صفحة جزء
مسألة [ ورود الخطاب مطلقا في موضع ومقيدا في موضع ]

اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا مقيد له ، حمل على إطلاقه ، أو مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده ، وإن ورد مطلقا في موضع ، ومقيدا في آخر ، فالكلام في مقامين : أحدهما : في المقيد هل يجب أن يكون حاله مقصورا على الشرط المقيد به أم لا ؟

والثاني : في المطلق ، هل يجب حمله على حكم المقيد من جنسه أم لا ؟

أما الأول : فهو البحث في أن مفهوم الشرط والصفة حجة أم لا كما [ ص: 9 ] سيأتي إن شاء الله تعالى ، فإن قلنا : ليس بحجة ، لم يحمل المطلق عليه ، وإن قلنا : حجة حمل . ولا بد في الحمل من تقديم كون القيد شرطا فيما قيد به . والأصوليون قد أهملوا ذكره هنا لوضوحه ، وإنما تعرض له الماوردي والروياني ، واعتبرا معنى المقيد ، فإن كان خاصا ثبت حكم التقييد ، وإن كان عاما يسقط حكمه ، فالأول كقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } إلى قوله : { فلم تجدوا ماء } فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرط في إباحته .

والثاني : كقوله : { وإذا ضربتم في الأرض } إلى قوله : { إن خفتم } فليس الخوف شرطا في القصر .

وأما الثاني : فهو المقصود بعد ثبوت كون التقييد شرطا في المقيد ، فينقسم المطلق والمقيد إلى أقسام : أحدها : أن يختلفا في السبب والحكم ، فلا يحمل أحدهما على الآخر بالاتفاق ، كتقييد الشهادة بالعدالة ، وإطلاق الرقبة في الكفارة . وشرط الآمدي أن يكونا ثبوتيين ، فإن لم يكن ، كما إذا قال في كفارة الظهار : أعتق رقبة ، وقال : لا تملك رقبة كافرة ، فلا خلاف أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالمسلمة في هذه الصورة . واعلم أن الاتفاق في هذا القسم نقله القاضي أبو بكر ، وإمام الحرمين ، وإلكيا ، وابن برهان ، والآمدي وغيرهم ، وذكر الباجي عن القاضي محمد من المالكية أن مذهب مالك في هذا حمل المطلق على المقيد ، وأخذ ذلك من [ ص: 10 ] رواية رويت عنه أنه قال : عجبت من رجل عظيم من أهل العلم يقول : إن التيمم إلى الكوعين ، فقيل له : إنه حمل ذلك على آية القطع ، فقال : وأين هو من آية الوضوء ؟ قال الباجي : وهذا التأويل غير مسلم ، لأنه يحتمل حمله عليه بقياس أو علة ، وإنما الخلاف في الحمل بمقتضى اللفظ . وسيأتي حكاية قول الشافعي في كفارة القتل أنه يجزئ فيها الإطعام كما في الظهار .

قلت : ومن هذا كله يخرج خلاف في حمل المطلق على المقيد في هذا القسم ، وينبغي التفاته إلى أنه من باب القياس ، أو اللفظ . فإن قلنا من باب القياس امتنع ، لأن من شرط القياس اتحاد الحكم ، والحكم هنا مختلف ، حيث أطلق الإطعام وقيد الصيام .

القسم الثاني : أن يتفقا في السبب والحكم ، فيحمل أحدهما على الآخر كما لو قال : إن ظاهرت فاعتق رقبة . وقال في موضع آخر : إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة ، وأبو حنيفة يوافق في هذا القسم ، كما قاله أبو زيد في " الأسرار " ، وأبو منصور الماتريدي في تفسيره ، وغيرهما . ولهذا حمل قوله تعالى : { فصيام ثلاثة أيام } على قراءة ابن مسعود : متتابعات . وكذا لو قيل له : تغد عندي اليوم ، فقال : والله لا أتغدى ، حمل على ذلك اليوم ، حتى لا يحنث بغيره . وممن نقل الاتفاق في هذا القسم : القاضيان أبو بكر وعبد الوهاب ، وابن فورك وإلكيا الطبري ، وغيرهم ; وكإطلاق تحريم الدم في موضع ، وتقييده في آخر بالمسفوح ، وكقوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } وقال في موضع آخر { منه } . وقوله تعالى : { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها } فإنه لو قيل : [ ص: 11 ] نحن نرى من يطلب الدنيا طلبا حثيثا ، ولا يحصل له شيء قلنا : قال تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } فعلق ما يؤتيه بالمشيئة والإرادة فحمل المطلق على المقيد ، وكإطلاق المسح في قوله : { يمسح المسافر ثلاثة أيام } والتقييد بقوله : { إذا تطهر فلبس خفيه } ، وقوله : { عمن تمونون } مع قوله : { على كل صغير وكبير ، ذكر وأنثى ، حر وعبد من المسلمين } . وقوله : { لا نكاح إلا بولي } مع قوله : { إلا بولي مرشد } .

