صفحة جزء
[ ص: 39 ] فصل فيما يدخله التأويل وهو يجري في شيئين : أحدهما : الفروع ، وهو محل وفاق . والثاني : الأصول ، كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري الموهمة ، وقد اختلفوا فيه على ثلاثه مذاهب : أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها ، بل تجري على ظاهرها ، ولا يؤول شيء منها ، وهم المشبهة .

والثاني : أن لها تأويلا ، ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل ، لقوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } قال ابن برهان : وهذا قول السلف .

والثالث : أنها مؤولة ، وأولوها ، قال : والأول باطل والآخران منقولان عن الصحابة ، فنقل الإمساك عن أم سلمة رضي الله عنها ، لأنها سئلت عن الاستواء ، فقالت : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وكذلك سئل عنه مالك ، فأجاب بما قالت أم سلمة إلا أنه زاد فيه أن من عاد إلى هذا السؤال أضرب عنقه . وكذلك سئل عنه سفيان الثوري ، فقال : أفهم من قوله : { الرحمن على العرش استوى } ما أفهم من قوله : { ثم استوى إلى السماء } ونقل التأويل عن علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم . وقال : وهو المختار عندنا . ومنشأ الخلاف بين الفريقين : أنه هل يجوز أن يكون في القرآن [ ص: 40 ] شيء لا يعلم معناه ؟ فعندهم يجوز ولهذا منعوا التأويل ، واعتقدوا فيه التنزيه على ما يعلم الله ، وعندنا لا يجوز ذلك ، بل الراسخون يعلمونه ، وعليه انبنى الخلاف السابق في الوقف على : والراسخون ونقل في " الوجيز " قولا بتأويل الوارد في القرآن دون السنة . قال : والأكثرون على أنه لا فرق . قال : وذهب كثير من السلف إلى تنكب تأويل الآيات والأخبار مع اعتقاد نفي التشبيه ، وزعموا أن الإقدام على التأويل خطأ من غير أن يكون هناك دليل قاطع يدل عليه .

وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : الناس في هذه الأشياء الموهمة للجهة ونحوها فرق ثلاثة ، ففرقة تؤول ، وفرقة تشبه ، وثالثة ترى أنه لم يطلق الشارع مثل هذه اللفظة إلا وإطلاقه سائغ وحسن ، فنقولها مطلقة كما قالوا مع التصريح بالتقديس والتنزيه والتبري من التحديد والتشبيه . ولا نهم بشأنها ذكرا ، ولا فكرا ، بل نكل علمها إلى من أحاط بها ، وبكل شيء خبرا . وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها ، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها ، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ، ولا أحد من المتكلمين يصدف عنها ويأباها ، وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجير ما سواها ، حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عالم وعامي عما عداها ، قال : وهو كتاب " إلجام العوام عن علم الكلام " وهو آخر تصانيف الغزالي مطلقا أو آخر تصانيفه في أصول الدين ، حث فيه على مذهب السلف ومن تبعهم . ا هـ .

وقال الشيخ عز الدين في بعض فتاويه : طريقة التأويل بشرطه أقربهما إلى الحق ، لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه ، وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه ، لأنه قال : { ثم إن علينا بيانه } [ ص: 41 ] وقال لرسوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } وهذا عام في جميع آيات القرآن ، فمن وقف على الدليل فقد أفهمه الله مراده من كتابه ، وهو أكمل ممن لم يقف على ذلك ، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .

وقال صاحبه ابن دقيق العيد : ونقول في الألفاظ المشكلة : إنها حق وصدق على الوجه الذي أراده ، ومن أول شيئا منها فإن كان تأويله قريبا على ما يقتضيه لسان العرب وتفهمه في مخاطباتها لم ننكر عليه ، ولم نبدعه ، وإن كان تأويله بعيدا توقفنا عنه ، استبعدناه ، ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه مع التنزيه . قلت : وحيث ساعد التأويل لغة العرب فلا يقطع بأنه هو المراد ، فالله أعلم بمراده ، بل نقول : يجوز أن يكون المراد كذا ، وقد يترجح ذلك بالقرائن المحتفة باللفظ . نبه عليه بعض المشايخ .

وأما قولهم : مذهب السلف أسلم ، ومذهب الخلف أعلم ، فقد يتبادر الذهن إلى أن المراد أقوى في العلم ، وإنما المراد أنه أحوج إلى مزيد من العلم واتساع فيه لأجل أبواب التأويل ، وإنما كانت طريقة السلف أسلم لأنهم لم يخوضوا فيه . والخلف خاضوا فيه ، وأولوها على ما يليق بجلاله ، مع جواز أن يكون المراد غير ما أولوه مما يليق أيضا به هاهنا مثل طريقة السلف أسلم . ويحتمل أن يقال : طريقة الخلف لما كان فيها دفع إيهام من يتوهم حملا لا يليق كانت أعلم من تلك . ورجح بعض مشايخنا طريقة الخلف من جهة أن السلف خاضوا أيضا في بعض ، وقالوا : إنا قاطعون بأن الظاهر الذي لا يليق غير مراد ، فترك الحمل على ما يجوز أن يكون مرادا مسكوت عن التأويل مع الخوض في بعضه . ونبذ إيهام من لا يرتقي إلى درجة الفهم عنهم إلى أنهم إنما تركوا ذلك لاعتقادهم أنها لأمر زائد على ما قامت الدلالة القاطعة على إثباته له تعالى من الصفات اللائقة وفي ذلك محذور ، فطريقة الخلف أعلم وأسلم . [ ص: 42 ] قال الغزالي في كتاب " التفرقة بين الإسلام والزندقة " : سمعت الثقات من أئمة الحنابلة يقولون : أحمد بن حنبل صرح بتأويل ثلاثة أحاديث : أحدها : قوله : { الحجر الأسود يمين الله في الأرض } . والثاني : قوله عليه السلام : { قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن } . والثالث : قوله : { إني لأجد ريح نفس الرحمن من قبل اليمن } . ونقل الرازي عن الغزالي في كتاب : " تأسيس التقديس " بدل الحديث الثاني : { أنا جليس من ذكرني } ، والذي رأيته في كتاب الغزالي ما ذكرناه .

قال الغزالي : فانظر كيف أول أحمد لقيام البرهان عنده على استحالة ظاهره ، مع أنه أبعد الناس عن التأويل . فيقول : اليمين تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها ، والحجر الأسود يقبل تقربا إلى الله تعالى ، فهو مثل اليمين لا في ذاته ، ولا في صفة من صفاته ، ولكن في عارض من عوارضه ، فسمي يمينا ; وكذلك لما استحال وجود الأصبعين فيه حسا إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين ، فأوله على ما به تيسر تغليب الأشياء ، وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان ، وبهما يقلب الله القلوب ، فكنى بالأصبعين عنهما . قال : وإنما اقتصر أحمد على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة ، لأنه لم يظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر ، لأنه لم يستغرق البحث عن حقائق [ ص: 43 ] غيرها ، وغيره كالأشعري والمعتزلي بحثها ، وتجاوزا فأولا كثيرا لقيام ما استحال كثيرا . وأنكر ابن تيمية هذا على الغزالي قال : إنه لا يصح عن أحمد .

قلت : ونقل الثقة لا يندفع ، وقد نقل ابن الجوزي في كتاب " منهاج الوصول " عن أحمد أنه قال في قوله تعالى : { وجاء ربك } أي أمر ربك .

التالي السابق


الخدمات العلمية