صفحة جزء
( القسم الحادي عشر ) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر الدعاء على غير الظالم ؛ لأنه سعى في إضرار غير مستحق فيكون حراما كسائر المساعي الضارة بغير استحقاق ، فإن قلت الله سبحانه وتعالى عالم بأحوال العباد جملة وتفصيلا فلا يجيب دعاء من دعا ظلما لعلمه تعالى بأنه إضرار غير مستحق وهو سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا فلا يكون هذا الدعاء سعيا للإضرار ولا وسيلة له قلت لا نسلم أنه لا يؤثر ضررا وما ذكرتموه من علم الله تعالى مسلم ولكن المدعو عليه لا يخلو غالبا من ذنوب اقترفها أو سيئات اكتسبها من غير جهة الداعي فيستجيب الله تعالى دعاء هذا الداعي الظالم به عليه ويجعله [ ص: 292 ] سببا للانتقام من هذا المدعو عليه بذنوبه السالفة كما ينفذ فيه سهم العدو والكافر وسيف القاتل له ظلما إما مؤاخذة له بذنوبه أو رفعا لدرجاته مع أن صاحب السيف والسهم ظالم فكذلك صاحب الدعاء ظالم بدعائه وينفذ الله دعاءه كسيفه ورمحه ، ولذلك يسلط الله عليه السباع والهوام للانتقام وإن لم يصدر منه في حقها ما يوجب ذلك ويعاقب هذا الداعي أيضا على دعائه بغير حق والكل عدل من الله تعالى بل لو جوزنا خلو هذا المدعو عليه من الذنوب مطلقا وطهارته من جميع العيوب لجوزنا استجابة هذا الدعاء ليجعله الله سببا لرفع الدرجات وإظهار صبر العبد ورضاه فيحصل له الجزيل من الثواب ، وأما الدعاء على الظالم فقد قال مالك وجماعة من العلماء بجوازه والمستند في ذلك قوله تعالى { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } لكن الأحسن الصبر والعفو [ ص: 293 ] لقوله تعالى { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } أي من معزومها ومطلوبها عند الله ، فإن زاد في الإحسان على ذلك بأن دعا له بالإصلاح والخروج عن الظلم فقد أحسن إلى نفسه بمثوبة العفو وتحصيل مكارم الأخلاق وإلى الجاني بالتسبب إلى إصلاح صفاته وإلى الناس بالتسبب إلى كفايتهم شره ، فهذه ثلاثة أنواع من الإحسان لا ينبغي أن تفوت اللبيب لا سيما وقد روي أن الإنسان إذا دعا بمكروه على غيره تقول له الملائكة ولك مثله وإذا دعا بخير لأحد تقول له الملائكة ولك مثله .

( تنبيه ) من الظلمة من إذا علم بالمسامحة والعفو زاد طغيانه ولا يردعه إلا إظهار الدعاء عليه فليكن [ ص: 294 ] العفو عنه بينك وبين الله تعالى ولا تظهر له ذلك بل أظهر له فيه صلاحه واستصلاحه ومن يجود إذا جدت عليه كان سمة خير فينبغي إظهار ذلك له وحيث قلنا بجواز الدعاء على الظالم فلا تدعو عليه بملابسة معصية من معاصي الله تعالى ولا بالكفر فإن إرادة المعصية معصية وإرادة الكفر كفر بل تدعو عليه بإنكاد الدنيا ولا تدعو عليه بمؤلمة لم تقتضها جنايته عليك بأن يجني عليك جناية فتدعو عليه بأعظم منها فهذا حرام عليك ؛ لأنك جان عليه بالمقدار الزائد والله تعالى يقول { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فتأمل هذه الضوابط ولا تخرج عنها .

فإن قلت فإن قال اللهم ارزقه سوء الخاتمة أو غير ذلك من العبارات الدالة على طلب الكفر هل يكون هذا الداعي كافرا أو لا لأن إرادة الكفر كفر والطالب مريد لما طلبه قلت الداعي له [ ص: 295 ] حالتان تارة يريد الكفر بالعرض لا بالذات فيقع تابعا لمقصوده لا أنه مقصوده فهذا ليس بكافر كما قال عليه السلام { وددت أن أقتل في سبيل الله ، ثم أحيا فأقتل ، ثم أحيا فأقتل } فقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله وقتل الأنبياء كفر لكنه عليه السلام مراده ومقصوده منازل الشهداء وما عدا ذلك وقع تابعا لمقصوده لا أنه مقصوده فمثل هذا لا حرج فيه من هذا الوجه ، وكذلك ما حكاه الله تعالى عن أحد ابني آدم من قوله { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار } مقصوده إنما هو السلامة من القتل لا من أن يقتل ويصدر منه معصية القتل .

وإن لزم عن ذلك معصية أخيه بمباشرة القتل لا يضره ذلك ولذلك قال عليه الصلاة والسلام { كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل } فأمره أن يريد أن يقتله غيره ولا يعزم هو على القتل فإن المقصود بالذات إنما هو السلامة ووقع غير ذلك تبعا [ ص: 296 ] وتارة يريد الكفر بالذات فهذا كافر إذا كان مقصوده أن يعصي الله بالكفر ليس إلا ، كذلك هذا الداعي إذا كان مقصوده أن يعصي هذا المدعو عليه ربه لا أن يكفر بالله ويقع الكفر تبعا لمقصوده فهذا ليس بكفر .

