صفحة جزء
( الفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات )

قال مالك في المدونة لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها جاز أكلها لمن احتاج إلى ذلك وأشار صاحب الجواهر أنها تذكى كما يذكى الصيد ومقتضى ظاهر قوله إنها لأجل العجز عنها إذا جرحت في أي موضع كان من جسدها جاز تناولها عند الحاجة إليها وهو سبب لهلاك متناولها ولم يطلق مالك هذا الإطلاق بل قال إذا ذكيت في موضع ذكاتها ولم يقل إذا ذكيت مثل الصيد والسبب في ذلك أن ذكاة الحيات لا يحكمها إلا طبيب ماهر وصفة ذكاتها على ما اختاره المتأخرون من الأطباء إذا أرادوا استعمالها في الترياق الفاروق أو لمداواة الجذام والعياذ بالله تعالى أن تمسك برأسها وذنبها من غير عنف حذرا من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها فإذا أخذت .

كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح ثم تضرب بآلة حادة كالقدوم الحاد مثل الموسى ونحوها من الآلات الحادة الرزينة وهي ممدودة على تلك الخشبة ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة من جهة رقبتها وذنبها فإن بين رأسها ووسطها مقدار رقيق وبين ذنبها ووسطها مقدار رقيق فيتجاوز ذلك الرقيق من الجهتين ويوصل المقدار الغليظ الذي في وسطها فلا يترك غيره ويحاز الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة فمتى بقيت جلدة يسيرة لم تقطع مع الجملة قتلت آكلها لأن السم حينئذ يجري من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسدها الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الإحساس بألم الحديد وهذا معنى قول مالك رحمه الله موضع ذكاتها فهذا هو الفرق بين ذكاتها وذكاة غيرها من الحيوانات فهذا فرق من جهة صفة الذكاة وفيها فرق آخر من جهة المعنى وهو أن الذكاة شرعت فيها لأجل السلامة من سمها ولا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها ألبتة وإنما المقصود السلامة من سم رأسها وذنبها ولذلك تذكى من وسطها وشرعت الذكاة في غيرها من الحيوانات لاستخراج الفضلات المحرمات من أجسادها بأسهل الطرق على الحيوان ولا بد من ملاحظة القيد الأخير فإنا لو وسطنا الحيوان أو ضربنا عنقه خرجت منه الفضلات لكن ذلك شاق على الحيوان بسبب كثرة ما يخرج فاختار الشرع قطع الأوداج والحلقوم لتخرج الفضلات وهي الدماء والأخلاط كلها من الأوداج وقطعها خفيف على الحيوان بالنسبة إلى التوسط لو ضرب العنق وقطع الحلقوم يوجب قطع النفس لأنه مجراه فيختنق الحيوان فيسرع [ ص: 99 ] إليه الموت ولما كانت هذه قاعدة تذكية الحيوان تعين أن يخرج عليها الخلاف في صورة الذكاة فمن لاحظ عدم الفضلات في الجراد وغيره مما ليس له نفس سائلة لم يشترط الذكاة فيها وجعل استخراج الفضلات أصلا وإراحة الحيوان تبعا وأجاز ميتة ذلك كله .

وهو ظاهر الحديث في قوله عليه السلام { أحلت لنا ميتتان ودمان فالدمان الكبد والطحال والميتتان السمك والجراد } ومن لاحظ سرعة زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه لم يجزها إلا بذكاة وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ قاعدة أخرى وهو إلحاق النادر بالغالب في الشريعة أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر كالتمساح والترس وغيرهما نظرا لغالبه فإنه لا يعيش في البر وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ القاعدة الأولى وجعل ميتة البحر على خلاف الأصل لم يسقط الذكاة في هذا النوع ويؤيده قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة } وهذه ميتة أو يلاحظ قاعدة أخرى وهي حمل اللفظ العام على سببه دون عمومه فيختص بالميتة التي وردت الآية فيها وهي الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري ويقولون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله فهذه القواعد والأسرار هي الفرق بين هذه المواطن ولم يبقى منها إلا ذكاة الجنين في بعض أحواله قال أصحابنا إذا لم تجر فيه حياة لم تصح فيه ذكاة لا من قبله ولا من قبل أمه ولا يؤكل وإن جرت فيه الحياة وعلامة ذلك عندنا كمال الخلق ونبات الشعر فإن ذكيت الأم وخرج حيا ثم مات على الفور كرهه ابن المواز ووقع في الجلاب تحريمه وإن استهل صارخا انفرد بحكم نفسه .