وقال ابن العربي في " المحصول " : هذه المسألة مسألة المفهوم ، كقوله : { في أربعين شاة شاة } وهذا مطلق . وقوله : { في الغنم السائمة الزكاة } [ ص: 12 ] فهذا مقيد بالسوم ، فإن قلنا بالمفهوم ، حملنا المطلق على المقيد على الخلاف ، والسبب واحد ، وهو الملك للمال الباقي ، والحكم واحد ، وهو وجوب الزكاة . ا هـ . وظاهره جريان خلاف الحنفية في هذا القسم منكري المفهوم ، وبه صرح ابن برهان في الأوسط ، فقال : اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم ، فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل ، والصحيح من مذهبهم أنه يحمل . قلت : إلا أنهم لم يحملوا صدقة الفطر كذلك ، بل عملوا بالنصين .

وقال أبو الوليد الباجي : حمل المطلق على المقيد في هذا القسم من باب دليل الخطاب ، وقد ذكرنا أنه ليس بدليل ، فيجوز التخصيص به . قال : وقد اختلف كلام القاضي أبي بكر في ذلك في " التقريب " ، وحكى الطرسوسي - بالسينين المهملتين - الخلاف فيه عن المالكية أيضا . واستثنى بعض الحنابلة من هذا القسم ما إذا كان المقيد آحادا ، والمطلق متواترا . قال : فيبنى على مسألة الزيادة ، هل هي نسخ ؟ وعلى نسخ المتواتر بالآحاد . والمنع قول الحنفية . وهذا كله في المقيد مطلقا . فإن كانت دلالة المقيد من حيث المفهوم ، فكذلك عند من قال به ، فيقدم خاصه على العموم ، ومن لا يقول بالمفهوم فيعمل بمقتضى الإطلاق .

قلت : وهكذا فعلت الحنفية في صدقة الفطر ، ولم يفعلوا ذلك في كفارة اليمين ، قالوا : لأنهما في الصوم وردا في حكم يستحيل وجوده بموضعين متضادين مقدما التقييد ، وفي صدقة الفطر في السبب ولا مزاحمة ، وإذا قلنا بالحمل ، فاختلفوا ، فصحح ابن الحاجب وغيره أن الحمل بيان للمطلوب ، أي دال على أنه كان المراد بالمطلق هو المقيد ، وقيل يكون نسخا أي دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد الطارئ . واعلم أن ظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في هذا القسم في الحمل بين أن يكون المطلق متقدما أو متأخرا أو جهل السابق منهما ، ولهذا قال الغزالي في " المستصفى " بعد تعرضه لهذا : وهذا صحيح على مذهب من لا يرى [ ص: 13 ] بين العام والخاص تقابل الناسخ والمنسوخ ، والقاضي مع مصيره إلى التعارض نقل الاتفاق على تنزيل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم . ا هـ . وفيما ذكره إشارة إلى أن من صار إلى أن العام المتأخر لا يخصص بالخاص المتقدم عند التعارض بل يحمل على النسخ ، ينبغي أن لا يحمل المطلق على المقيد ، ويلزمه أن يقول هاهنا : إن المطلق المتأخر ناسخ للمقيد المتقدم ، لأن المطلق بمثابة العام ، والمقيد بمثابة الخاص ، وعلى هذا يلزم الوقف عند جهل التاريخ ، كما توقف هناك . كذا قال الهندي والأردبيلي ، ويشهد له حكاية ابن الحاجب عن بعضهم أنه إذا كان المقيد متأخرا عن المطلق ، يكون المقيد ناسخا للمطلق ، وزيفه .

والحق أنه يتجه فيما إذا تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق ، وإلا فالحمل على النسخ مع إمكان حمله على البيان بعيد ، ثم يلزمه عكسه إن رأى نسخ الخاص بالعام . وقد يقال : لا يلزم القائل في العام بالنسخ أن يقول به هنا في المطلق ، والفرق أن الخاص يناقض العام في جهة مدلوله ، فإن العام يدل على إثبات الحكم في جميع أفراده ظاهرا ، والخاص ينفي الحكم في بعضها . فوقع التعارض بينهما من هذا الوجه . وأما المطلق فلا دلالة له على حكم المقيد . لا بنفي ولا إثبات ، فإن الإيمان مثلا في قوله : ( أعتق رقبة ) مسكوت عنه ، فلا يكون إثباته بقوله : أعتق رقبة مؤمنة منافيا لحكم الإطلاق من جهة المدلول ، فيحمل المطلق على المقيد بكل حال ، فصح نقل الإجماع على ذلك . ولا يخرج على الخلاف في تقابل العام المتأخر والخاص المتقدم لما فيه من الجمع بين الدليلين .

القسم الثالث : أن يختلفا في السبب دون الحكم ، كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار ، وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل ، فالحكم واحد ، وهو [ ص: 14 ] وجوب الإعتاق . لكن الظهار والقتل سببان مختلفان ، فهذا هو موضع الخلاف بين الحنفية والشافعية . أما عكسه وهو اتحاد السبب واختلاف الحكم . فظاهر إطلاقهم أنه . لا خلاف فيه . لكن ابن العربي في " المحصول " جعله من موضع الخلاف . وبه تصير الأقسام أربعة ، ومثله بآية الوضوء فإنه قيد فيها غسل اليدين بالمرافق ، وأطلق في آية التيمم ، كقوله : { وأيديكم منه } فإن السبب واحد ، وهو الحدث . وحكى أبو الخطاب من الحنابلة الخلاف في اتحاد السبب واختلاف الحكم . ونقل فيه روايتين عن أحمد ، ومثله بآية الوضوء والتيمم أيضا . وكذا مثل بها القاضي في " التقريب " . .

التالي السابق


الخدمات العلمية