1. الرئيسية
  2. أنوار البروق في أنواء الفروق
  3. الفرق بين قاعدة الواجب للآدميين على الآدميين وبين قاعدة الواجب للوالدين على الأولاد
صفحة جزء
( المسألة الخامسة ) في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم { نادت امرأة ابنها وهو في صومعته يصلي قالت يا جريج فقال : اللهم أمي وصلاتي قال : فقالت : يا جريج . [ ص: 144 ] قال : اللهم أمي وصلاتي فقالت : اللهم لا يموت حتى ينظر في وجه المياميس وكانت تأتي إلى صومعته راعية ترعى الغنم فولدت فقيل لها : ممن هذا الولد ؟ فقالت : من جريج نزل من صومعته فواقعني } وساق الحديث وهذا الحديث يدل على وجوب طاعة الأم في قطع النافلة ويلزم من ذلك أن لا تكون واجبة بالشروع أو يقال ما وجب بالشروع يقطع للأبوين بخلاف الواجب بالأصالة مع أن في الاستدلال بالحديث نظرا وهو أنه ليس فيه إلا أن الله استجاب دعاءها فيه واستجابة الدعاء لا يتعين أنه لوجوب حق الداعي وأنه مظلوم وقد ثبت في كتاب المنجيات والموبقات في فقه الأدعية أن دعاء الظالم قد يستجاب في المظلوم ويجعل الله تعالى دعاءه سببا لضرر يحصل للمظلوم لأجل ذنب تقدم من المظلوم وعصيانه لله تعالى بغير طريق هذا الداعي كما أن ظلم هذا الظالم ابتداء يكون بسبب ذنوب تقدمت للمظلوم ويكون الظالم سبب وصول العقوبة إليه فكذلك يجعل الله تعالى دعاءه سبب نقمته كما جعل يده ولسانه سببي نقمته والكل بذنوب سالفة للمظلوم فلا يستبعد استجابة دعاء الظالم في المظلوم وإنما كان يمتنع ذلك أن لو كان دعاؤه إنما يستجاب بسبب حق الظالم والظالم ليس له حق فلا يستجاب وليس كذلك بل يستجاب بسبب حقوق لغيره لقوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } .

وبهذا التقرير يظهر ضعف الاستدلال بهذا الحديث فإنه ليس فيه إلا استجابة الدعاء ومما يدل على تقديم طاعتهما على المندوبات ما في مسلم أن { رجلا قال : يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد قال : هل من والديك أحد حي ؟ قال : نعم كلاهما قال : فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ قال : نعم قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما } فجعل عليه السلام الكون مع الأبوين أفضل من الكون معه وجعل خدمتهما أفضل من الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما في أول الإسلام ومع أنه لم يقل في الحديث أنهما منعاه بل هما موجودان فقط فأمره عليه السلام بالأفضل في حقه وهو الكون معهما وفرض الجهاد فرض كفاية يحمله الحاضرون عند النبي صلى الله عليه وسلم عنه ويندرج في هذا المسلك غسل الموتى ومواراتهم وجميع فروض الكفاية إذا وجد من يقوم بها وهذا الحديث أعظم دليل وأبلغ في أمر الوالدين فإنه عليه الصلاة والسلام رتب هذا الحكم على مجرد وصف الأبوة مع قطع النظر عن أمرهما وعصيانهما [ ص: 145 ] وحاجتهما للولد وغير ذلك من الأمور الموجبة لبرهما بل مجرد وصف الأبوة مقدم على ما تقدم ذكره وإذا نص النبي عليه الصلاة والسلام على تقديم صحبتهما على صحبته عليه السلام فما بقي بعد هذه الغاية غاية وإذا قدم خدمتهما على فعل فروض الكفاية فعلى النفل بطريق الأولى بل على المندوبات المتأكدة وقد روي في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته } لأنه في ذلك الوقت كان الكلام الذي يحتاج إليه في الصلاة مباحا كما كان في أول شرعنا وعلى هذا التقدير يندفع الإشكال ويكون جريج عصى بترك طاعتهما في أمر مباح أو مندوب إليه وهو الصمت حينئذ .

فوائد في الحديث المتقدم : المياميس الزواني جمع زانية ووجه المناسبة أنه لما منع أمه من النظر إلى وجهه محتجا بالصلاة دعت عليه بأن ينظر إلى وجوه الزواني عقوبة على الامتناع من النظر إلى وجهها ويدل الحديث أيضا على منع السفر المباح إلا بإذنهما فإن غيبة الوجه فيه أعظم ويدل أيضا على وجوب طاعتهما في النوافل ويدل أيضا على أن العقوق يؤاخذ به الإنسان وإن عظم قدره في الزهد والعبادة لأن جريجا كان من أعبد بني إسرائيل وخرقت له العادات وظهرت له الكرامات فما ظنك بغيره إذا عق أبويه ويدل على تحريم أصل العقوق قوله تعالى { فلا تقل لهما أف } وإذا حرم هذا القول حرم ما فوقه بطريق الأولى ويدل على مخالفتهما في الواجبات قوله تعالى { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } وفي الآية فائدتان : الفائدة الأولى أن الأبوين يجب برهما ويحرم عقوقهما وإن كانا كافرين فإنه لا يأمر بالشرك إلا كافر ومع ذلك فقد صرحت الآية بوجوب برهما الفائدة الثانية أن مخالفتهما واجبة في أمرهما بالمعاصي ويؤكد ذلك قوله عليه السلام { لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق } .


حاشية ابن الشاط

قال : ( المسألة الخامسة في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم { نادت امرأة ابنها وهو في صومعته } إلى آخر ما ذكر في المسألة ) قلت : جميع ما قاله في ذلك [ ص: 144 ] من نقل وغيره صحيح غير قوله وإذا قدم خدمتها على فروض الكفايات فعلى النقل بطريق الأولى فإنه لقائل أن يقول : ليس ذلك في النفل أولى لأن تركه فرض الكفاية مع قيام غيره به لا تفوت به مصلحة وترك النفل تفوت به مصلحة ذلك النفل ويمكن الجواب بأن مصلحة النفل إنما هي مجرد الثواب وكذلك مصلحة فرض الكفاية في حق من هو زائد في العدد على من يحصل به المقصود من ذلك الفرض لكن ثواب فرض الكفاية أعظم فتتحقق الأولوية .

حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة الخامسة ) أعظم دليل وأبلغه في أمر الوالدين ما في مسلم { أن رجلا قال : يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد قال : هل من والديك أحد حي ؟ قال : نعم كلاهما قال : فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ قال : نعم قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما } فإنه عليه الصلاة والسلام أمره بالأفضل في حقه وهو الكون معهما رتبه على مجرد وصف الأبوة مع قطع النظر عن أمرهما وعصيانهما وحاجتهما للولد وغير ذلك من الأمور الموجبة لبرهما بل قدم صلى الله تعالى عليه وسلم صحبتهما مع مجرد وصف الأبوة على صحبته عليه الصلاة والسلام وخدمتهما مع ذلك على الجهاد معه صلى الله تعالى عليه وسلم لا سيما في أول الإسلام نظرا لكون الجهاد فرض كفاية يحمله الحاضرون عنده صلى الله تعالى عليه وسلم عنه فيندرج في هذا المسلك غسل الموتى ومواراتهم وجميع [ ص: 163 ] فروض الكفاية إذا وجد من يقوم بها ويكون تقديم خدمتهما على النفل بطريق الأولى وإن لم تفت بتركه فرض الكفاية مع قيام غيره به مصلحة ومصلحة ذلك النفل تفوت بتركه نظرا لكون مصلحة النفل وإن لم تكن إلا مجرد الثواب وكذا مصلحة فرض الكفاية في حق من هو زائد في العدد على من يحصل به المقصود من ذلك إلا أن ثواب فرض الكفاية أعظم فتتحقق الأولوية بل على المندوبات المتأكدة نعم هذا حيث لم يشرع في النافلة والمندوبات المتأكدة وفرض الكفاية أما بعد الشروع فلا تجب طاعة الوالدين في قطع ذلك .

إذ النافلة والمندوبات المتأكدة مما يجب بالشروع عندنا وعند السادة الأحناف خلافا للشافعية وكذا فرض الكفاية يصير فرض عين بالشروع فيه على الأصح حتى طلب العلم لمن ظهرت فيه قابلية من نجابة قاله سحنون خلاف ما عند المحلي كما في حاشية ابن حمدون على شرح ميارة الصغير على ابن عاشر وما في صحيح مسلم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم { نادت امرأة ابنها وهو في صومعته يصلي قالت : يا جريج فقال : اللهم أمي وصلاتي قال : فقالت يا جريج قال : اللهم أمي وصلاتي فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر في وجه المياميس وكانت تأتي إلى صومعته راعية ترعى الغنم فولدت فقيل لها : ممن هذا الولد ؟ فقالت : من جريج نزل من صومعته فواقعني } وساق الحديث لا يدل على وجوب طاعة الأم في قطع النافلة حتى يلزم من ذلك أن لا تكون واجبة بالشروع أو يقال ما وجب بالشروع يقطع للأبوين بخلاف الواجب بالأصالة لأن الكلام الذي يحتاج إليه في الصلاة كان مباحا في ذلك الوقت كما كان في أول شرعنا وعليه فيكون جريج قد عصى بترك طاعتها في أمر مباح أو مندوب إليه وهو الصمت حينئذ فلذا روي في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : { لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته } على أن في الاستدلال به نظرا إذ ليس فيه إلا أن الله استجاب دعاءها فيه واستجابة الدعاء لا يتعين أنه لوجوب حق الداعي وأنه مظلوم وقد ثبت في كتاب المنجيات والموبقات في فقه الأدعية أن دعاء الظالم قد يستجاب في المظلوم ويجعل الله تعالى دعاءه سببا لضرر يحصل للمظلوم لأجل ذنب تقدم من المظلوم وعصيانه لله تعالى بغير طريق هذا الداعي كما أن [ ص: 164 ] ظلم هذا الظالم ابتداء يكون بسبب ذنوب تقدمت للمظلوم ويكون الظالم سبب وصول العقوبة إليه فكذلك يجعل الله دعاءه سبب نقمته وجعل يده ولسانه سببي نقمته والكل بذنوب سالفة للمظلوم فلا يستبعد إجابة دعاء الظالم في المظلوم .

وإنما كان يمتنع ذلك أن لو كان دعاؤه إنما يستجاب بسبب حق الظالم والظالم ليس له حق فلا يستجاب وليس كذلك بل يستجاب بسبب حقوق لغيره لقوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } نعم يدل هذا الحديث على أمور : الأول منع السفر المباح إلا بإذنهما وذلك أن المياميس الزواني جمع زانية فلما منع أمه من النظر إلى وجهه محتجا بالصلاة دعت عليه بأن ينظر إلى وجوه الزواني عقوبة على الامتناع من النظر إلى وجهها ولا شك أن غيبة الوجه في السفر أعظم . الثاني وجوب طاعتهما في النوافل . الثالث أن العقوق يؤاخذ به الإنسان وإن عظم قدره في الزهد والعبادة لأن جريجا كان من أعبد بني إسرائيل وخرقت له العادات وظهرت له الكرامات فما ظنك بغيره إذا عق والديه .

التالي السابق


الخدمات العلمية