب السلم ، وهو أمر يتوقف عليه وجود الصعود ، ولا تتوقف عليه صحة اللفظ ، بخلاف الإضمار فإنه إثبات أمر تتوقف عليه صحة اللفظ ، وهذا ضعيف ، لأن قوله تعالى : { واسأل القرية } من باب الإضمار .

ولا يتوقف صحة اللفظ على إضمار الأهل ، لأن العقل لا يحيل السؤال من القرية .

وثانيها : ذكره عبد العزيز في " الكشف شرح البزدوي " أن في صورة الإضمار تغيير إسناد اللفظ عند التصريح بالمضمر كالأهل في { واسأل القرية } ، بخلاف الاقتضاء ، فإنه يبقى الإسناد على حاله ، ورد أيضا باتفاق الأصوليين على أن قوله عليه السلام : { رفع [ ص: 220 ] عن أمتي الخطأ والنسيان } من باب الاقتضاء مع أنه يتغير الإسناد بالمضمر .

وثالثها : أن المضمر كالمذكور لفظا ، ولهذا له عموم ، ولهذا لو قال لامرأته : طلقي نفسك ، ونوى ثلاثا صحت نيته ، إذ المصدر مضمر فيه ، فكأنه قال طلقي نفسك طلاقا ، وأما المقتضي فليس هو كالمذكور لفظا ، وكذا لا يعم ، ورد بأنا لا نسلم إضمار المصدر في الأولى ، لأنه على خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا لضرورة ، ولا ضرورة فيه .

قال الصفي الهندي : والصحيح الفرق بينهما من حيث المعنى واللفظ ، أما من حيث المعنى فالمقتضي أعم من المضمر ، لأن المقتضي قد يكون مشعورا به للمتكلم ، وقد لا يكون ، بخلاف المضمر ، فإنه لا يكون إلا يكون مشعورا به ; لأنه اسم مفعول من أضمره المتكلم ، فعلى هذا كل مضمر مقتضى ، ولا عكس ، وأما من حيث اللفظ ، فمن وجهين :

أحدهما : أن الإضمار إنما يستعمل حيث يعرفه كل أحد ، لأنه عبارة عن إسقاط شيء يدل عليه الباقي ، بخلاف الاقتضاء ، فإنه قد يحتاج فيه إلى تأمل ونظر .

وثانيهما : أن في صورة الإضمار تغيير إسناد اللفظ عند التصريح بالمضمر ، وفي الاقتضاء قد يكون كذلك ، كقوله : { رفع عن أمتي الخطأ } وقد لا يكون كما في اصعد السطح ، وكذلك في اعتق عبدك عني ، والحاصل أنهما يفترقان من جهة الغفلة عن الشيء وتغير الإسناد ، وهما متحدان في أن المقصود بالكلام لا يتم إلا بهما .

وقال عبد العزيز في " شرح البزدوي " : وجعل الأصوليون منا ومن الشافعية والمعتزلة ما يضمر في الكلام لتصحيحه على أقسام . [ ص: 221 ] أحدها : ما أضمر لضرورة صدق المتكلم ، كقوله : { رفع عن أمتي } .

والثاني : ما أضمر لصحته عقلا ، كقوله : { واسأل القرية } .

والثالث : ما أضمر لصحته شرعا ، كقوله : اعتق عبدك عني ، وشمول مقتضى ، ولذلك قالوا في حده : هو جعل غير المنطوق منطوقا لتصحيح المنطوق ، ثم اختلفوا ، فذهب الشافعي إلى القول بجواز العموم في الثلاثة ، وبعضهم إلى المنع فيها ، وهو أبو زيد وذهب البزدوي وشمس الأئمة السرخسي وصدر الإسلام إلى أن اسم المقتضي يطلق على الثالث فقط ، وسموا الباقي محذوفا ومضمرا ، وقالوا بالعموم في المضمر دون المقتضي .

التالي السابق


الخدمات العلمية