صفحة جزء
[ ص: 41 ] الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره : وهو معرفة أو ظرف أو مجرور وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة .

اعلم أن المبتدأ يجب انحصاره في خبره مطلقا كان معرفة أو نكرة بسبب أن خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم فالمساوي نحو : الإنسان ناطق ، والأعم نحو : الإنسان حيوان ، والعشرة عدد أو زوج هذا شأن الخبر ولو قلت الحيوان إنسان أو العدد عشرة لم يصح والمبتدأ على هذا يجب أن يكون مساويا إن كان الخبر مساويا أو أخص إن كان الخبر أعم [ ص: 42 ] وإذا وجب للمبتدأ أن يكون مساويا أو أخص في جميع الصور كان الحصر لازما في جميع الصور ؛ لأن المساوي منحصر في مساويه والأخص منحصر في الأعم فالإنسان كما هو منحصر في الناطق منحصر في الحيوان فلا يوجد في غيره فهذا برهان عقلي قطعي في وجوب انحصار المبتدأ في خبره ومع ذلك فقد فرق العلماء بين قولنا زيد قائم لم يجعلوه للحصر وبين قولنا زيد القائم فجعلوه للحصر فكيف صح من العلماء مخالفة الدليل القاطع في المبتدأ إذا كان خبره نكرة .

والجواب عن هذا السؤال أن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق فهذا الحصر الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا كان نكرة ، وأما الحصر الأول فلم يتعرضوا له .

وبيان ذلك أنك إذا قلت : زيد قائم فزيد منحصر في مفهوم قائم لا يخرج عنه إلى نقيضه لكن قولنا قائم مطلق في القيام فهي موجبة جزئية في وقت واحد فنقيضه إنما هو السالبة الدائمة وهو أن لا يكون زيد قائما دائما لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ومعلوم أن هذا النقيض منفي إذا صدق قولنا زيد قائم في وقت كذا فكذلك جميع الأخبار التي هي نكرات فالحصر ثابت بحسب النقيض لا بحسب غيره فإذا صدق مفهوم الحصر باعتبار النقيض صدق الخبر ولم يخالف الدليل العقلي [ ص: 43 ] ولا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد والخلاف فجاز أن يكون مع كونه قائما جالسا في وقت آخر ونحوه ومن الأضداد وحيا وفقيها وعابدا في جميع الأوقات وكذلك كل وصف هو خلاف أو ضد فجميع ذلك يجوز ثبوته .

وأما النقيض فلا سبيل للاتصاف به ألبتة فالحصر باعتباره لا باعتبار غيره هذا في النكرات وأما غير النكرات فأذكر فيه سبع مسائل توضحه وتبين الفرق .

( المسألة الأولى ) قوله عليه السلام في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم استدل به العلماء على انحصار سبب تحريمها في التكبير وسبب تحليلها في التسليم فلا يدخل في حرمات الصلاة إلا بالتكبير ولا يخرج من حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم فهذا خبر معرف بالألف واللام اقتضى الحصر في التكبير دون نقيضه الذي هو عدم التكبير وضده الذي هو الهزل واللعب والنوم والجنون وخلافه الذي هو الخشوع والتعظيم ، فأي شيء فعل من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة وكذلك تحليلها التسليم يقتضي الحصر في التسليم دون نقيضه الذي هو عدم التسليم وضده الذي هو النوم والإغماء وخلافه الذي هو الحدث وغير ذلك من التعظيم والإجلال وغيرهما فلا يخرج من حل الصلاة إلى حرماتها إلا بالتسليم فقط .

ونعني بالحرمات تحريم الكلام والأكل والشرب وغير ذلك مما يحرم في الصلاة ونعني بحلها إباحة جميع ما حرم بالصلاة فإن قلت فهو يخرج من الصلاة بالضد الذي هو النوم والجنون والإغماء وبالخلاف الذي هو الحدث ونعني بالضد ما لا يمكن اجتماعه معه وبالخلاف ما يمكن اجتماعه معه قلت ليس مرادنا بالخروج من حرمات الصلاة إلى حلها بطلان الصلاة كيف كان إنما مرادنا بذلك الخروج على وجه الإباحة الشرعية والخروج [ ص: 44 ] عن العهدة فمن أراد أن يخرج على هذا الوجه فلا سبب له إلا السلام المشروع والخروج على غير هذا الوجه ليس مرادنا فإن قلت السلام إذا وقع في أثناء الصلاة يخرج من حرماتها ومع ذلك فلا إباحة ولا براءة ذمة قلت إنما أخرج السلام من حرمات الصلاة في أثنائها ؛ لأنه كلام ليس بمشروع كما لو تكلم في أثناء الصلاة فهو كسبق الحدث وغيره ومن المبطلات وإخراجه في أثناء الصلاة ليس من باب إخراجه في آخر الصلاة والحصر إنما تعرض له صاحب الشرع من الوجه الثاني دون الأول فاندفع السؤال ، وهذا الجواب على مذهب ابن نافع من أصحابنا فإنه يرى أن السلام على وجه السهو لا يبطل الصلاة ولا يحتاج في الرجوع إلى تكبير وهو مذهب الشافعي فجعل السلام في أثناء الصلاة كالكلام في أثناء الصلاة والكلام على وجه السهو في أثناء الصلاة لا يبطلها ، وكذلك السلام سهوا وهذا هو الذي يتجه ومن جهة النظر .