وإن لم تذك الأم وألقته ميتا لم يؤكل وكذلك إن كان حيا حياة لا يعيش معها علم ذلك أو شك فيه وإن ذكيت الأم فخرج ميتا فذكاتها ذكاته وقاله الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا بد له من ذكاة تخصه ولا يكفي فيه ذكاة أمه ومنشأ الخلاف أن ذكاة أمه تسرع زهوق نفسه بسهولة فإنه كالجزء منها فلا يحتاج إلى ذكاة أو يلاحظ أنه حيوان مستقل الأعضاء والفضلات فيحتاج إلى ذكاة تخصه وموته بموت أمه موت له بالغم والآفات الحاصلة له في محله والموت بذلك لا يبيح في غير صورة النزاع فكذلك في صورة النزاع فهذا منشأ الخلاف من حيث القواعد وأما من حيث النص فقوله عليه السلام { ذكاة الجنين ذكاة أمه } خرجه أبو داود يروى برفع الذكاة الثانية ونصبها فنحن والشافعية نعتمد على رواية الرفع ووجه الاعتماد عليها أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر والمبتدأ هنا ذكاة الجنين فتنحصر في زكاة أمه فلا يحتاج إلى ذكاة أخرى وإلا لما انحصرت في ذكاة أمه واعتمد الحنفية على رواية النصب والتقدير لوجه الحجة منها أن هذا النصب لا بد له من عامل يقتضي النصب وتقديره عندهم ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل [ ص: 100 ] ذكاة أمه فحذف مثل الذي هو نعت للمصدر المحذوف وهو مضاف لذكاة أمه فأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه بالنصب لأن القاعدة أن المضاف إليه متى أقيم مقام المضاف أعرب كإعرابه وحذف الناصب لهذا المصدر مع المصدر ونعته وبقي الكلام كما ترى فهذا تقرير مذهبهم .

ووجه الحجة لهم من الحديث ولنا عنه جواب حسن وذلك أن نقول ما يتعين التقدير فيما ذكرتموه بل يصح النصب بتقدير آخر وهو قولنا ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فيكون ذكاة أمه منصوبا على أنه مفعول على السعة أو على الظرف بإسقاط حرف الجر وكان الأصل في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصب المجرور وهذا التقدير أولى لوجهين أحدهما أن المحذوف حينئذ يكون كلمة واحدة وهي قولنا داخلة وحرف الجر إن قلنا به وأما على تقديركم فيكون المحذوف أربع كلمات ولا خلاف أن قلة الحذف أولى فيكون ما ذكرناه أولى وثانيهما أن تقديرنا يؤدي إلى الجمع بين رواية النصب والرفع وعدم التعارض وما ذكرتموه يفضي إلى التعارض وما أفضى إلى عدم التعارض كان أولى فما ذكرناه أولى ( مسألة )

قال صاحب البيان قال ابن القاسم الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصل راحتها من العذاب وقيل تعقر لئلا يغري الناس ذبحها على أكلها وقال ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه عليه السلام عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة

( فرع ) مرتب إذا تركها صاحبها فعلفها غيره ثم وجدها قال مالك هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها لإعراض المالك عنها فهذا هو استيعاب هذا الباب بعلله ومقاصده إذا كان مقدورا عليه أما غير المقدور عليه وهو الصيد فلما كان المقصود في الحيوان المقدور عليه القصد إلى استخراج الدم الحرام المستخبث من اللحم الحلال الطيب بأسهل الطرق على تلك الحيوانات وهو فيها ممكن بآلة تصلح لذلك وهذا كله متيسر في الإنسي .

وقد تعذر في الوحشي استخراج الدم وسهولة الطريق وبقي القصد والآلة ونزل السهم منزلة المدية لضرورة الفرار والتوحش فهو في الرتبة الثانية ويليه في الرتبة الثالثة الجارح لأنه له اختيار يبعد بسببه عن كونه آلة لأنه يجوز لنفسه لكن عارض كونه مختارا عدم العقل فيه فعدم عقله مخل باختياره مضافا إلى التعليم الحاصل فيه والأوهام التي حصلها فيه الآدمي بسبب التعليم والسياسة الخاصة فصار ذلك مقربا لكونه آلة له ولذلك لا يصلح أن يكون المجوسي آلة لعقله وكمال اختياره وإن كان الله تعالى جعل ذبيحته ميتة كافتراس الوحوش كما جعل نسائهم كالبهائم يحرم وطؤهن بسبب عدم تعظيمهم الكتب الإلهية والرسل الربانية فاهتضموا إلى حيث جعلوا كالبهائم [ ص: 101 ] وميز أهل الكتاب عليهم لتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة


حاشية ابن الشاط

وكذلك ما قال في الفرق بعدهما وهو التاسع والثلاثون والمائة ما عدا قوله في انحصار المبتدأ في الخبر وما عدا قوله أن قول الحنفية يلزم فيه التعارض دون قول المالكية والشافعية وقد تقدم التنبيه على الأمرين في الفرق الثالث والستين .

حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات )

قال العلامة ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد الحيوان في اشتراط الذكاة في أكله على قسمين

( القسم الأول ) حيوان لا يحل إلا بذكاة

( والقسم الثاني ) حيوان يحل بغير ذكاة واتفقوا على أن القسم الأول هو الحيوان البري ذو الدم الذي ليس بمحرم ولا منفوذ المقاتل ولا ميئوس منه بوقذ أو نطح أو ترد أو افتراس سبع أو مرض ومن القسم الثاني ما اتفقوا عليه وهو الحيوان البحري ومنه ما اختلفوا فيه وهو أربعة أنواع

( النوع الأول ) الحيوان الذي ليس بذي دم مما يجوز أكله مثل الجراد وغيره اختلفوا هل له ذكاة أم لا

( والنوع الثاني ) الحيوان ذو الدم الذي يكون تارة في البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وغيره اختلفوا هل له ذكاة أم لا

( والنوع الثالث ) أصناف المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع التي نص عليها في آية التحريم اختلفوا في تأثير الذكاة فيها

( والنوع الرابع ) ما لا يحل أكله اختلفوا في تأثير الذكاة فيها أعني في تحليل الانتفاع بجلودها وسلب النجاسة عنها ا هـ بتصرف وقاعدة تذكية الحيوان البري ذي الدم الذي ليس بمحرم إلخ أنها شرعت لقصد استخراج الفضلات المحرمات من أجسادها المحللة الأكل وهي الدماء والأخلاط كلها بأسهل الطرق على الحيوان كقطع الأوداج والحلقوم فإن قطع الأوداج خفيف على الحيوان في إخراج الفضلات المذكورة منها بالنسبة إلى التوسط أو ضرب العنق وقطع الحلقوم يوجب قطع النفس لأنه مجراه فيختنق الحيوان فيسرع إليه الموت وأما قاعدة تذكية الحيات التي في قول مالك في المدونة لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها جاز أكلها لمن احتاج إلى ذلك ا هـ فتفارق القاعدة المذكورة من وجهين

( الوجه الأول ) في صفة الذكاة فإن معنى قول مالك رحمه الله موضع ذكاتها أن صفة ذكاة الحيات هو ما اختاره المتأخرون من الأطباء إذا أرادوا استعمالها في الترياق الفاروق أو لمداواة الجذام والعياذ بالله تعالى وهو أن تمسك الحية برأسها وذنبها من غير عنف حذرا من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها فإذا أخذت كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح ثم تضرب بآلة وزبنة حادة كالقدوم الذي مثل الموسى في الحدآت وهي ممدودة على تلك الخشبة ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة والذنب من جهة رقبتها فإن بين رأسها ووسطها مقدارا رقيقا وبين ذنبها ووسطها مقدارا رقيقا فيتجاوز ذلك الرقيق من الجهتين حتى يصل المقدار الغليظ الذي في وسطها فلا يترك غيره بل يحاز [ ص: 118 ] الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة لأنه متى بقيت جلدة يسيرة لم تقطع مع الجملة قتلت آكلها لأن السم حينئذ يجري من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسده الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الإحساس بألم الحديد

