صفحة جزء
تنبيهات

الأول : أطلق أكثر الأصوليين ترجمة المسألة ، لكن محل الخلاف ليس القياس المعارض للنص العام مطلقا ، فإن بعض أنواع القياس يجب تقديمه على عموم النص ، وهو ما إذا كان حكم الأصل الذي يستند إليه حكم الفرع مقطوعا به ، وعلته منصوصة أو مجمعا عليها مع تصادقهما في الشرع من غير صارف قطعا ، فهذا النوع من القياس لا أوفق الخلاف فيه في أنه يخصص به عموم النص ، فيجب استثناء هذه الصورة من ترجمة المسألة ، وقد أشار إلى ذلك الإبياري شارح " البرهان " وغيره .

وجعل الغزالي محل الخلاف في قياس النص الخاص ، وقضيته أنه لو كان قياس نص عام لم يخص به ، بل يتعارضان ، كالعمومين ، ويشكل عليه المذهب الثاني .

وقال الصفي الهندي : هذا كله في القياس المستنبط من الكتاب ، أو من السنة المتواترة بالنسبة إلى عموم الكتاب ، أو عموم السنة المتواترة ، أو عموم خبر الواحد فأما القياس المستنبط من خبر الواحد بالنسبة إلى عموم خبر الواحد فعلى الخلاف السابق أيضا وأما بالنسبة إلى عموم الكتاب ، فيترتب على جواز تخصيصه بخبر الواحد ، فمن لا يجوز ذلك لا يجوز [ ص: 497 ] بالقياس المستنبط منه بطريق الأولى ; وأما من يجوز ذلك ، فيحتمل أن لا يجوز ذلك لزيادة الضعف ، ويحتمل أن يجوز ذلك أيضا كما في القياس المستنبط من الكتاب ، إذ قد يكون قياسه أقوى من عموم الكتاب ، بأن يكون قد تطرق إليه تخصيصات كثيرة ، ويحتمل أن يتوقف فيه لتعادلهما إذ قد يظهر له ذلك

الثاني : مثل القفال الشاشي للتخصيص بالقياس بقوله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ، وقوله في الإماء : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } فدلت هذه الآية على أن الأمة لم تدخل في عموم من أمر بجلدها مائة من النساء ، ثم قيس العبد على الأمة ، فجعل حده خمسين جلدة . فكانت الأمة مخصوصة ، والعبد مخصوصا من جملة قوله : { والزاني } بالقياس على الأمة قال : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير } إلى قوله : { فكلوا منها } فاحتملت إباحة الأكل في جميع الهدي ، واحتمل في البعض وأجمعوا على أن هدي جزاء الصيد لا يجوز الأكل منه ; فكان هذا مخصوصا بالإجماع ، واختلفوا في هدي المتعة ، فذهب أصحابنا إلى تحريم الأكل . وخالفهم غيرهم ، فكان الوجه عندنا في ذلك أنه واجب ، كوجوب جزاء الصيد ، ووجوب ما ينذر المرء إخراجه من ماله ، فقيس المختلف فيه من ذلك على والمجمع عليه ، لاجتماعهما في المعنى ، وهو الوجوب وكان جزاء الصيد خارجا من العموم بالإجماع ، وهدي المتعة والقران مخصوص بالقياس على ذلك ، وتبعه ابن السمعاني في ذلك [ ص: 498 ] ومثله القاضي أبو الطيب الطبري بأن الصبي الذي لا يجامع مثله إذا مات ، والمرأة حامل لا تعتد منه ، لأنه حمل لا يمكن أن يكون من زوجها ، ومنفي عنه قطعا فلا تعتد منه ، قياسا على الحمل الحادث بعد وفاته ، فيخصص بهذا القياس عموم : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .

الثالث : أن الخلاف في أصل هذه المسألة اختلفوا فيه ، هل هو من جنس الخلاف في القطعيات ; أو من المجتهدات ؟ قال الغزالي : يدل كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب ، وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف ، لأنه من مسائل الأصول . قال : وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى ، فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة ، غير بالغة مبلغ القطع انتهى . وحينئذ فتوقف القاضي إنما هو عن القطع ، ولا ينكر أن الأرجح التخصيص ، ولكن عنده أن الأرجحية لا تكفي في هذه المسألة ، لأن مسائل هذا الفن عنده قطعية لا ظنية ، وحينئذ فنحن نوافقه على انتفاء القطع ، وإنما ندعي أن الظن كاف في العمل ، فلا نتوقف ; وهو لا يكتفي بالظن ، فيتوقف .

الرابع : أن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى ، فإن تلك للشافعي فيها قولان ، ولهذا تردد في نقض الوضوء بالمحارم ، لأجل عموم : { أو لامستم النساء } والتخصيص بالمعنى ، وهو الشهوة منتفية فيهم ، وكذا في القاتل بحق مع حديث : { القاتل لا يرث } . وقوله : { أيما إهاب دبغ فقد طهر } استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير . وقد نقح إمام الحرمين في النهاية " الفارق بين المسائل ، فقال بعد [ ص: 499 ] تجويزه التخصيص بالقياس : هذا فيما يتطرق إليه المعنى ، وأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمر جائز على السير ، فالأصل فيه التعلق بالظاهر ، وتنزيله منزلة النص ، ولكن قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات ، فيتعين النظر إليه

وهذا له أمثلة منها أن الله تعالى ذكر الملامسة في قوله : { أو لامستم النساء } فجعلها الشافعي على الجس باليد ، ثم تردد نصه في لمس المحارم من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة وما لا يجري القياس في إثباته ، فلا يكاد يجري في نفيه . فمال الشافعي في ذلك إلى اتباع اسم النساء ، وأصح قوليه : أن الطهارة لا تنقض بمسهن ، لأن ذكر الملامسة المضافة إلى أن يقع شيء من الأحداث يشعر بلمس اللاتي يقصدن باللمس قال فإن لم يتجه معنى صحيح دلت القرينة على التخصيص ، كقوله عليه السلام { ليس للقاتل من الميراث شيء } ، فالحرمان لا ينسد فيه تعليل ، فإذا انسد مسلك التعليل اقتضى الحال التعلق بلفظ الشارع : تردد الشافعي في أن القتل قصاصا أو حدا إذا صدر من الوارث فهل يقتضي حرمانه ؟ فوجه تعلق الحرمان بكل قتل ، التعلق بالظاهر مع حسم التعليل ، ووجه إثبات الإرث التطلع إلى مقصود الشارع ، وليس بخفي أن قصده مضادة غرض المستعجل ، وهذا لا يتحقق في القتل الحق ; وكذلك النهي عن بيع اللحم بالحيوان فمن عمم تعلق بالظاهر ، ومن فصل بين الربوي وغيره تشوف إلى درك مقصود . وهو أن في الحيوان كما نبيع الشاة به نبيع الشاة بلحمه .

اعلم أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يعممه قطعا ، كاستنباط [ ص: 500 ] ما يشوش الفكر من قوله عليه السلام : { لا يقضي القاضي وهو غضبان } ، وكاستنباط الاستنجاء بالجامد الظاهر القالع من الأمر بالأحجار وهو غالب الأقيسة .

ولا يجوز أن يستنبط منه معنى يعود عليه بالبطلان ، ولهذا ضعف قول الحنفية في قوله : { في أربعين شاة شاة } ، أي قيمة شاة ، لأن القصد دفع الحاجة بالشاة أو القيمة ، ويلزم منه أن لا تجب الشاة أصلا ، لأنه إذ وجبت القيمة لم تجب الشاة ، فلا تكون مجزئة ، وهي مجزئة بالاتفاق ، فقد عاد الاستنباط على أصله بالبطلان ، واعتراض بعضهم بأن هذه كالذي قبله لأن الحنفي كما يجوز القيمة يجوز الشاة ، مردود بما سأذكره في كتاب القياس . وهل يجوز أن يستنبط منه معنى يخصصه ؟ فيه قولان . تردد فيهما الترجيح وقال إلكيا في المدارك " : المنقول عن الشافعي أنه لا يجوز تخصيص العموم بالمعنى ، لأن العموم ينبغي أن يفهم ، ثم يبحث عن دليله ، فإن فهم معنى اللفظ سابق على فهم معناه المستنبط ، وإذا فهم عمومه ، فكيف يتجه بناء علة على خلاف ما فهم منه ؟

قال : ويتجه للمخالف أن يقول : المعنى الذي يفهم من العموم في النظر الثاني ربما نراه أوفق لموضوع اللفظ ومنهاج الشرع ، وذلك تنبيه إما بفحوى الخطاب ومخرج الكلام ، وإما بأمارة أخرى تفصل بالكلام ، وذلك راجح على ما ظهر من اللفظ ، وهذا المعنى لا يقدر مخالفا للفظ ، ولكن يقدر بيانا له ، فالذي فهمناه أولا العموم ، ثم النظر الثاني يبين أن المراد به [ ص: 501 ] الخصوص ، فغلب معهود الشرع على معنى ظاهر اللفظ . فرع ولدته :

هل يجوز أن يستنبط من المقيد معنى يعود عليه بالإطلاق ؟ فيه نظر ، وقد جوز جمهور أصحابنا الاستنجاء بحجر واحد له ثلاث أحرف نظرا للمعنى ، وهو الإزالة بطاهر ، فيه رفع قيد العدد في قوله عليه السلام : { فليستنج بثلاثة أحجار }

التالي السابق


الخدمات العلمية