وأما الحديث فإنه أريد به السلام المأذون فيه في آخر الصلاة أما سهو السلام وعمده في أثناء الصلاة فلم يرد ولا يفهم من قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم إلا التكبير الأول المشروع سببا للدخول في الصلاة والسلام الذي هو في آخرها المشروع سببا في الخروج منها لا سيما ولفظ السلام خبر معناه الدعاء بالسلامة والدعاء لا يقدح في الصلاة لا سهوا ولا عمدا فالقول بكونه إذا وقع في أثناء الصلاة محوج لتكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة وأنه مخرج منها مطلقا مشكل فإن قلت النية المقترنة به تقتضي رفض الصلاة ورفض الصلاة يقتضي إبطالها فذلك أحوج للتكبير ولأن جنسه مبطل للصلاة إجماعا وقع في أجزائها ويلحق بذلك الفرد بقية صوره بالقياس أو نقول اللام فيه للعموم فيشمل صورة النزاع .

قلت السلام قد يقع مع نية الخروج من الصلاة وقد لا يقع فإن المذهب على قولين في اشتراط النية فيه فإن لم تكن معه نية فلا كلام وإن وقعت فليست رفضا ؛ لأن الرفض هو قصد إبطال الصلاة ولم يقصد إبطالها إنما اعتقد أن صلاته كملت فأتى بنية الخروج من الصلاة وهذا ليس رفضا وعن الثاني أن السلام كونه مخرجا من الصلاة غير معقول المعنى ولا يناسب لفظ هو دعاء الخروج من الصلاة وإنما يناسب في ذلك ما ينافيها والدعاء لا ينافي الصلاة فإذا لم يكن معقول المعنى امتنع القياس ؛ لأن القياس بلا جامع لا يصح فإن قلت هو قياس الشبه لا قياس المعنى قلت قياس الشبه ضعيف وقد منع القاضي شيخ الأصوليين أنه حجة سلمنا صحته لكن الفرق أنه في أثناء الصلاة معارض فالمقتضى لا كمال الصلاة الذي يقتضي المداومة عليها وفي آخر الصلاة وهو سالم عن هذا المعارض فافترقا ، .

وأما التمسك بالعموم فالجواب عنه أن قرينة السياق تدل على أن اللام ههنا إنما أريد بها حقيقة الجنس الذي هو القدر المشترك لا العموم ؛ لأن ما ذكر معه من الطهور المحلى باللام إنما أريد به الفرد المقارن للأول فقط [ ص: 45 ] فكذلك التكبير لا يدخل فيه إلا بالمقارن الأول والذي في أثناء الصلاة منه لا يدخل به في حرمات الصلاة فكذلك يحمل السلام على المقارن لآخر الصلاة تسوية بينه وبين ما قرن معه ولأنه المتبادر للذهن ولو كان السلام في أثناء الصلاة يحوج للتكبير ويخرج من حرمات الصلاة لبطل ما مضى من الصلاة وابتدئت من أولها ولم يقل به مالك في السهو ألبتة فلما لم تعد الصلاة من أولها دل على أن المصلي في حرمات الصلاة وبالجملة فما أجد مشهور مذهب مالك في أن السلام سهوا محوج للتكبير إلا مشكلا والمتجه مذهب الشافعي .

( المسألة الثانية ) قوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه فلا يحوج إلى ذكاة أخرى ومعنى الكلام أن ذكاة الجنين تغني عنها ذكاة أمه فإن قلت فذكاة الجنين هي الذبح الخاص في حلقه هذا هو الحقيقة اللغوية فجعل هذه الذكاة عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على سبيل المجاز كقولنا أبو يوسف أبو حنيفة والأصل عدم المجاز وهو خلاف الظاهر فكيف يقال : إن هذا اللفظ بوضعه يقتضي أن عين ذكاة الجنين هي عين ذكاة أمه ؟

قلت : سؤال حسن والجواب عنه يحتاج إلى جودة ذهن وفكر في فهمه بسبب النظر في قاعدة وهي أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال فالإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة ويكون ذلك حقيقة لغوية كقولنا صوم رمضان وحج البيت فنضيف الصوم لرمضان والحج للبيت فتكون إضافة حقيقة ولو أسندنا الفعل فقلنا صام رمضان بأن يجعل الشهر هو الفاعل أو البيت يحج لم يصدق ذلك حقيقة وينفر منه سمع السامع فكذلك ينبغي هاهنا أن يفرق بين ذكيت الجنين وبين ذكاة الجنين فذكيت الجنين لا يصدق إلا إذا قطع منه موضع الذكاة وذكاة [ ص: 46 ] الجنين تصدق بأيسر ملابسة ، وأحد طرق الملابسة أن ذكاة أمه تبيحه فمن هذا الوجه صار بينه وبين ذكاة أمه ملابسة تصدق أنها ذكاته فيكون على التقدير ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا وهذا هو مقتضى قول النحاة عن العرب فإنهم قالوا يكفي في الإضافة أدنى ملابسة كقول أحد حاملي الخشبة للآخر شل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له بسبب الملابسة وأنشدوا :

إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة

فأضاف الكوكب إليها ؛ لأنها كانت تقوم لشغلها عند طلوعه وإذا استقريت ذلك وجدته كثيرا على وجه الحقيقة فصح ما ذكرنا من إضافة الذكاة للجنين وأن الحديث يقتضي الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بسبب ذكاة أمه .