( الوجه الثاني ) في معنى الذكاة فإن الذكاة شرعت في الحيات لأجل السلامة من سم رأسها وذنبها لا لإخراج الفضلات المحرمات فإن الحيات لا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها ألبتة ولذلك تذكى من وسطها لا بقطع الأوداج والحلقوم

( وصل ) يتعلق بباب الذكاة ست مسائل أصول المسألة الأولى

في بيان تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة التي نص عليها في الآية المسألة الثانية

في بيان تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل المسألة الثالثة

في بيان تأثير الذكاة في المريضة المسألة الرابعة

في بيان هل ذكاة الجنين ذكاة أمه أم لا المسألة الخامسة

في بيان هل للجراد ذكاة أم لا المسألة السادسة

في بيان هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا ( المسألة الأولى )

قال ابن رشد الحفيد في البداية أما المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فإنهم اتفقوا فيما أعلم على أن الذكاة عاملة فيها إذا لم يصب لها مقتل وغلب على الظن أنها تعيش واختلفوا فيما إذا أصيب لها مقتل وغلب على الظن أنها لا تعيش فقال قوم تعمل الذكاة فيها وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قول الشافعي وقول الزهري وابن عباس وقال قوم لا تعمل الذكاة فيها .

وعن مالك في ذلك الوجهان ولكن الأشهر أنها لا تعمل في الميئوس منها وبعضهم أول في المذهب أن الميئوس منها على ضربين ميئوسة مشكوك فيها وميئوسة مقطوع بموتها وهي المنفوذة المقاتل على اختلاف بينهم أيضا في المقاتل قال فأما الميئوسة المشكوك فيها ففي المذهب فيها روايتان مشهورتان وأما المنفوذة المقاتل فلا خلاف في المذهب المنقول أن الذكاة لا تعمل فيها وإن كان يتخرج فيها الجواز على وجه ضعيف وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى { إلا ما ذكيتم } هل هو استثناء متصل فيخرج من الجنس بعض ما يتناوله اللفظ وهو الأصناف الخمسة المذكورة على عادة الاستثناء المتصل أم هو استثناء منفصل لا تأثير في الجملة المتقدمة كما هو شأن الاستثناء المنقطع في كلام العرب فمن قال إنه متصل قال الذكاة تعمل في هذه الأصناف الخمسة محتجا بإجماعهم على أن الذكاة تعمل في المرجو منها فيدل على أن الاستثناء له تأثير فيها فهو متصل ومن قال إنه منفصل .

قال الذكاة لا تعمل فيها محتجا بأن التحريم [ ص: 119 ] في قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة } لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف الخمسة وهي حية لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها وبدليل قوله عليه الصلاة والسلام { ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة } وإنما يتعلق بها بعد الموت فمعنى الآية حرم عليكم لحم الميتة التي تموت من تلقاء نفسها فتسمى ميتة في أكثر كلام العرب أو بالحقيقة وكذلك لحم الميتة بهذه الأسباب المذكورة في الأصناف الخمسة قالوا فلما علم أن المقصود تعليق التحريم بأعيان هذه الأصناف بعد الموت لا في حال الحياة وجب أن يكون قوله تعالى { إلا ما ذكيتم } استثناء منفصلا لكن الحق في ذلك أن الواجب كيف ما كان الاستثناء أن تكون الذكاة تعمل فيها وذلك أنه إن علقنا التحريم بهذه الأصناف في الآية بعد الموت وجب أن تدخل الأصناف الخمسة في التذكية حال الحياة لأنها ما دامت حية مساوية لغيرها في ذلك لا فرق في وجوب دخولها حينئذ بين كون الاستثناء منفصلا أو متصلا إذ لا خفاء بوجوب ذلك إن قلنا إن الاستثناء متصل بل يحتمل أن يقال إن عموم التحريم يمكن أن يفهم منه تناول أعيان هذه الخمسة بعد الموت وقبله كالحال في الخنزير الذي لا تعمل فيه الذكاة فيكون الاستثناء على هذا رفعا لتحريم أعيانها بالتنصيص على عمل الذكاة فيها وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم ما اعترض به ذلك المعترض من الاستدلال على كون الاستثناء منفصلا .

