صفحة جزء
( المسألة التاسعة ) اتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } ووجه الدليل منه في غاية الإشكال فإن الآية ليست للتعليق وأن المفتوحة ليست للتعليق فما بقي في الآية شيء يدل على التعليق مطابقة ولا التزاما فكيف يصح الاستدلال بشيء لا يدل مطابقة ولا التزاما وطول الأيام يحاولون الاستدلال بهذه الآية ولا يكاد يتفطن لوجه الدليل منها وليس فيها إلا استثناء وأن هي الناصبة لا الشرطية ولا يتفطن أيضا لهذا الاستثناء من أي شيء هو وما هو المستثنى منه فتأمله فهو في غاية الإشكال وهو الأصل في اشتراط المشيئة عند النطق بالأفعال .

والجواب أن تقول : هذا استثناء من الأحوال والمستثنى منه حالة من الأحوال وهي محذوفة قبل أن الناصبة وعاملة فيها أعني الحال عاملة في أن الناصبة وتقديره ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حالة من الأحوال إلا معلقا بأن يشاء الله ثم حذفت معلقا والباء من أن وهي تحذف معها كثيرا فيكون النهي المتقدم مع إلا المتأخر قد حصرت القول في هذه الحال دون سائر الأحوال فتختص هذه الحال بالإباحة وغيرها بالتحريم وترك المحرم واجب وليس هناك شيء [ ص: 104 ] يترك به الحرام إلا هذه الحال فتكون واجبة فهذا مدرك الوجوب وأما مدرك التعليق فهو قولنا معلقا فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحال كما إذا قال له : لا تخرج إلا ضاحكا فإنه يفيد الأمر بالضحك حالة الخروج وانتظم معلقا مع أن بالباء المحذوفة واتجه الأمر بالتعليق على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالأفعال فافهم ذلك فإنه من المواضع العسيرة الفهم والتقدير فرع من هذا التقدير لو قال لامرأته : علقت طلاقك على دخول الدار طلقت بدخول الدار كما لو قال لها : أنت طالق إن دخلت الدار ولو قال لها : جعلت دخول الدار سببا لطلاقك لم تطلق بدخول الدار إلا أن يريد بالجعل التعليق فإن صاحب الشرع جعل له أن يجعل دخول الدار سببا لطلاق امرأته بطريق واحد وهو التعليق خاصة فإن أراد نصبه بغير التعليق كما جعل صاحب الشرع الزوال سببا لوجوب الظهر والهلال سببا لوجوب الصوم فليس ذلك له فافهم ذلك .


حاشية ابن الشاط

[ ص: 103 ] قال : ( المسألة التاسعة اتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } ووجه الدليل منه في غاية الإشكال إلى آخر المسألة ) قلت : ما قال : فيها من لزوم تقدير محذوف به يصح والمعنى المراد صحيح وما قاله في الفرع كذلك .

حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة التاسعة ) وجه استدلال جميع الفقهاء بقوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } على اشتراط المشيئة عند النطق بالأفعال مع أن الآية ليس فيها ما يدل على التعليق لا مطابقة ولا التزاما فإن إلا للاستثناء لا للتعليق وأن هي الناصبة لا الشرطية هو أن في الآية حذفا والمحذوف هو المستثنى منه والمستثنى الذي هو حال من مقول القول عاملة في أن بعد حذف الجار الذي هو الباء لحذفه معها كثيرا ، والتقدير ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حال من الأحوال إلا معلقا بأن يشاء الله فيكون النهي المتقدم مع إلا المتأخرة عنه قد حصرا القول في هذه الحال دون سائر الأحوال فتختص هذه الحال بالإباحة وغيرها بالتحريم وترك المحرم واجب وليس هناك شيء يترك به الحرام إلا هذه الحال فتكون واجبة فهذا مدرك الوجوب وأما مدرك التعليق فهو قولنا معلقا فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحال وأن الأمر بالتعليق على المشيئة عند الوعد بالأفعال كما أن قولك لا تخرج إلا ضاحكا يفيد [ ص: 113 ] الأمر بالضحك حالة الخروج ومن هنا علم أن قوله لامرأته : علقت طلاقك على دخول الدار بمنزلة قوله لها إن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت الدار في كونها تطلق بدخول الدار بخلاف قوله لها جعلت دخول الدار سببا لطلاقك فإنها لم تطلق بدخول الدار إلا أن يريد بالجعل التعليق لأن صاحب الشرع إنما جعل له أن يجعل دخول الدار سببا لطلاق امرأته بطريق واحد وهو التعليق خاصة فإن أراد نصبه بغير التعليق كما جعل صاحب الشرع الزوال سببا لوجوب الظهر والهلال سببا لوجوب الصوم فليس ذلك له فافهم ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية