صفحة جزء
مسألة

يجوز تخصيص العموم بالمفهوم ، سواء مفهوم الموافقة والمخالفة . ونقله أبو الحسين بن القطان في كتابه عن نص الشافعي بالنسبة إلى مفهوم المخالفة ، فقال : نص الشافعي - رحمه الله تعالى - على القول بمفهوم الصفة ، وعلى أنه يخص به العموم . فإن قيل : لم قلت : إنه يخص به العموم ، وقد يرد من التخصيص عليه ما يرد على العموم ؟ قيل : لأن دليل الخلاف يجري مجرى القياس في باب القوة ، فلهذا جاز التخصيص به . قال : [ ص: 505 ] وسواء كان الدليل مستخرجا من ذلك الخطاب أو من غيره . فإنه يخصه انتهى .

وقال بعض شراح اللمع " يجوز تخصيص العموم بمفهوم الموافقة سواء قلنا : إنه من باب القياس أو من اللفظ ، لأن كلا منهما يخص به العموم . فيخص عموم القرآن والسنة بفحوى أدلة الكتاب تواترا ، كانت السنة أو آحادا ، ويخص عموم القرآن وآحاد السنة بفحوى أدلة المتواتر من السنة ، وأما تخصيص عموم القرآن ومتواتر السنة بفحوى آحاد السنة ، فالقياس يقتضيه ، وفيه احتمال . انتهى .

وقال الآمدي : لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم بين القائلين بالعموم والمفهوم ، وحينئذ فلا يحسن الاعتراض عليه كما حكاه الشيخ أبو إسحاق عن ابن سريج والحنفية من منعهم ذلك ، لأنهم بنوه على مذهبهم في إنكار المفهوم ، لكن أطلق الإمام في المنتخب " أنه لا يجوز . وقال : دلالته ، إن قلنا بكونه أضعف من النطق ، فلا تخصيص به ، وتوقف في المحصول " فلم يختر شيئا .

وقال الشيخ تقي الدين في شرح الإلمام " قد رأيت في بعض مصنفات المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم ، وفي كلام صفي الدين الهندي أن الخلاف في مفهوم المخالفة ، أما مفهوم الموافقة فاتفقوا على التخصيص به . قلت : وبه صرح الماوردي في كتاب القضاء من الحاوي " ، فقال : ما عرف معناه من ظاهر النص كقوله : { فلا تقل لهما أف } يدل على تحريم الضرب قياسا على الأصح ، وهذا يجوز [ ص: 506 ] تخصيص العموم به بلا خلاف ، وفي جواز النسخ وجهان . ا هـ . وهذا فيه نظر ، أعني قطعه بجواز التخصيص به مع ترجيحه كونه قياسا . وكان يتجه على الخلاف في التخصيص بالقياس ، لكنه هنا أولى بالجواز لما فيه من أن دلالته لفظية ، وربما أيد ذلك بدعوى الآمدي والإمام الاتفاق على جواز النسخ بمفهوم الموافقة .

والحق أن الخلاف ثابت فيهما ، أما مفهوم المخالفة كما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم ، كقوله : { في أربعين شاة شاة } ، ثم قال : { في سائمة الغنم الزكاة } . فإن المعلوفة خرجت بالمفهوم ، فيخصص به عموم الأول .

وذكر أبو الحسين بن القطان أنه لا خلاف في جواز التخصيص به ، ومثل بما ذكرنا ، وكذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : إذا ورد العموم مجردا من صفة ، ثم أعيد بصفة متأخرة عنه كقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين } مع قوله قبله أو بعده : اقتلوا أهل الأوثان من المشركين ، كان ذلك موجبا للتخصيص بالاتفاق ، ويوجب المنع من قتل أهل الكتاب ، ويخصص ما بعده من العموم . ا هـ .

وليس كما قالا ، ففي شرح اللمع " ، إن قلنا : إن المفهوم ليس بحجة ، امتنع التخصيص به ، وإن قلنا : حجة ، ابتنى على أنه في أنه كالنطق أو كالقياس ; فإن قلنا : كالنطق ، جاز التخصيص به ، وإن قلنا : قياس ، احتمل أن يكون في التخصيص به الخلاف المذكور في جواز التخصيص بالقياس الخفي . ا هـ .

وقد صرح ابن كج بالخلاف ، فقال : عندنا دليل الخطاب يخص [ ص: 507 ] العموم ، مثل قوله { في أربعين شاة شاة } ثم قال : { في سائمة الغنم الزكاة } ، فدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها ، فخصصناه بدليل قوله : { في أربعين شاة شاة } وينقل الأوامر من الوجوب إلى الندب .