وأما من فرق بين المنفوذة المقاتل والمشكوك فيها فيحتمل أن يقال إن مذهبه أن الاستثناء منفصل وأنه إنما جاز تأثير الذكاة في المرجوة بالإجماع وقاس المشكوكة على المرجوة ويحتمل أن يقال إنه استثناء متصل ولكن استثناء هذا الصنف أعني المنفوذة المقاتل بالقياس وذلك أن الذكاة إنما يجب أن تعمل في حين يقطع أنها سبب الموت فأما إذا شك هل كان موجب الموت الزكاة أو الوقذ أو النطح أو سائرها فلا يجب أن تعمل في ذلك وهذه هي حالة المنفوذة المقاتل وله أن يقول إن المنفوذة المقاتل في حكم الميتة والذكاة من شرطها أن ترفع الحياة الثابتة لا الحياة الذاهبة ا هـ بتلخيص ( المسألة الثانية )

قال ابن رشد الحفيد في البداية أيضا وأما هل تعمل الذكاة في الحيوانات المحرمات الأكل حتى تطهر بالذكاة جلودها فإنهم اختلفوا في ذلك فقال مالك الذكاة تعمل في السباع وغيرها ما عدا الخنزير وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اختلف المذهب في كون السباع فيه محرمة أو مكروهة وقال الشافعي الذكاة تعمل في كل حيوان محرم الأكل فيجوز بيع جميع أجزائه والانتفاع [ ص: 120 ] بها ما عدا اللحم وسبب الخلاف هل جميع أجزاء الحيوان تابعة للحم في الحلية والحرمة أم ليست تابعة للحم فمن قال إنها تابعة للحم قال إذا لم تعمل الذكاة في اللحم لم تعمل فيما سواه ومن قال إنها ليست بتابعة .

قال إنها تعمل في سائر أجزائه وإن لم تعمل في لحمه لأن الأصل أنها تعمل في جميع أجزائه فإذا ارتفع بالدليل المحرم للحم عملها في اللحم بقي عملها في سائر الأجزاء حتى يدل الدليل على ارتفاعه فيها أيضا ا هـ

( فرع ) قال صاحب البيان قال ابن القاسم الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصل راحتها من العذاب وقيل تعقر لئلا يغري الناس ذبحها على أكلها وقال ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه عليه السلام عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة فإذا تركها صاحبها لذلك فعلفها غيره ثم وجدها قال مالك هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها لإعراض المالك عنها أفاده الأصل ( المسألة الثالثة )

قال ابن رشد الحفيد في البداية وأما تأثير الذكاة في البهيمة التي أشرفت على الموت من شدة المرض فإنهم اختلفوا فيه بعد اتفاقهم على عمل الذكاة في التي لم تشرف على الموت فالجمهور على أن الذكاة تعمل فيها وهو المشهور عن مالك وروي عنه أن الذكاة لا تعمل فيها وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر فأما الأثر فهو ما أخرجه البخاري ومسلم أن { أمة لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلوها } وأما القياس فلأن المعلوم من الذكاة أنها إنما تفعل في الحي وهذه في حكم الميت واتفق كل من أجاز ذبحها على أن الذكاة لا تعمل فيها إلا إذا كان فيها دليل على الحياة واختلفوا فيما هو الدليل المعتبر في ذلك فبعضهم اعتبر الحركة وبعضهم لم يعتبرها والأول مذهب أبي هريرة والثاني مذهب زيد بن ثابت وبعضهم اعتبر فيها ثلاث حركات : طرف العين وتحريك الذنب والركض بالرجل وهو مذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وهو الذي اختاره محمد بن المواز وبعضهم شرط مع هذه التنفس وهو مذهب ابن حبيب ا هـ .

( المسألة الرابعة )

قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل تعمل ذكاة الأم في جنينها أم لا تعمل فيه فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب جمهور العلماء إلى أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن خرج حيا ذبح وأكل [ ص: 121 ] وإن خرج ميتا فهو ميتة وبعض من قال إن ذكاة الأم ذكاة له اشترط في ذلك تمام خلقته ونبات شعره وبه قال مالك وبعضهم لم يشترط ذلك وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم في صحة الأثر الذي رواه أبو سعيد في ذلك فقال { سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فنجد في بطنها جنينا أنأكله أم نلقيه فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه } وخرج مثله الترمذي وأبو داود عن جابر مع مخالفته للأصول فأما اختلافهم في صحته فبعضهم لم يصححه وبعضهم صححه ومنهم الترمذي وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر فهو أن الجنين إذا كان حيا ثم مات بموت أمه فإنما يموت خنقا فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريمها وإلى تحريمه ذهب أبو محمد ابن حزم ولم يرض سند الحديث وأما سبب اختلاف القائلين باشتراط نبات الشعر في حيته وعدم اشتراطه فمعارضة العموم للقياس .

وذلك أن عموم قوله عليه السلام { ذكاة الجنين ذكاة أمه } يقتضي أن لا يقع هنالك تفصيل وكونه محلا للذكاة يقتضي أن يشترط فيه الحياة قياسا على الأشياء التي تعمل فيها التذكية والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم حلقه ويعضد هذا القياس أن هذا الشرط مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا شعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر } إلا أن ابن أبي ليلى سيئ الحفظ عندهم ولكن القياس يقتضي أن تكون ذكاته في ذكاة أمه من قبل أنه جزء منها وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاشتراط الحياة فيه فيضعف أن يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس الأول الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك ا هـ .

وقال الأصل قال أصحابنا إذا لم تجر في الجنسين حياة لم تصح فيه ذكاة لا من قبله ولا من قبل أمه ولا يؤكل وإن جرت فيه الحياة وعلامة ذلك عندنا كمال الخلق ونبات الشعر فإن ذكيت الأم وخرج حيا ثم مات على الفور كرهه ابن المواز ووقع في الجلاب تحريمه وإن استهل صارخا انفرد بحكم نفسه وإن لم تذك الأم وألقته ميتا أو حيا حياة لا يعيش معها علم ذلك أو شك فيه لم يؤكل .

وإن ذكيت الأم فخرج ميتا فذكاتها ذكاته وقاله الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا بد له من ذكاة تخصه ولا يكفي فيه ذكاة أمه ومنشأ الخلاف أما [ ص: 122 ] من حيث القواعد فلأن ذكاة أمه تسرع زهوق نفسه بسهولة فإنه كالجزء منها فلا يحتاج إلى ذكاة أو يلاحظ أنه حيوان مستقل الأعضاء والفضلات فيحتاج إلى ذكاة تخصه وموته بموت أمه موت له بالغم والآفات الحاصلة له في محله والموت بذلك لا يبيح في غير صورة النزاع فكذلك في صورة النزاع وأما من حيث النص فقوله عليه السلام { ذكاة الجنين ذكاة أمه } خرجه أبو داود وقد مر في الفرق الثالث والستين أنه روي برفع الذكاة الثانية وبها تمسك المالكية والشافعية في قولهم باستغناء الجنين عن الذكاة وأنه يؤكل بذكاة أمه من حيث إنها تقتضي حصر ذكاته في ذكاة أمه بمعنى أن ذكاة أمه تبيحه فيستغني بها عن الذكاة التي هي في العرف الشرعي عبارة عن الذبح الخاص في حلقه فبينه وبين أمه ملابسة تصح أن تكون ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا بناء على قاعدة أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال في أنه يكفي في كونها حقيقة لغوية أدنى ملابسة كقولنا صوم رمضان وحج البيت بخلاف إسناد الأفعال فإنه يلزم لكونه حقيقة مراعاة الفاعل الحقيقي لا مطلق ملابس وروي بنصب الذكاة الثانية وبهذه الرواية تمسك الحنفية في قولهم باحتياج الجنين للذكاة .

وأنه لا يؤكل بذكاة أمه بناء على أن التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه على قاعدة حذف المضاف مع أنه يمكن أن يكون التقدير على رواية النصب ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فخذف حرف الجر فانتصب الذكاة على أنه مفعول على حد دخلت الدار بل هذا التقدير أرجح مما قدره الحنفية بوجهين أحدهما قلة الحذف وثانيهما الجمع بين الروايتين ودفع التعارض بينهما ا هـ بتلخيص وإصلاح قال ابن الشاط وما ذكره من أن الحديث يقتضي الحصر واستغناء الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم وما قاله من ترجيح التقدير على مذهب المالكية والشافعية بقلة الحذف وإن سلم إلا أنه يضعف بأنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه كما أن التقدير على قول الحنفية وإن ضعف بكثرة الحذف إلا أنه يرجح بأنه من مقتضى مساق الكلام وما قاله من ترجيح التقدير على ما للمالكية والشافعية بالجمع لا يتم إلا إذا تعذر الجمع على ما للحنفية مع أن الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول فتأمل ( المسألة الخامسة )

قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل للجراد ذكاة أم لا فقال مالك [ ص: 123 ] لا يؤكل من غير ذكاة وذكاته عنده هو أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك وقال عامة الفقهاء يجوز أكل ميتته وبه قال مطرف وذكاة ما ليس بذي دم عند مالك كذكاة الجراد وسبب اختلافهم في ميتة الجراد هو هل يتناوله اسم الميتة أم لا في قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة } وللخلاف سبب آخر وهو هل نثرة حوت أو حيوان بري ا هـ .

وقال الأصل لم يشترط الذكاة في الجراد وغيره مما ليس له نفس سائلة من لاحظ عدم الفضلات فيها بل جعل استخراج الفضلات أصلا وإراحة الحيوان تبعا وأجاز ميتة ذلك كله وهو ظاهر حديث أنه عليه السلام قال { أحلت لنا ميتتان ودمان فالدمان الكبد والطحال والميتتان السمك والجراد } وأما من لاحظ سرعة زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه فإنه لم يجزها إلا بذكاة وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى . ا هـ . ( المسألة السادسة ) قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا فقد غلب قوم فيه حكم البر وآخرون حكم البحر واعتبر آخرون حيث يكون عيشه ومتصرفه منهما غالبا ا هـ .

وقال الأصل من لاحظ قاعدة إلحاق النادر بالغالب في الشريعة أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر كالتمساح والترس وغيرهما نظرا لغالبه فإنه لا يعيش في البر وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ قاعدة تذكية الحيوان وجعل ميتة البحر على خلاف الأصل لم يسقط الذكاة في هذا النوع ويؤيده قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة } وهذه ميتة إلا أن يلاحظ قاعدة حمل اللفظ العام على سببه دون عمومه فيختص بالميتة التي وردت الآية فيها وهي الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري ويقولون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ا هـ

( تنبيهان الأول ) ما ذكر من أن المقصود في الذكاة القصد إلى استخراج الدم الحرام المستخبث من اللحم الحلال الطيب بأسهل الطرق على الحيوان إنما يتيسر في الحيوان الإنسي المقدور عليه أما الوحشي فقد تعذر فيه استخراج الدم وسهولة الطريق ولم يبق إلا القصد والآلة ونزل السهم منزلة المدية لضرورة الفرار والتوحش فهو أي السهم في الرتبة الثانية ويليه في الرتبة الثالثة الجارح لأن له اختيارا يبعد بسببه عن كونه آلة لأنه يجوز لنفسه لكن عارض كونه مختارا عدم العقل فيه فعدم عقله مخل باختياره مضافا إلى التعليم الحاصل فيه والأوهام التي حصلها فيه الآدمي بسبب التعليم والسياسة الخاصة فصار ذلك مقربا لكونه آلة له ولذلك لا يصلح أن يكون المجوسي آلة لعقله وكمال اختياره وإن كان الله تعالى جعل ذبيحته ميتة كافتراس الوحوش كما جعل نساءهم كالبهائم يحرم وطؤهن بسبب عدم تعظيمهم الكتب [ ص: 124 ] الآلهية والرسل الربانية فاهتضموا إلى حيث جعلوا كالبهائم وميز أهل الكتاب عليهم لتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة

( التنبيه الثاني ) قال ابن رشد الحفيد في البداية اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح وأن من سنة الغنم والطير الذبح وأن من سنة الإبل النحر وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير ولا الذبح في الإبل إلا في موضع الضرورة وقال قوم يجوز جميع ذلك من غير كراهة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة العلماء وقال أشهب إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل ولكنه يكره وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم فأما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام { ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا } وأما الفعل فإنه ثبت أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل والبقر وذبح الغنم } وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وعلى ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش { وفديناه بذبح عظيم } ا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية