صفحة جزء
[ ص: 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم . الحمد لله فالق الإصباح وفارق أهل الغي من أهل الصلاح وسائق السحاب الثقال بهبوب الرياح ومنزل الفرقان على عبده يوم الكفاح ببيض الصفاح محذرا من دار البوار وحاثا على دار الفلاح المنزه في عظيم علائه عن مشابهة الأرواح ومشاكلة الأشباح ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة زاكية الأرباح يوم القداح .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله والحرمات تستباح وحزب الكفر قد عم الفجاج والبطاح فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الحق بالحجاج الوضاح وسمهرية الرماح حتى أعلن مناديه في ناديه وباح ، وظهر دين الله على جميع الأديان فطار في الآفاق بقادمة كقادمة الجناح صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومحبيه ما أزال الظلم الحنادس ضوء الصباح صلاة نحوز بها أعلى رتب النجاح ونخلص بها من دركات الإثم والجناح .

( أما بعد ) فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا اشتملت على أصول وفروع ، وأصولها قسمان أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين ، والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه ، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة [ ص: 3 ] ما لا يحصى ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه .

وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل ، وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف ، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء ، وبرز القارح على الجذع وحاز قصب السبق من فيها برع ، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت ، وضاقت نفسه لذلك وقنطت ، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات ، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب .

وأجاب الشاسع البعيد وتقارب وحصل طلبته في أقرب الأزمان وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان فبين المقامين شأو بعيد وبين المنزلتين تفاوت شديد ، وقد ألهمني الله تعالى بفضله أن وضعت في أثناء كتاب الذخيرة من هذه القواعد شيئا كثيرا مفرقا في أبواب الفقه كل قاعدة في بابها وحيث تبنى عليها فروعها .

ثم أوجد الله تعالى في نفسي أن تلك القواعد لو اجتمعت في كتاب وزيد في تلخيصها وبيانها والكشف عن أسرارها وحكمها لكان ذلك أظهر لبهجتها ورونقها ، وتكيفت نفس الواقف عليها بها مجتمعة أكثر مما إذا رآها مفرقة ، وربما لم يقف إلا على اليسير منها هنالك لعدم استيعابه لجميع أبواب الفقه ، وأينما يقف على قاعدة ذهب عن خاطره ما قبلها بخلاف اجتماعها وتظافرها ، فوضعت هذا الكتاب للقواعد خاصة وزدت قواعد كثيرة ليست في الذخيرة وزدت ما وقع منها في الذخيرة بسطا وإيضاحا فإني في الذخيرة رغبت في كثرة النقل للفروع ؛ لأنه أخص بكتب الفروع ، وكرهت أن أجمع بين ذلك وكثرة البسط في المباحث والقواعد فيخرج الكتاب إلى حد يعسر على الطلبة تحصيله أما هنا فالعذر زائل والمانع ذاهب فأستوعب ما يفتح الله به إن شاء الله تعالى وجعلت مبادئ المباحث في القواعد بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين فإن وقع السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق .

وهما المقصودتان ، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما وإن وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما ، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى من تحقيقهما بغير ذلك فإن ضم القاعدة إلى ما يشاكلها في الظاهر ويضادها في الباطن أولى ؛ لأن الضد يظهر حسنة الضد وبضدها تتميز الأشياء وتقدم قبل هذا كتاب لي سميته كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام ذكرت في هذا الفرق أربعين مسألة جامعة [ ص: 4 ] لأسرار هذه الفروق وهو كتاب مستقل يستغنى به عن الإعادة هنا فمن شاء طالع ذلك الكتاب فهو حسن في بابه وعوائد الفضلاء وضع كتب الفروق بين الفروع ، وهذا في الفروق بين القواعد وتلخيصها فله من الشرف على تلك الكتب شرف الأصول على الفروع وسميته لذلك أنوار البروق في أنواء الفروق ولك أن تسميه كتاب الأنوار والأنواء أو كتاب الأنوار والقواعد السنية في الأسرار الفقهية كل ذلك لك وجمعت فيه من القواعد خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة أوضحت كل قاعدة بما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها .

( فائدة ) سمعت بعض مشايخي الفضلاء يقول فرقت العرب بين فرق بالتخفيف وفرق بالتشديد الأول في المعاني والثاني في الأجسام ، ووجه المناسبة فيه أن كثرة الحروف عند العرب تقتضي كثرة المعنى أو زيادته أو قوته ، والمعاني لطيفة والأجسام كثيفة فناسبها التشديد وناسب المعاني التخفيف مع أنه قد وقع في كتاب الله تعالى خلاف ذلك قال الله تعالى { وإذ فرقنا بكم البحر } فخفف في البحر وهو جسم .

وقال تعالى { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } وجاء على القاعدة قوله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } وقوله تعالى { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } و { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } ولا نكاد نسمع من الفقهاء إلا قولهم ما الفارق بين المسألتين ، ولا يقولون ما الفرق بينهما بالتشديد ، ومقتضي هذه القاعدة أن يقول السائل افرق لي بين المسألتين ولا يقول فرق لي ولا بأي شيء تفرق مع أن كثيرا يقولونه في الأفعال دون اسم الفاعل ، وقد آن الشروع في الكتاب مستعينا بالله تعالى على خلوص النية وحصول البغية وأسأله بعظيم جلاله وكمال علائه أن يجعله نافعا لي ولعباده ، وأن ييسر ذلك علي وعليهم بمنه وكرمه إنه على كل شيء قدير .


حاشية ابن الشاط

[ ص: 2 ] قال الشيخ الفقيه العلامة المتكلم الأستاذ الأوحد أبو القاسم قاسم بن عبد الله بن محمد بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاط رحمه الله تعالى آمين .

( بسم الله الرحمن الرحيم ) الحمد لله المنفرد بالجلال والكمال المنزه عن الأكفاء والنظراء والأشباه والأمثال ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المصطفى من الإرسال وعلى آله وصحبه خير صحب وخير آل .

( أما بعد ) فإني لما طالعت كتاب الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي المالكي [ ص: 3 ] رحمه الله تعالى المسمى بأنوار البروق في أنواء الفروق ألفيته قد حشد فيه وحشر وطوى ونشر ، وسلك السهول والنجود وورد البحور والثمود ، خلا أنه ما استكمل التصويب والتنقيب ، ولا استعمل التهذيب والترتيب فانتسب بسبب ذينك الأمرين إلى الإخلال [ ص: 4 ] بواجبين ، واحتجب لا مع بروقه منها بحاجبين ، ولما كان الأول منهما في مرتبة الضروريات ، والثاني في درجة الحاجيات ، وضعت كتابي هذا لما اشتمل عليه من الصواب مصححا ، ولما عدل به عن صوبه منقحا ، وأضربت عما سوى ذلك مؤثرا للضروري على الحاجي ومرجحا ، ولما شرفت أنوار هذا المجموع وأشرقت ، فلاحت كالشمس المضحية في الوضوح ، ووقفت أمامها لوامع الخلب من تلك البروق ، لما ضمنه من الخروج عن صوب الصواب والمروق موقف المفضوح سميته بكتاب إدرار الشروق على أنواء الفروق ليوافق اللفظ المعنى ، ويطابق الاسم المسمى ، والله تعالى أرجو أن يجعله من أليم العتاب يوم الحساب آمنا ولجسيم الثواب عند المآب ضامنا بمنه وكرمه .

حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم ) حمدا لمن أنزل الفرقان على سيدنا محمد سيد ولد عدنان فارقا به بين الحق الموجب للرضوان والباطل الموجب للخسران ، ولم يزل يرشد إلى الحق المبين به وبما بلغه من واضح البراهين حتى ظهر دين الله على جميع الأديان صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطاهرين وأصحابه الباذلين نفوسهم في تشييد قواعد الدين ومعالم الإيمان .

أما بعد فيقول تراب أقدام السادة العلماء والقادة النجباء الأتقياء العبد الحقير المعترف بذنبه المفتقر إلى عفو ربه محمد علي بن حسين المكي المالكي إن كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق للعلامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المشهور بالقرافي بين الناس لما امتاز بوضعه في الفروق بين القواعد لا في الفروق بين الفروع كما هو عادة الفضلاء الأماجد ، لما له على غيره من شرف السماء [ ص: 3 ] ما للأصول على الفروع من شرف الارتقاء إلا أنه لم يستكمل التصويب والتنقيب ، ولم يستعمل التهذيب والترتيب فوفق الله الإمام العلامة أبا القاسم المعروف بابن الشاط قاسم بن عبد الله الأنصاري الحقيق بالاغتباط لتنقيح ما عدل به عن صوب الصواب وتصحيح ما اشتمل عليه من صواب في حاشية إدرار الشروق على أنواء الفروق عن لي وإن كنت لست أهلا لذلك ولا من رجال هذه المهامه والمسالك أن ألخصه مع التهذيب والترتيب والتوضيح مراعيا ما حرره ذلك المفضال من التصحيح والتنقيح لقول أهل التحري والاحتياط عليك بفروق القرافي .

ولا تقبل منها إلا ما قبله ابن الشاط كما في ضوء الشموع للعلامة الأمير على شرحه على المجموع مع ما يفتح الله به علي مما تتم به الإفادة من جواب إشكال ترك جوابه أو زيادة رجاء من مفيض الإحسان أن يجعله سببا للعفو والغفران وسميتها بتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ورتبته على مقدمة وعلى فروق تشتمل على نحو خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة موضحة بما يناسبها من الفروع ليزداد انشراح القلب لغيرها فتتم الفائدة ، وتلك الفروق منها ما هو واقع بين فرعين يحصل بيانه بذكر ما هو المقصود من قاعدة أو قاعدتين ، ومنها ما هو واقع بين قاعدتين مقصود تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما نظرا لكون تحقيقهما بذلك أولى بلا إباء من تحقيقهما بغير ذلك لدى النبلاء لأن لضده الثناء وبضدها تتميز الأشياء .

( مقدمة ) في فائدتين :

( الأولى ) اعلم أن الشريعة المعظمة المحمدية قد اشتملت على أصول [ ص: 4 ] قسمان أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة ، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك ، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبرا لواحد وصفات المجتهدين كما في الأصل . قلت وتوضيح ذلك أن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن كانت ثلاثة لفظا وفعلا وإقرارا إلا أن غالب قواعد أصول الفقه إنما نشأت من طريق اللفظ ؛ لأن الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام أربعة أصناف ثلاثة متفق عليها الأول لفظ عام يحمل على عمومه ، أو خاص يحمل على خصوصه ، والثاني لفظ عام يراد به الخصوص ، والثالث لفظ خاص يراد به العموم وفي هذا يدخل التنبيه بالمساوي على المساوي وبالأعلى على الأدنى وبالأدنى على الأعلى كقوله تعالى { فلا تقل لهما أف } فقد فهم منه تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك .

وهذه الأصناف الثلاثة إما أن تأتي بصيغة الأمر أو بصيغة الخبر يراد به الأمر فتستدعي الفعل وفي حمل هذا الاستدعاء على الوجوب إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالترك أو على الندب إن فهم منه الثواب على الفعل وانتفاء العقاب مع الترك أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما خلاف بين العلماء مذكور في كتب أصول الفقه ، وإما أن تأتي بصيغة النهي أو بصيغة الخبر يراد به النهي فتستدعي الترك وفي حمل هذا الاستدعاء على التحريم إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل أو على الكراهة إن فهم منه الحث على تركه من غير تعلق العقاب بفعله أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما خلاف كذلك .