وقال مالك : إن دليل الخطاب لا يخص العموم ، بل يكون العموم مقدما ، واستدل بأن العموم نطق ، ودليل الخطاب مفهوم من النطق ، فكان النطق أولى ، ولنا إجماعنا نحن وأصحاب مالك على القول بدليل الخطاب ، فجاز التخصيص به كغيره من الأدلة انتهى . قالت : قضية كلام ابن السمعاني في القواطع " أن للشافعي في التخصيص بمفهوم المخالفة قولين ، وأظهرهما : الجواز ، لأنه مستفاد من النص ، فصار بمنزلة النص ، ومثله بقوله تعالى : { وللمطلقات متاع بالمعروف } فكان عاما في كل مطلقة ، ثم قال : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، ومتعوهن } فكان مفهومه أن لا متعة لمدخول بها ، فخص بها في - أظهر قوليه - عموم المطلقات ، وامتنع من التخصيص [ على القول ] الآخر .

قلت : وذكر أبو الحسين بن القطان هذه الآية ، وجعلها من قبيل مفهوم الموافقة ، من باب ذكر بعض أفراد العام : قال : فاختلف فيه قول الشافعي ، فكان مرة يذهب إلى أن لكل مطلقة متعة التي فرض لها أو طلقت قبل الدخول ويقول : إن قوله : { وللمطلقات متاع } عام ، وقوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } بعض ما اشتمل عليه العموم ، لأنهما لا يتنافيان . والقول الثاني : إنه يقضي بهذه الآية على قوله : { للمطلقات متاع } لأنها أخص [ ص: 508 ] قال : وقد قيل إن آية التخصيص لم ترد في تعريف حكم المتعة ، وإنما وردت في الفرق بين الموسر والمعسر ، وإنما يخص العام إذا كان في الأخص مراد التخصيص ، فأما إذا لم يكن في التخصيص إرادة لم يجز أن يخص به ، كقوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } فليس هو حجة في إباحة كل ملك يمين ، لأنه لم يقصد بها تعريف الإباحة وإنما قصد بها المدح . ا هـ . ثم قال بعد ذلك : ومن المخصص أن يأتي بدليل الخطاب ، وهو ما كان له وصفان ، فتعلق الحكم بأحد وصفيه دل على أن ما عداه بخلافه ، فهذا يخص به العموم قولا واحدا . ا هـ .

وقال الصيرفي في كتاب الدلائل " : العام إن لم يمكن استعماله في جميع أفراده يتوقف على البيان ، كقوله تعالى : { وآتوا الزكاة } فإذا ذكر بعض الأفراد علم أنه المراد بالزكاة المذكورة ، كقوله : { ليس فيما دون خمس أواق صدقة } . وإن احتمل أن يكون المذكور إنما هو بعض الجنس ، فالحكم للعموم . كقوله تعالى : { وللمطلقات متاع } فهذا عام ، ثم قال بعده : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } الآية . فلما احتمل الأول أن يكون خاصا بمن لم يمس ، واحتمل أن يكون إنما هو ذكر لبعض الجنس الذي أريد بالمتعة ، ولم ينف - مع الجمع بينهما - أحدهما صاحبه في لفظ ولا دليل ، اقتضى الحكم على كل مطلقة .

فإن قيل : فقل هذه في قوله عليه الصلاة والسلام : { الماء لا ينجسه شيء } مع حديث القلتين . وقل : سائمة الغنم والعاملة كاملين هنا . قيل : لما كان مفهوم قوله في سائمة الغنم كذا . دليل على أن العاملة لا شيء فيها ، وكما لو رفعنا دلالة ما ورد في القلتين بقوله : { الماء لا ينجسه شيء } أسقطنا أحد الخبرين بالآخر ، صلح أن يكون مرتبا عليه . [ ص: 509 ] ثم قال : والحاصل أنك تضم أحدهما إلى الآخر ، فما أوجبه حكمهما فالحكم له ، وحق الكلام ما يقيد به ، حتى يعلم التوكيد فإن كان إذا ثبت العموم سقط دلالة الشرط ، فالحكم لما فيه الشرط ، وإن كنت إذا أثبته لم تنف دلالة العموم أجريته عاما إلى أن تقوم دلالة تدل على الجمع بين السائمة والعاملة من غير جهة المفهوم المحتمل ، لكن ثبت فيكون الحكم له .

قال : وقد يحتمل أيضا أن يكون على جواب الشافعي في المجمل والمفسر أن يكون قوله : { ومتعوهن } مرتبا على قوله : { لا جناح عليكم } ما لم تقم دلالة ، وقد قامت الدلالة بقوله تعالى : { فتعالين أمتعكن وأسرحكن } وقد علم أنهن مدخول بهن ، فتثبيت المتعة للممسوسة وغيرها بهذا الدليل . ا هـ .

وقال إلكيا الطبري : دلالة المفهوم أقوى من دلالة العموم المنطوق ، فإذا قال : أعط زيدا درهما ، ثم قال : إن دخل الدار فأعطه درهما ، كان الثاني أقوى . والدليلان إذا تعارضا قضي بأقواهما ، وهذا عكس قول الرازي في دعواه ضعف دلالة المفهوم .

وقال سليم في التقريب " يجوز التخصيص بدليل الخطاب ، يعني بمفهوم المخالفة في قول من يثبته ، لأنه دليل مستفاد من الآية فأشبه القياس .

التالي السابق


الخدمات العلمية