واعلم أن هذا الحديث يروى بالرفع في الذكاة الثانية وبالنصب فتمسك المالكية والشافعية براوية الرفع على استغناء الجنين عن الذكاة وتمسك الحنفية برواية النصب على احتياجه للذكاة وأنه لا يؤكل بذكاة أمه والتقدير عندهم ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه وهو القاعدة في حذف المضاف .

والجواب عما تمسك به الحنفية من هذه الرواية أن هاهنا تقديرا آخر وهو أن يكون التقدير ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصبت الذكاة على أنها مفعول كقولك دخلت الدار ويكون المحذوف أقل مما قدره الحنفية ويكون في هذا التقدير جمع بين الروايتين فيكون أولى من التعارض والتنافي بينهما فيرجح بقلة المحذوف والجمع لا يبقى لهم فيه مستند على الروايتين ويكون حجة عليهم [ ص: 47 ]

( المسألة الثالثة ) قوله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد والخبر هاهنا ليس معرفة بل مجرورا وتقدير الخبر الشفعة مستحقة فيما لم يقسم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم { الأعمال بالنيات } يقتضي حصر الأعمال المعتبرة في النيات وتقدير الكلام الأعمال معتبرة بالنيات فالعمل بغير نية لا يعتبر شرعا كما أن طلب الشفعة فيما لا يقبل القسمة لا يعتبر شرعا .

( المسألة الرابعة ) قوله تعالى { الحج أشهر معلومات } تقديره زمان الحج أشهر معلومات فيكون وقت الحج محصورا في هذه الأشهر وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وهو الميقات الزماني وهل هذا الحصر باعتبار الأجزاء وهو مذهب الشافعي فلا يحرم بالحج قبله أو باعتبار الفضيلة وهو مذهب مالك فيكره الإحرام قبله فإن وقع صح قولان .

( المسألة الخامسة ) قال الغزالي إذا قلت صديقي زيد أو زيد صديقي اختلف الحكم في زيد فالأول يقتضي حصر أصدقائك في زيد فلا تصادق أنت غيره وهو يجوز أن يصادق غيرك والثاني يقتضي حصره في صداقتك فلا يجوز أن يصادق غيرك وأنت يجوز أن تصادق غيره على عكس الأول .

( المسألة السادسة ) قال الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له الألف واللام قد ترد لحصر الثاني في الأول كقولك زيد القائم أي لا قائم إلا زيد فيحصر وصف القيام وكذلك إذا قلت : أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الخلافة بعده عليه السلام منحصرة في أبي بكر ومنه زيد الناقل لهذا الخبر والمتسبب في هذه القضية فالثاني أبدا منحصر في الأول بخلاف قاعدة الحصر أبدا الأول منحصر في الثاني .

( المسألة السابعة ) إذا قلت السفر يوم الجمعة فهم منه الحصر في هذا الظرف وأنه لا يقع في يوم الخميس ولا في غيره من الأيام وكذلك هذا النوع من الخبر فقد اتضح لك الحصر للمبتدأ في خبره مع التعريف والظرف والمجرور بخلاف قولنا زيد قائم وعمرو خارج .


حاشية ابن الشاط

[ ص: 64 ] قال ( الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة أو ظرف أو مجرور وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة ، اعلم أن المبتدأ يجب انحصاره في خبره مطلقا كان معرفة أو نكرة بسبب أن خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم ) قلت : ما قاله هنا من أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر مطلقا بمعنى أنه لا يوجد إلا فيه ومعه ليس بصحيح بل الصحيح أنه لا يجب ذلك لا مطلقا ولا مقيدا وقوله بسبب أن خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم ليس بصحيح أيضا بل لا يجوز أن يكون الخبر إلا مساويا للمبتدأ لا أخص منه ولا أعم ، فإنه إذا أخبر بشيء عن شيء فليس المراد إلا أن الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبر ولو صح ما قاله لكان قولنا الإنسان حيوان معناه أن الإنسان الخاص هو الحيوان العام له ولغيره من الحيوانات ، فيكون من مضمون ذلك أن الإنسان حمار وثور وكلب وغير ذلك من أصناف الحيوان وذلك غير صحيح بل معنى قولنا الإنسان حيوان الإنسان حيوان ما .

قال ( فالمساوي نحو الإنسان ناطق والأعم نحو الإنسان حيوان إلى قوله هذا شأن الخبر ) قلت لا فرق بين قول القائل الإنسان ناطق والإنسان حيوان من حيث القصد بالخبر نعم بينهما الفرق في اللفظ من حيث إن لفظ الناطق يختص بالإنسان ولفظ الحيوان غير مختص به أي يصدق في غير هذا القول على غير الإنسان وأما في هذا القول فلا يصح ألبتة أن يراد به إلا الإنسان لا غيره ولا هو وغيره .

قال ( ولو قلت : الحيوان إنسان أو العدد عشرة لم يصح ) قلت : إن أريد بالألف واللام اللتين في الحيوان والعدد العهد في الإنسان وفي العشرة صح وإن أريد العهد في الحقيقة أو العموم لم يصح للزوم مساواة المبتدأ للخبر وأنه هو بعينه .

قال ( والمبتدأ على هذا يجب أن يكون مساويا إن كان الخبر مساويا أو أخص إن كان الخبر أعم ) قلت قوله يجب أن يكون مساويا إن كان الخبر مساويا كلام لا حاصل له فإنه يوهم أن يكون مساويا مع أن الخبر غير مساو وقوله وأخص قد تبين أنه لا يكون أخص بل مساويا من حيث القصد والمراد وإن كان أعم من جهة اللفظ [ ص: 42 ] قال ( وإذا وجب للمبتدأ أن يكون مساويا أو أخص في جميع الصور كان الحصر لازما في جميع الصور ؛ لأن المساوي منحصر في مساويه والأخص منحصر في الأعم فالإنسان كما هو منحصر في الناطق منحصر في الحيوان فلا يوجد في غيره فهذا برهان عقلي قطعي في وجوب انحصار المبتدأ في خبره ) قلت ما قاله من أن المبتدأ منحصر في الخبر إذا كان الخبر مساويا أو أعم غير مسلم كما سبق .

قال ( ومع ذلك فقد فرق العلماء بين قولنا زيد قائم لم يجعلوه للحصر وبين قولنا زيد القائم فجعلوه للحصر فكيف صح من العلماء مخالفة الدليل القاطع في المبتدأ إذا كان خبره نكرة .

والجواب عن هذا السؤال أن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق فهذا الحصر الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا كان نكرة وأما الحصر الأول فلم يتعرضوا له ) .

قلت قوله يقتضي نفي النقيض فقط إن أراد يقتضي نفي النقيض نطقا وصريحا فليس قوله بصحيح وإن أراد يقتضي ذلك ضرورة فقوله صحيح فإن القائل إذا قال : زيد قائم فقد أثبت له القيام ومن ضرورة ثبوت القيام انتفاء عدمه فالقائل زيد قائم إنما أخبر عن ثبوت القيام لزيد ولم يخبر عن انتفاء عدم القيام عنه ولكن ذلك لازم ضرورة .

قال ( وبيان ذلك أنك إذا قلت زيد قائم فزيد منحصر في مفهوم قائم لا يخرج عنه إلى نقيضه إلى منتهى قوله ولم يخالف الدليل العقلي ) قلت ما قاله هنا صحيح كما قال لكن من مقتضى العقل [ ص: 43 ] لا من مقتضى اللفظ .

قال ( ولا يلزم من عدم الاتصاف بالضد والخلاف إلى قوله فاذكر فيه سبع مسائل توضحه وتبين الفرق ) قلت ما قاله في ذلك صحيح .

قال ( المسألة الأولى ) قوله عليه السلام ( في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم إلى قوله وخلافه الذي هو الخشوع والتعظيم قلت ما قاله نقل لا كلام فيه قال : فأي شيء فعل من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة ) قلت إن أراد أن قوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير يقتضي صريحا المنع من الدخول في الصلاة بغير التكبير فذلك ممنوع وإن أراد أنه يقتضي المنع مفهوما فيجري على الخلاف في المفهوم فذلك مسلم .

قال ( وكذلك تحليلها التسليم يقتضي الحصر في التسليم إلى منتهى قوله ومعنى تحليلها إباحة جميع ما حرم الله بالصلاة ) قلت الكلام فيه كما تقدم .

قال ( فإن قلت : فهو يخرج من الصلاة والضد الذي هو النوم والجنون والإغماء إلى آخر الكلام في المسألة ) قلت ما قاله في ذلك صحيح وجواباته صحيحة واستشكاله لما استشكل من مشهور المذهب صحيح والله أعلم [ ص: 44 - 45 ] قال .

( المسألة الثانية ) قوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه فلا يحوج إلى ذكاة أخرى ومعنى الكلام أن ذكاة الجنين تغني عنها ذكاة أمه فإن قلت : ذكاة الجنين هو الذبح الخاص في حلقه هذا هو الحقيقة اللغوية قلت ليس الذكاة حقيقة لغوية بل حقيقة عرفية شرعية .

قال ( فجعل هذه الذكاة عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على سبيل المجاز كقولنا أبو يوسف أبو حنيفة والأصل عدم المجاز وهو خلاف الظاهر فكيف يقال إن هذا اللفظ يقتضي بوضعه أن عين ذكاة الجنين هو عين ذكاة أمة ) قلت لم يقل أحد أن عين ذكاة الجنين هي عين ذكاة أمه ولا يصح أن يقال ذلك وإنما يقال هذا القول على سبيل المجاز لا غير لامتناع أن يكون المتحد متعددا .

قال ( قلت سؤال حسن والجواب عنه يحتاج إلى جودة ذهن وفكر في فهمه بسبب النظر في قاعدة وهي أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال فالإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة ويكون ذلك حقيقة لغوية كقولنا صوم رمضان وحج البيت إلى منتهى قوله واستغنى الجنين عن [ ص: 46 ] الذكاة بسبب ذكاة أمه ) قلت ما قاله من أن الإضافة تصح بأدنى ملابسة وهي حقيقة لغوية صحيح وما قاله من الفرق بين الإضافة والإسناد كذلك ؛ لأن الإسناد يلزم فيه مراعاة الفاعل وهل هو مما وقع في إسناد ذلك الفعل إليه فيكون ذلك حقيقة فيه أو لا ؟ فيكون مجازا وما ذكره من أن الحديث يقتضي الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم .

قال ( واعلم أن هذا الحديث يروى بالرفع في الذكاة الثانية وبالنصب فتمسك المالكية والشافعية براوية الرفع على استغناء الجنين عن الذكاة وتمسك الحنفية برواية النصب على احتياجه للذكاة إلى آخر المسألة ) قلت ما قاله ومن أن قول المالكية والشافعية يرجح بقلة الحذف مسلم إلا أنه يرجح أيضا قول الحنفية بأن تقديرهم من مقتضى مساق الكلام وتقدير غيرهم ليس كذلك بل من مقتضى رأيه ومذهبه فإنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه وما قاله ومن أن قول المالكية والشافعية يرجح بالجمع ممنوع فإنه مبني على تعذر الجمع على الحنفية وليس الأمر كذلك بل الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول [ ص: 47 ] قال ( المسألة الثالثة ) قوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد إلى آخر المسألة قلت ما قاله دعوى مبنية على المذهب .

قال ( المسألة الرابعة ) قوله تعالى { الحج أشهر معلومات } إلى آخرها قلت وما قاله في هذه المسألة دعوى أيضا .

قال ( المسألة الخامسة ) قال الغزالي إذا قلت : صديقي زيد وزيد صديقي إلى آخرها قلت : قول الغزالي دعوى أيضا .

قال ( المسألة السادسة ، قال الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له الألف واللام قد ترد الحصر الثاني في الأول كقولك زيد القائم إلى آخرها ) قلت وقول الفخر دعوى أيضا .

قال ( المسألة السابعة ) إذا قلت : السفر يوم الجمعة فهم منه الحصر في هذا الظرف إلى آخرها قلت ما قاله له هنا أيضا دعوى لم يأت عليها بحجة .

حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة باللام الجنسية وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة )

اعلم أن خبر المبتدأ لا يجوز إلا أن يكون مساويا للمبتدأ من حيث قصد الإخبار به وإن كان من حيث لفظه أعم من المبتدأ على الصحيح ؛ لأنه إذا أخبر بشيء عن شيء فليس المراد إلا أن الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبر فمعنى قولنا الإنسان حيوان الإنسان حيوان ما وليس معناه الإنسان الخاص هو الحيوان العام له ولغيره وإلا لتضمن ذلك أن الإنسان حمار وثور وكلب وغير ذلك من أصناف الحيوان وذلك غير صحيح وحينئذ فلا فرق بين قول القائل الإنسان ناطق وقوله الإنسان حيوان من حيث القصد بالخبر وإنما بينهما فرق من حيث إن لفظ الناطق يختص بالإنسان لوضعه لما هو مختص به ولفظ الحيوان غير مختص به لوضعه لما هو غير مختص به فيصدق في غير هذا القول على غير الإنسان .

وأما في هذا القول فلا يصح ألبتة أن يراد به إلا الإنسان لا غيره ولا هو وغيره وأن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق والأول حاصل بمقتضى العقل لكل مبتدأ في خبره ولو لم يكن خبره معرفا باللام الجنسية ضرورة أن انتفاء نقيضه لازم لثبوته للمبتدأ فنحو قولك زيد قائم مخبرا عن ثبوت القيام لزيد يلزمه عقلا انتفاء عدم القيام عنه وإن لم يدل عليه اللفظ صريحا والثاني حاصل صريحا يدل عليه خصوص الخبر المعرف فاللام الجنس بمقتضى استقرار تراكيب البلغاء فهذا الحصر الثاني وهو مراد من فرق من العلماء بين قولنا زيد قائم وبين قولنا زيد القائم بجعله الثاني للحصر دون الأول فزيد في المثال الأول وإن كان بمقتضى العقل لا اللفظ منحصرا في مفهوم قائم بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى نقيضه وهو أن لا يكون زيد قائما دائما لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ضرورة أن لفظ قائم مطلق في القيام .

فقولنا زيد قائم موجبة جزئية في وقت واحد فنقيضه إنما هو السالبة الدائمة إلا أنه ليس بمنحصر في مفهومه بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى ضده أو خلافه أيضا إذ لا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد والخلاف إذ يجوز أن يكون مع كونه قائما جالسا في وقت [ ص: 65 ] آخر ونحوه مما لا يمكن اجتماعه معه من الأضداد وحيا وفقيها وعابدا ونحو ذلك مما يمكن اجتماعه معه من خلافه في جميع الأوقات .

وأما زيد في المثال الثاني فكما أنه منحصر في مفهوم القائم بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى نقيضه كذلك وهو منحصر فيه بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى ضده أو خلافه أيضا ويوضح لك هذا مسألة وهي أن العلماء استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام في الصلاة { تحريمها التكبير وتحليلها التسليم } على انحصار سبب تحريمها أي الدخول في حرماتها بتحريم الكلام والأكل والشرب وغير ذلك مما يحرم فيها في التكبير وانحصار سبب تحليلها أي حلها بإباحة جميع ما حرم بها في التسليم فلا يدخل في حرمات الصلاة إلا بالتكبير ولا يخرج من حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم فالتكبير في قوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير خبر معرف بالألف واللام اقتضى حصر المبتدأ وهو تحريمها فيه فيكون مفهومه أن تحريمها لا يثبت مع نقيضه الذي هو عدم التكبير ولا مع ضده الذي هو الهزل واللعب والنوم والجنون ولا مع خلافه الذي هو الخشوع والتعظيم بحيث إذا فعل أي شيء من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة عند من يقول بالمفهوم .