نعم قد لا يكون المدعو عليه جنى عليه جناية يستحق أن يقابل عليها بهذا الدعاء العظيم فيكون عاصيا بجنايته على المدعو عليه لا كافرا فهذا تفصيل حال هذا الدعاء ، وقد غلط جماعة فأفتوا بالتكفير مطلقا وليس كذلك


حاشية ابن الشاط

قال ( القسم الحادي عشر من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر الدعاء على غير الظالم لأنه سعي في إضرار غير مستحق فيكون حراما كسائر المساعي الضارة بغير استحقاق ، فإن قلت الله سبحانه وتعالى أعلم بأحوال العباد جملة وتفصيلا فلا يجيب دعاء من دعا ظلما لعلمه تعالى بأنه إضرار غير مستحق وهو سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا فلا يكون هذا الدعاء سعيا للإضرار ولا وسيلة له قلت لا نسلم أنه لا يؤثر ضررا ، وما ذكرتموه من علم الله تعالى مسلم ولكن المدعو عليه لا يخلو غالبا من ذنوب اقترفها أو سيئات اكتسبها من غير جهة الداعي فيستجيب الله تعالى دعاء هذا الداعي الظالم بدعائه ويجعله [ ص: 292 ] سببا للانتقام من هذا المدعو عليه بذنوبه السالفة كما ينفذ فيه سهم العدو والكافر وسيف القاتل له ظلما إما مؤاخذة له بذنوبه أو رفعا لدرجاته مع أن صاحب السيف والسهم ظالم فكذلك صاحب الدعاء ظالم بدعائه ، وينفذ الله دعاءه كسيفه ورمحه ، ولذلك يسلط الله عليه السباع والهوام للانتقام ، وإن لم يصدر منه في حقها ما يوجب ذلك ويعاقب هذا الداعي أيضا على دعائه بغير حق والكل عدل من الله تعالى بل لو جوزنا خلو هذا المدعو عليه من الذنوب مطلقا وطهارته من جميع العيوب لجوزنا استجابة هذا الدعاء ليجعله الله سببا لرفع الدرجات وإظهار صبر العبد ورضاه فيحصل له الجزيل من الثواب ) .

قلت ما قاله في هذا الفصل صحيح إلا قوله وإظهار صبر العبد إن كان يريد به اشتراط الصبر في رفع الدرجات بالمصائب والآلام وشبه ذلك مما هو غير مكتسب على ما سبق له في الفرق الثالث والستين والمائتين وسبق القول في مخالفتي إياه في ذلك ، وإن كان لم يرد اشتراط الصبر في ذلك بل أراد إنما ذكره من إجابة دعوة الظالم ، وغير ذلك من المصيبات يكون سببا لرفع الدرجات من غير شرط الصبر ويكون أيضا سببا لوقوع الصبر من الصابر فقد خالف قوله هنالك وناقضه بهذا القول والله تعالى أعلم .

قال ( وأما الدعاء فقد قال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء بجوازه والمستند في ذلك قوله تعالى { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } لكن الأحسن الصبر والعفو [ ص: 293 ] لقوله تعالى { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } أي من معزومها ومطلوبها عند الله تعالى ، فإن زاد في الإحسان على ذلك بأن دعا له بالإصلاح والخروج عن الظلم فقد أحسن إلى نفسه بمثوبة العفو وتحصيل مكارم الأخلاق وإلى الجاني بالتسبب إلى إصلاح صفاته وإلى الناس كافة بالتسبب إلى كفايتهم شره فهذه ثلاث أنواع من الإحسان لا ينبغي أن تفوت اللبيب لا سيما وقد روي أن الإنسان إذ دعا بمكروه على غيره تقول له الملائكة ولك مثله ، وإذا دعا بخير تقول له الملائكة ولك مثله ) قلت ليس في الآية التي استدل بها دليل على جواز الدعاء على الظالم ، وإنما فيها الدليل على جواز الانتصار والانتصار هو الانتصاف منه على درجة لا يكون فيها زيادة على قدر الظلم وبالوجه الذي أبيح الانتصاف به ، وجواز الانتصاف لا يستلزم جواز الدعاء عليه إلا أن يكون الدعاء بتيسير أسباب الانتصاف منه فقد يسوغ دعوى دلالة الآية على ذلك ضمنا لا صريحا ، وأما الدعاء بغير ذلك فلا يدل عليه لا بضمن ولا صريح ، وما قاله من أنه إن زاد على ذلك بأن دعا له فقد أحسن إلى نفسه وإلى الجاني صحيح أيضا ، وما عقب به من ذلك الحديث المخبر عن الملائكة تقول ولك مثله إن كان أراد حمله على إطلاقه في الدعاء بالمكروه ، وكذلك في الدعاء بالمحبوب فلا أرى ذلك صحيحا بل إن دعا على ظالم بأن يصاب بمثل ما أصاب به فلا يقول الملك ولك مثله ، وإنما يقول الملك ذلك إذا دعا على بريء أو على جان بأزيد في جنايته هذا في جانب المكروه ، وأما الدعاء في جانب المحبوب فلا أراه إلا على إطلاقه والله تعالى أعلم .

قال ( تنبيه من الظلمة من إذا علم بالمسامحة والعفو زاد طغيانه ولا يردعه إلا إظهار الدعاء عليه فليكن [ ص: 294 ] العفو عنه بينك وبين الله تعالى ولا تظهر له ذلك بل أظهر له ما فيه صلاحه واستصلاحه ومن يجود إذا جدت عليه كان سمة خير فينبغي إظهار ذلك له ) قلت ما قاله في ذلك صحيح . قال ( وحيث قلنا بجواز الدعاء على الظالم فلا يدع عليه بملابسة معصية من معاصي الله تعالى ولا بالكفر فإن إرادة المعصية معصية وإرادة الكفر كفر ) قلت ليس هذا الإطلاق عندي بصحيح بل إن اقترن بإرادة المعصية قول في المعصية التي هي قول أو فعل في المعصية التي هي فعل فذلك معصية وإلا فلا على ما اقتضاه قوله صلى الله عليه وسلم { إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم } فإرادة الكفر داخلة تحت عموم الحديث المذكور ولا أعلم لهذا الحديث الآن معارضا فلا كفر والله تعالى أعلم . هذا في إرادة المرء أن يعصي أو أن يكفر فكلا الإرادتين معصية لا كفر . والله تعالى أعلم وقوله ( بل تدعو عليه بإنكاد الدنيا ولا تدع عليه بمؤلمة لم تقتضها جنايته عليك بأن يجتني عليك جناية فتدعو عليه بأعظم منها فهذا حرام عليك ؛ لأنك جان عليه بالمقدار الزائد والله تعالى يقول { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فتأمل هذه الضوابط ولا تخرج عنها ) .

قلت ما قاله فيه صحيح . قال ( فإن قلت فإن قال اللهم ارزقه سوء الخاتمة أو غير ذلك من العبارات الدالة على طلب الكفر هل يكون هذا الداعي كافرا أو لا لأن إرادة الكفر كفر والطالب مريد لما طلبه ؟ قلت الداعي له [ ص: 295 ] حالتان : تارة يريد الكفر بالعرض لا بالذات فيقع تابعا لمقصوده لا أنه مقصوده فهذا ليس بكافر كما قال عليه السلام { وددت أن أقتل في سبيل الله ، ثم أحيا فأقتل } فقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله وقتل الأنبياء كفر لكنه عليه السلام مراده ومقصوده منازل الشهداء ، وما عدا ذلك وقع تابعا لمقصوده لا أنه مقصوده فمثل هذا لا حرج فيه من هذا الوجه ) قلت قد تقدم أن مريد الكفر ليس بكافر ما لم يقع منه الكفر بقول إن كان ذلك الكفر قولا أو بفعل إن كان ذلك فعلا فمريد ما يلزم عنه الكفر أولى أن لا يكون كافرا . قال ( وكذلك ما حكاه الله تعالى عن أحد ابني آدم من قوله { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار } مقصوده إنما هو السلامة من القتل لا من أن يقتل ويصدر منه معصية القتل ، وإن لزم عن ذلك معصية أخيه بمباشرة القتل لا يضره ذلك ) قلت لا يلزم من ذلك كفر كما تقدم . قال ( ولذلك قال عليه الصلاة والسلام { كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل } فأمره أن يريد أن يقتله غيره ولا يعزم هو على القتل فإن المقصود بالذات إنما هو السلامة ووقع غير ذلك تبعا ) قلت قوله فأمره أن يريد أن يقتله غيره ولا يعزم هو على القتل ليس بصحيح ما أمره أن يريد أن يقتله غيره ولا نهاه أن يعزم هو على القتل فإنه لم يجر في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر إرادته ولا ذكر عزمه بل أمره بالاستسلام وترك المقاتلة التي [ ص: 296 ] ربما أدت إلى أن تكون قاتلا . قال ( وتارة يريد الكفر بالذات فهذا كافر إذا كان مقصوده أن يعصي الله تعالى بالكفر ليس إلا ) قلت ليس ذلك بصحيح بل إذا أراد كفر غيره بقصد إضرار ذلك الغير فهي معصية غير كفر إلا أن تكون إرادته كفر الغير بقصد نفعه لرجحان الكفر عنده على الإيمان فهذا كفر والله تعالى أعلم . قال ( كذلك هذا الداعي إذا كان مقصوده أن يعصي الله هذا المدعو عليه ربه لا أن يكفر بالله ويقع الكفر تبعا لمقصوده فهذا ليس بكافر ) قلت ما قاله صحيح . قال ( فهذا تفصيل حال هذا الدعاء ، وقد غلط جماعة فأفتوا بالتكفير مطلقا وليس كذلك ) قلت قد سبق أنه ليس بكفر ولا إذا دعا بالكفر ولا بما يؤدي إليه

التالي السابق


الخدمات العلمية