والأعيان التي يتعلق بها الحكم إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط ، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالنص ولا خلاف في وجوب العمل به ، وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد ، وهذا إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل ولا خلاف [ ص: 5 ] في أنه لا يوجب حكما ، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض ويسمى بالإضافة إلى البعض الأكثر ظاهرا وإلى البعض الأقل محتملا ، ويحمل على البعض الأكثر إذا ورد مطلقا ، ولا يحمل على البعض الأقل إلا بدليل فيعرض حينئذ خلاف الفقهاء في أقاويل الشارع من قبل ثلاثة معان من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم ، ومن قبل الاشتراك في الألف واللام المقرونة بجنس ذلك العين هل أريد بها الكل أو البعض ، ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي ، وصنف رابع مختلف فيه وهو أن يفهم من إيجاب الحكم لشيء ما نفى ذلك عما عدا ذلك الشيء ، ومن نفى الحكم لشيء ما إيجابه لما عدا ذلك الشيء الذي نفى عنه .

وهو الذي يعرف بدليل الخطاب مثل قوله عليه الصلاة والسلام { في سائمة الغنم الزكاة } فإن قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة ، أو نشأت مما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ أي جوازه ، وكونه ينقسم إلى أقسام أحدها نسخ الكتاب بالكتاب كحكم { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } بحكم { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } لتأخرها نزولا وإن تقدمت تلاوة ، وثانيها نسخ السنة بالسنة كحديث { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } .

وثالثها السنة بالكتاب كحكم استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ، ورابعها الكتاب بالسنة ولو آحادا على الصحيح خلافا لمن منعه إما لأن القطعي متن القرآن لا دلالته ، وإما لأنه لا مانع من نسخه بالآحاد وإن كانت دلالته قطعية كآية الاستقبال نعم الحق أنه لم يقع إلا بالسنة المتواترة كجواز الوصية للوالدين والأقربين بحديث { لا وصية لوارث } وينقسم أيضا إلى ما نسخت تلاوته وحكمه جميعا نحو عشر رضعات محرمات كان مما يتلى فنسخت بخمس معلومات وما نسخت تلاوته دون حكمه نحو { الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا [ ص: 6 ] من الله والله عزيز حكيم كان مما يتلى فرجم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المحصنين } وما نسخ حكمه دون تلاوته كآية { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } الآية نسخ بأربعة أشهر وعشرا .

وينقسم أيضا إلى النسخ إلى بدل كما في آيتي الأنفال وإلى غير بدل كقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } فإن وجوب تقديم الصدقة على الفقراء بما تيسر على مناجاته صلى الله تعالى عليه وسلم تقربا إلى الله تعالى ليطهره حتى يكون أهلا لمناجاته صلى الله تعالى عليه وسلم ، ونسخ بلا بدل لاستلزامه قلة الأسئلة فإن في السكوت رحمة كما ورد { اتركوني ما تركتكم إن الله سكت عن أشياء رحمة لكم وقد شدد بنو إسرائيل في السؤال عن البقرة فشدد عليهم بضيق صفاتها حتى غلت } .

والحق أن هذا القسم لم يقع وفاقا للشافعي رضي الله تعالى عنه والبدل في هذه الآية الجواز المطلق الصادق بالإباحة والاستحباب ومما يعرض لها من الترجيح عند تعارض الأمور الخمسة التي تخل بالفهم اليقيني المنظومة مع إضافة النسخ إليها في قول بعضهم مرجحا التجوز على الإضمار على خلاف الأصح من استوائهما تجوز ثم إضمار ، وبعدهما نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه ، وأرجح الكل تخصيص وآخرها نسخ فما بعده قسم يخلفه ولو جرى على الأصح من استواء التجوز والإضمار لقال تجوز مثل إضمار وبعدهما إلخ ، ويتحصل في تعارضها عشر صور هي تعارض التخصيص والتجوز ، تعارض التخصيص والإضمار ، تعارض التخصيص والنقل ، تعارض التخصيص والاشتراك فيقدم التخصيص في هذه الأربع ؛ لأنه أولى تعارض التجوز والاشتراك تعارض الإضمار والاشتراك تعارض النقل والاشتراك ، فيقدم كل من التجوز والإضمار والنقل على الاشتراك في هذه الثلاث ، تعارض التجوز والإضمار تعارض التجوز والنقل تعارض الإضمار والنقل ، والأصح استواء التجوز والإضمار وتقديمهما على النقل [ ص: 7 ] في هذه الثلاث ، وأمثلتها تطلب من كتب الأصول .

والفرق بين المنقول والمشترك مع تعدد المعنى والوضع في كل أن المشترك ما وضع لمعنييه مثلا على السواء بأن وضع لهذا كما وضع لذاك من غير اعتبار النقل من أحدهما إلى الآخر ، وفي جواز حمله عليهما عند الإطلاق فيسمى مشتركا مطلقا وعدم جوازه فلا يسمى مشتركا إلا بالنسبة إلى المعنيين مثلا .

وأما بالنسبة إلى أحدهما فيسمى مجملا خلاف ، والمنقول ما لم يوضع لمعنييه مثلا على السواء بل وضع أولا لأحدهما ثم نقل إلى الآخر لمناسبة بينهما مع هجر المعنى الأول ، والمراد بالتجوز التجوز الاصطلاحي الذي هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له إلخ فلا يشمل الإضمار ، وجعل التخصيص مقابلا للتجوز لا نوعا منه مبني على ما اختاره تقي الدين السبكي من أن العام إذا خص يكون حقيقة في الباقي لا على قول الأكثر أنه يكون مجازا فيه ، وإنما تعرضوا لتعارض هذه الخمسة فقط ؛ لأنها من عوارض اللفظ دون النسخ فإنه من عوارض الحكم ، وأيضا قال العطار على محلي جمع الجوامع ولهم خمسة أخرى تخل بالفهم وهي النسخ والتقديم والتأخير وتغير الإعراب والتصريف والمعارض العقلي واقتصر الشارح كالمصنف على الخمسة الأولى لكثرة وقوعها ولقوة الظن مع انتفائها .

ا هـ ومما يعرض لها أيضا من كون المعاني المتداولة المتأدية من هذه الأصناف اللفظية إجمالا ، إما أمر بشيء فيكون للوجوب أو للندب على ما مر ، وإما نهي عن شيء فيكون للتحريم أو للكراهة على ما مر أيضا ، وإما تخيير فيه وهو المباح فأصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذه الأصناف اللفظية خمسة ، ومن كون أسباب الاختلاف في تأدية هذه الأحكام من الأصناف اللفظية ستة أحدها تردد الألفاظ بين هذه الأصناف الأربعة ، أي كون اللفظ عاما يراد به الخاص أو خاصا يراد به العام ، أو عاما يراد به العام أو خاصا يراد به الخاص ، أو يكون له دليل الخطاب أو لا يكون له ، والثاني الاشتراك الحاصل إما في اللفظ المفرد كالقرء يطلق على الأطهار والحيض ، والأمر يحمل على الوجوب أو الندب [ ص: 8 ] والنهي يحمل على التحريم أو الكراهة .

وأما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى { إلا الذين تابوا } يحتمل أن يعود على الفاسق فقط أو عليه وعلى الشاهد معا فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة لشهادة القاذف ، والثالث اختلاف الإعراب ، والرابع تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو على نوع من أنواع المجاز التي هي إما الحذف وإما الزيادة وإما التأخير وإما التقديم وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة ، والخامس إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة وتقييدها بالإيمان تارة ، والسادس التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض ومن كون هذه الصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط أي عن هذه القواعد التي طريقها اللفظ العربي خاصة إلا كون القياس حجة فيما سكت عنه الشارع من الأحكام كما للجمهور .

ويشهد لثبوته دليل العقل ، وهو أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية ، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى فسقط قول أهل الظاهر : القياس في الشرع باطل ، وما سكت عنه الشارع فلا حكم له ، وكون القياس الشرعي إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم ، أو لعلة جامعة بينهما فهو نوعان قياس شبه وقياس علة ، وكونه وإن شارك اللفظ الخاص يراد به العام في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به يفارقه من جهة أن الإلحاق فيه من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ ، وفي الخاص يراد به العام من جهة دلالة اللفظ عليه ، وكون تعارضها في أنفسها وتعارضها مع الطرق الثلاث أعني معارضة القول أو الفعل أو الإقرار للقياس تكون سببا للاختلاف في تأدية هذه الأحكام من هذه الطرق الأربع .

وكون خبر الواحد لا يحتج به إلا إذا اشتهر بعمل عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الآحاد وبخاصة في المدينة كما هو المعلوم من مذهب [ ص: 9 ] مالك وبيان صفات المجتهدين .

وأما طريقا الفعل والإقرارات فلا ينشأ من واحد منهما شيء من قواعد الأحكام المذكورة ؛ لأن البحث عن الفعل في كتب الأصول من حيث إنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، ومن حيث الخلاف في نوع الحكم الذي يدل عليه الفعل هل الوجوب أو الندب ، والمختار عند المحققين أنه إن أتى بيانا لمجمل واجب دل على الوجوب أو لمجمل مندوب دل على الندب ، وإن لم يأت بيانا لمجمل فإن كان من جنس القربة دل على الندب أو من جنس المباحات دل على الإباحة .

والبحث عن الإقرارات فيها من حيث إنها تدل على الجواز ومن حيث إن معارضة القول أو الفعل له كمعارضته للقياس ، ومعارضة القول للفعل تكون سببا للاختلاف في تأدية الأحكام من الطرق الأربع المذكورة لتلقيها عن النبي عليه الصلاة والسلام وأما الإجماع فلا يكون إلا مستندا لأحد هذه الطرق الأربع ؛ لأنه لو كان أصلا مستقلا لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واللازم باطل ا هـ ملخصا من بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وعبد السلام والأمير على الجوهرة ورسالة الصبان البيانية والأنبابي عليها .

( والقسم الثاني ) : قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه ، لكل قاعدة من الفروع ما لا يحصى ولم يذكر شيء منها في أصول الفقه على سبيل التفصيل ، وإنما أتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال ، وقد وضع المحققون لتفصيله كتب القواعد مهتمين بتحصيله اهتمامهم بتحصيل الأصول بل هذه القواعد مهمة عظيمة النفع في الفقه بقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ، ويظهر رونق الفقه بلا تمويه وتتضح مناهج الفتاوى وتنكشف ، ويحوز قصب السبق من بالبراعة فيها يتصف نعم في حاشية الرهوني على شرح عبق على خليل أن صاحب الديباج عند ترجمة ابن بشير بن الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد قال ما نصه : وكان رحمه الله [ ص: 10 ] يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه ، وعلى هذا مشى في كتابة التنبيه وهي طريقة نبه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد على أنها غير مخلصة ، والفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصلية ا هـ بلفظه فتنبه .

( الفائدة الثانية ) الغالب استعمال العرب فرق بالتخفيف في المعاني وفرق بالتشديد في الأجسام نظرا لكون كثرة الحروف عندهم تقتضي كثرة المعنى أو زيادته أو قوته غالبا ، والمعاني لطيفة يناسبها التخفيف ، والأجسام كثيفة يناسبها التشديد فمن الغالب قوله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } وقوله تعالى { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } وقوله تعالى { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } ولا تكاد تسمع من الفقهاء إلا قولهم ما الفارق بين المسألتين ، ولا يقولون ما المفرق بينهما بالتشديد ومن غير الغالب قوله تعالى { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } وقوله تعالى { وإذ فرقنا بكم البحر } فخفف في الأجسام وكثيرا ما يقول الفقهاء في الأفعال دون اسم الفاعل : فرق لي بين المسألتين ، ولا يقولون أفرق لي بينهما ، ويقولون بأي شيء نفرق بينهما بالتشديد ، ولا يقولون بأي شيء نفرق بينهما بالتخفيف والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي


الخدمات العلمية