وكذا التسليم في قوله صلى الله عليه وسلم { تحليلها التسليم } خبر معرف بالألف واللام اقتضى حصر المبتدأ وهو تحليلها فيه فيكون مفهومه أن تحليلها لا يثبت مع نقيضه الذي هو عدم التسليم ولا مع ضده الذي هو النوم والإغماء ولا مع خلافه الذي هو الحدث وغير ذلك من نحو التعظيم والإجلال بحيث إذا فعل أي شيء من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التسليم لم يخرج من حرمات الصلاة إلى حلها أي إباحة جميع ما حرم بها عند من يقول بالمفهوم ومعنى قوله عليه السلام { تحليلها التسليم } أن من أراد أن يخرج عن عهدة حرمات الصلاة على وجه الإباحة الشرعية لا على وجه بطلانها كيف كان فلا سبب له إلا السلام المشروع المأذون فيه في آخر الصلاة أما سهو السلام وعمده في أثناء الصلاة فلم يرد ولا يفهم من قوله عليه السلام { تحليلها التسليم } لا سيما ولفظ السلام خبر معناه الدعاء بالسلامة والدعاء لا يقدح في الصلاة لا سهوا ولا عمدا أما نقول بأنه إذا وقع في أثناء الصلاة مخرج منها مطلقا ومحوج لتكبيرة [ ص: 66 ] الإحرام للدخول في الصلاة كما هو مشهور مذهب مالك مشكل والمتجه أنه في أثناء الصلاة كالكلام في أثنائها سهوا في كونه لا يبطلها ولا يحوج لتكبيرة الإحرام للدخول فيها كما هو مذهب الشافعي وابن نافع من أصحابنا والسلام في أثنائها قد يقع مع نية الخروج من الصلاة وقد لا يقع فإن المذهب على قولين في اشتراط النية فيه وليست النية إذا وقعت برفض حتى يقال إن رفض الصلاة يقتضي إبطالها فلذلك أحوج للتكبير ؛ لأن من نوى الخروج من الصلاة عند سلامه أثناءها لم يقصد إبطالها بل إنما اعتقد أن صلاته كملت فأتى بنية الخروج من الصلاة وهذا ليس رفضا وكون جنس السلام مبطلا للصلاة إجماعا فيلحق بذلك الفرد بقية صوره بالقياس مدفوع بأنه قياس بلا جامع ضرورة أن السلام دعاء والدعاء لا ينافي الصلاة فلم يكن جعله مخرجا من الصلاة بمعقول المعنى حتى يتأتى القياس عليه .

والقياس بلا جامع لا يصح وكون عدم الصحة إنما هي في قياس المعنى وهذا قياس الشبه مدفوع بأن قياس الشبه ضعيف ، وقد منع القاضي شيخ الأصوليين من أنه حجة على أن السلام في أثناء الصلاة معارض بالمقتضى لإكمال الصلاة والمداومة عليها وفي آخر الصلاة هو سالم عن هذه المعارضة فافترقا ولا قياس مع الفارق وكون اللام في السلام في قوله عليه السلام { تحليلها التسليم } للعموم فيشمل السلام في أثناء الصلاة مدفوع بأن قرينة السياق تدل على أن اللام ها هنا إنما أريد بها حقيقة الجنس الذي هو القدر المشترك إلى العموم ؛ لأن ما ذكر معه في قوله عليه السلام { مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم } من الطهور والتكبير المحليين باللام إنما أريد بكل منهما الفرد المقارن لأول الصلاة فقط فلا يدخل فيها بفرد التكبير الذي في أثنائها فكذلك بحمل السلام على فرده المقارن لآخر الصلاة تسوية بينه وبين ما قرن معه ولأنه المتبادر للذهن ، ولو كان السلام في أثناء الصلاة يخرج من حرمات الصلاة ويحوج للتكبير لبطل ما مضى من الصلاة وابتدئت من أولها ، ولم يقل به مالك في السهو ألبتة فلما لم تعد الصلاة من أولها كان المصلي في حرمات الصلاة قال الأصل وبالجملة فما أجد مشهور مذهب مالك في أن السلام سهوا محوج للتكبير إلا مشكلا والمتجه [ ص: 67 ] مذهب الشافعي ا هـ هذا حاصل ما اختاره ابن الشاط من كلام الأصل هنا .

وأما قول الأصل إن قوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه وقد روي برفع الذكاة الثانية وبها تمسك المالكية والشافعية في قولهم باستغناء الجنين عن الذكاة وأنه يؤكل بذكاة أمه من حيث إنها تقتضي حصر ذكاته في ذكاة أمه بمعنى أن ذكاة أمه تبيحه فيستغنى بها عن الذكاة التي هي في العرف الشرعي عبارة عن الذبح الخاص في حلقه فبينه وبين أمه ملابسة تصحح أن تكون ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا بناء على قاعدة أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال في أنه يكفي في كونها حقيقة لغوية أدنى ملابسة كقولنا : صوم رمضان وحج البيت بخلاف إسناد الأفعال ، فإنه يلزم لكونه حقيقة مراعاة الفاعل الحقيقي لا مطلق ملابس .

وروي بنصب الذكاة الثانية وبهذه الرواية تمسك الحنفية في قولهم باحتياج الجنين للذكاة وأنه لا يؤكل بذكاة أمه بناء على أن التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه على قاعدة حذف المضاف مع أنه يمكن أن يكون التقدير على رواية النصب ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصبت الذكاة على أنها مفعول على حد دخلت الدار بل هذا التقدير أرجح مما قدره الحنفية بوجهين :

أحدهما : قلة الحذف .

وثانيهما : الجمع بين الروايتين ودفع التعارض بينهما ا هـ .

فقال ابن الشاط : وما ذكره من أن الحديث يقتضي الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم وما قاله من ترجيح التقدير على مذهب المالكية والشافعية بقلة الحذف وإن سلم إلا أنه يضعف بأنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه كما أن التقدير على قول الحنفية وإن ضعف بكثرة الحذف إلا أنه يرجح بأنه من مقتضى مساق الكلام ، وما قاله من ترجيح التقدير على ما للمالكية والشافعية بالجمع لا يتم إلا إذا تعذر الجمع على ما للحنفية مع أن الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول ا هـ .

وأما قول الأصل أن قوله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد والتقدير الشفعة [ ص: 68 ] مستحقة فيما لم يقسم ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم { الأعمال بالنيات } يقتضي حصر الأعمال المعتبرة في النيات والتقدير الأعمال معتبرة بالنيات فكما أن العمل لا يعتبر شرعا بغير نية كذلك طلب الشفعة لا يعتبر شرعا فيما لا يقبل القسمة ا هـ .

فقال ابن الشاط هو دعوى مبنية على المذهب ومثله في كونه دعوى لم يأت عليها بحجة قوله إن الحج قوله تعالى { أشهر معلومات } بتقدير زمان الحج أشهر معلومات يقتضي حصر وقت الحج في هذه الأشهر وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وفي كونه باعتبار الأجزاء فلا يحرم بالحج قبله وهو مذهب الشافعي أو باعتبار الفضيلة فيصح الإحرام قبله إذا وقع وهو مذهب مالك قولان .

وكذا قوله : إن مثل قولنا السفر يوم الجمعة يفهم منه الحصر للسفر في هذا الظرف وأنه لا يقع في يوم الخميس ولا في غيره من الأيام ، ومثله أيضا في كونه دعوى قول الغزالي إذا قلت : صديقي زيد أو زيد صديقي اقتضى الأول حصر أصدقائك في زيد فلا تصادق أنت غيره وهو يجوز أن يصادق غيرك والثاني حصر زيد في صداقتك فلا يجوز أن يصادق غيرك وأنت يجوز أن تصادق غيره على عكس الأول ومثله في كونه دعوى أيضا قول الفخر الرازي في كتابه الإعجاز الألف واللام قد ترد لحصر الثاني في الأول على خلاف قاعدة الحصر من كون الأول أبدا منحصرا في الثاني كقولك زيد القائم تريد لا قائم إلا زيد بحصر وصف القيام في زيد ، وقولك أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد أن الخلافة بعده عليه السلام منحصرة في أبي بكر ومن هذا القبيل زيد الناقل لهذا الخبر والمتسبب في هذه القضية ا هـ كلام ابن الشاط .

قلت : ولا يخفاك أن في اختياره حصر المبتدأ في خبره المعرف باللام وأن قول الإمام الفخر بعكسه في نحو زيد القائم أو الناقل لهذا الخبر أو المتسبب في هذه القضية دعوى لا حجة لها وإن المسند النكرة لا يقتضي لغة الحصر ألبتة ولو عرف المسند إليه باللام وإنما يقتضي عقلا حصر المبتدأ فيه دون نقيضه مخالفة لما قاله علماء المعاني في مبحث القصر مما حاصله كما في الدسوقي على مختصر السعد وابن يعقوب على التلخيص أن التعريف فاللام الجنس إن كان المسند إليه فهو المقصور على المسند سواء كان المسند معرفة نحو الأمير زيد أو نكرة نحو [ ص: 69 ] التوكل على الله أي لا على غيره وإن كان للمسند فهو المقصور على المسند إليه وهل ولو عرف المسند إليه فاللام الجنس أيضا نحو الكرم التقوى وبه صرح السعد في المطول أو إن عرف المسند إليه بها أيضا احتمل قصره على المسند أو قصر المسند عليه إلا أن الأظهر حينئذ قصر المسند إليه على المسند ؛ لأن القصر مبني على قصد الاستغراق وشمول جميع الأفراد وذلك أنسب بالمسند إليه ؛ لأن القصد فيه إلى الذات وفي المسند إلى الصفة وإلى هذا ذهب السيد أو إن عرف المسند إليه بها أيضا فالأعم مطلقا منهما سواء قدم وجعل مبتدأ أو أخر وجعل خبرا يقصر على الأخص نحو العلماء الناس أو الناس العلماء وإن كان بينهما عموم وخصوص وجهي فبحسب القرائن ففي نحو العلماء الخاشعون تارة يقصد قصر العلماء على الخاشعين وتارة يقصد عكسه فإن لم تكن قرينة فالأظهر قصر المسند إليه على المسند ومعنى تصور العموم في القصر جواز أن يكون أحدهما أعم مفهوما وإن تساويا ما صدقا وإلى هذا ذهب عبد الحكيم أقول : والجنس في الخبر قد يبقى على إطلاقه وقد يقيد بوصف أو حال أو ظرف أو نحو ذلك نحو هو الرجل الكريم وهو السائر راكبا وهو الأمير في البلد وهو الواهب ألف قنطار وكون التعريف فاللام الجنس لإفادة الحصر وإن علم بالاستقراء وتصفح تراكيب البلغاء إلا أنه غير مطرد ، ألا ترى أن تعريف الخبر فاللام الجنس في قول الخنساء في مرثية أخيها صخر :

إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا



لم يكن لإفادة الحصر وأن معناه أن بكاءك هو الحسن الجميل فقط دون بكاء غيره فإنه ليس بحسن كما توهم بل إنما هو لإفادة الإشارة إلى معلومية الحسن لذلك ادعاء وذلك ؛ لأن الحصر لا يلائمه إذا قبح البكاء على قتيل لإشعاره بأن الكلام للرد على من يتوهم أن البكاء على هذا المرثي قبيح كغيره والرد على ذلك المتوهم يحصل بمجرد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا ويتصور في تعريف كل من المسند إليه والمسند كل من قصر الأفراد وقصر القلب ولا يتصور في تعريف كل منهما فاللام العهد الخارجي قصر الأفراد ؛ لأنه إنما يتصور فيما فيه عموم كالجنس فيحصر في بعض الأفراد ولا عموم في المفهوم الخارجي وإنما يتصور فيه قصر القلب فيقال لمن اعتقد أن ذلك المنطلق المعهود هو عمرو المنطلق [ ص: 70 ] زيد أي لا عمرو كما تعتقد وهو ظاهر ا هـ .

وقد نظمت هذا الحاصل مذيلا لبيتي الشيخ علي الأجهوري بقولي :

مبتدأ فاللام جنس عرفا     منحصر في مخبر به وفا
وإن خلا عنها وعرف الخبر     باللام مطلقا فبالعكس استقر
كذا إذا ما عرف الجزءان     باللام عند السعد ذي الإتقان
والسيد بأن ذا يحتمل     أيضا لحصر المبتدأ بل أكمل
والثالث الأعم منهما بنص     حينئذ يحصر دوما ما في الأخص
وإن أتى عمومه وجهيا     حيل على قرائن مليا
وحيث لا قرائن فالأظهر     مبتدأ في خبر ينحصر
وكل أقسام الحصر قد أتت     فيما فاللام الجنس حصره ثبت
وقد أتى معرف باللام     لغير حصر فافهم كلامي
وما فاللام العهد خارجا فلا     حصر لإفراد به تحصلا



وقد مر عن السعد في حاشيته على عضد ابن الحاجب أن الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما في قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء ومطل الغني ظلم عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع التي يثبت فيها مفهوم المخالفة ونفيه في بعض المواضع بمعونة القرائن كما في قولنا في الشام الغنم السائمة لا ينافي ذلك . ا هـ .

قال العلامة الشربيني في تقريراته على حواشي محلي جمع الجوامع ولعله مبني على أن الخلاف بين كون مدلول الخبر الإيقاع والانتزاع أو الوقوع واللا وقوع لفظي بناء على ما قاله عبد الحكيم في حاشية المطول من أن القائل بأن مدلوله الإيقاع أراد من حيث تعلقه بالوقوع والقائل بأن مدلوله الوقوع أراد من حيث إنه متعلق الإيقاع وليس مبنيا على أن الموضوع له الصورة الذهنية أو الخارجية بل ولو بنينا على أنه موضوع للصورة الذهنية أعني الحكم بالنسبة قلنا أن نقول هو وإن كان كذلك إلا أن المقصود بالإفادة هو المتعلق الذي هو النسبة بمعنى الوقوع أو اللا وقوع إذ هو الذي يقصده المتكلم ولهذا جزم السعد في حاشية العضد بأن هذا هو الموضوع له هذا وغير خاف عليك أن طريق حجة المفهوم سواء في الإنشاء والخبر هو أنه المفهوم لغة ا هـ .

وما مر عن الإمام الفخر جار على هذا الذي قاله علماء المعاني فكيف يكون دعوى لا حجة لها وإنما [ ص: 71 ] الصحيح أن يقال : إن الأصل في الخبر مطلقا سواء غير المعرف باللام أو المعروف بها إذا كان المبتدأ معرفا بها أن يكون المبتدأ محصورا فيه بمعنى اتصافه به دون نقيضه وضده وخلافه على قاعدة حصر الأول في الثاني والأصل في الخبر المعرف فاللام الجنس إذا لم يعرف مبتدؤه باللام أن يكون محصورا في المبتدأ على خلاف قاعدة الحصر للأول في الثاني وقد يجيء على خلاف هذا الأصل فيجري على قاعدة الحصر للأول في الثاني كما في حديث { مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم } كما أنه قد يأتي لغير الحصر كما في :

وجدت بكاءك الحسن الجميلا

وإذا كان هذا كذلك فالفرق بين الخبر المعرف فاللام الجنس وغيره إذا لم يعرف مبتدؤه من ثلاثة وجوه :

الوجه الأول : أن الأصل فيه حصر الثاني في الأول وقد يجيء على خلاف هذا الأصل إما بحصر الأول في الثاني وإما بدون الحصر ، وغيره إنما يكون لحصر الأول في الثاني .

والوجه الثاني : أن حصره لغوي لا عقلي فقط وحصر غيره عقلي فقط .

والوجه الثالث : أن حصره الحقيقي يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف جميعا وحصر غيره إنما يقتضي حصر النقيض فقط .

هذا ما ظهر لي في تحقيق هذا المقام فتأمله بإنصاف فإنه نفيس جدا والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية