1. الرئيسية
  2. أنوار البروق في أنواء الفروق
  3. الفرق بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة
صفحة جزء
( الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة )

اعلم أن مالكا وأبا حنيفة رضي الله عنهما اتفقا على جواز التعليق في الطلاق والعتاق قبل النكاح ، وكذلك العتق قبل الملك فيقول للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد إن اشتريتك فأنت حر فيلزمه الطلاق والعتاق إذا تزوج واشترى ، وقال الشافعي رضي الله عنه لا يلزمه شيء من ذلك ووافقنا على جواز التصرف بالنذر قبل الملك فيقول إن ملكت دينارا فهو صدقة ، وكذلك جميع ما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات فتمسك الأصحاب بوجوه

( أحدها ) القياس على النذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم

( وثانيها ) قوله تعالى { أوفوا بالعقود } والطلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بهما

( وثالثها ) قوله عليه الصلاة والسلام { المؤمنون عند شروطهم } ، وهذان شرطان فوجب الوقوف معهما [ ص: 170 ] وأجاب الشافعية

( عن الأول ) بأن النقدين والعروض يمكن أن يثبت في الذمم فوقع الالتزام بناء على ما في الذمة والطلاق والعتاق لا يثبتان في الذمم والتصرف يعتمد الموجود المعين أو ما في الذمة ، وإذا انتفيا معا بطل التصرف ألا ترى أن البيع إذا لم يكن على معين ولا في الذمة فإنه يبطل كذلك هاهنا

( وعن الثاني ) أن قوله تعالى { أوفوا بالعقود } أمر بالوفاء بالعقود والأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل والعقد قد وقع وصار ماضيا فلا يصح أن يتعلق إلا بالوفاء به فيتعين أن الأمر متعلق بالوفاء بمقتضاه ويكون التقدير أوفوا بمقتضيات العقود ونحن نقول بموجبه ويوفى بمقتضاه ولكن النزاع في مقتضاه ما هو هل لزوم الطلاق أم لا فلا يحصل المقصود من الآية ، وهذا هو الجواب عن الحديث فإن الكون عند الشروط إنما هو الوفاء بمقتضاها وكون الطلاق من مقتضاها هو محل النزاع وللمالكية أن يجيبوا عن هذين الجوابين بأن مقتضى العقد ومقتضى الشرط هو ما دل عليه لغة ؛ لأنه مقتضاه إجماعا .

وأما المقتضى الشرعي فهو صورة النزاع ونحن إنما نتمسك بالمقتضى اللغوي ولا شك أن المقتضى اللغوي في العقد والشرط هو لزوم الطلاق فوجب أن يكون متعلق الأمر في الآية والحديث وهو المطلوب ، ولو حمل على المقتضى الشرعي لكان التقدير أوفوا بما يجب عليكم شرعا الوفاء به ونحن لا نعلم الوجوب إلا من هذا الأمر فيلزم الدور لتوقف كل واحد منهما على الآخر أما إذا حمل على المقتضى اللغوي [ ص: 171 ] لا يلزم الدور لعدم توقف اللغة على الشرائع وهاهنا قاعدة يشكل مذهب مالك وأبي حنيفة باعتبارها وهو أن كل سبب شرعه الله تعالى لحكمة لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة كما شرع التعزيرات والحدود للزجر ولم يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم بمقادير انخراق الحرمة والذمة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر وشرع البيع للاختصاص بالمنافع في الغرضين ولم يشرعه فيما لا ينتفع به ولا فيما كثر غرره أو جهالته لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة المخلين بالأرباح وحصول الأعيان وشرع اللعان لنفي النسب ولم يشرعه للمجبوب والخصي لانتفاء النسب بغير لعان وذلك كثير في الشريعة وضابطه أن كل سبب لا يحصل مقصوده لا يشرع والنكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة فمن قال بشرعيته في صورة التعليق قبل الملك فقد التزم شرعيته مع انتفاء حكمته فكان يلزم أن لا يصح عليها العقد ألبتة لكن العقد صحيح إجماعا فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة العقد .

وأما وجوب نصف الصداق وتبعيض الطلاق وغيرهما مما يتوقف على هذا العقد فأمور تابعة لمقصود العقد لا أنها مقصود العقد فلا يشرع العقد لأجلها فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده ، وهذا موضع مشكل على أصحابنا فتأمله ، وقد ظهر لك أيضا بما تقدم من البحث الفرق بين ما يترتب في الذمم [ ص: 172 ] وبين ما لا يترتب ( وأما ) تهويل الشافعية بقولهم الطلاق حل والنكاح عقد والحل لا يكون قبل العقد وبما يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خرجه الترمذي { لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك } ( فالجواب ) أن الطلاق لم نقل به في غير عقد ؛ لأنا لم نقل بلزوم الطلاق إلا بعد حصول العقد لا قبله فما قلنا بالحل إلا بعد العقد وهو الجواب عن الحديث فإن طلاق ابن آدم وعتقه إنما وقعا فيما ملكه وإنما تقدم التعليق وربط الطلاق والعتاق بالملك لا نفس الطلاق والعتاق .


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة )

اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهم على أن النقدين والعروض قبل ملكها هو المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وعلى جواز التصرف فيها قبل الملك بالنذر بأن يقول إن ملكت دينارا فهو صدقة ونحو ذلك مما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات من النقدين والعروض واختلفوا في الطلاق والعتاق قبل الملك بأن تقول للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر هل هما من المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة فلا يلزمه شيء بقوله للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر أو ومن المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة فيلزم الطلاق لمن قال للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق والعتاق لمن قال للعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر قياسا على النذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة ذهب إلى الأول الشافعي وأحمد وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة وسبب الخلاف قال الأصل هو الخلاف في مقتضى العقود في قوله تعالى { أوفوا بالعقود } والشروط في .

قوله عليه الصلاة والسلام { المؤمنون عند شروطهم } ، وذلك لأن الأمر بالوفاء بالعقود يتعين أن يكون أمرا بمقتضياتها ، ضرورة أن الأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل والعقد قد وقع وصار ماضيا فلا يصح أن يتعلق الأمر [ ص: 207 ] بالوفاء به ، وكذلك الكون عند الشروط يتعين أنه هو الوفاء بمقتضاها والطلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بمقتضاهما والوفاء بمقتضى شروطهما والنزاع في مقتضاهما ما هو هل هو لزوم الطلاق والعتاق فيحصل المقصود بالآية والحديث أم لا فلا يحصل المقصود من الآية والحديث ذهب الشافعي وأحمد تمسكا بأمرين

( أحدهما ) أن الطلاق والعتاق حل والنكاح والشراء عقد ولا يكون الحل قبل العقد

( وثانيهما ) ما خرجه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك } وذهب إلى الأول مالك وأبو حنيفة تمسكا بأمرين أيضا

( أحدهما ) أن مقتضى العقد الشرط إجماعا هو المقتضى اللغوي فيها ، وأما المقتضى الشرعي فهو صورة النزاع والمقتضى اللغوي فيهما هو لزوم الطلاق والعتاق فوجب أن يكون هو متعلق الأمر في الآية والحديث وهو المطلوب

( وثانيهما ) أنه لو حمل على المقتضى الشرعي لكان التقدير أوفوا بما يجب عليكم شرعا الوفاء به ونحن لا نعلم الوجوب إلا من هذا الأمر فيلزم الدور لتوقف كل واحد منهما على الآخر ، وأما إذا حمل على المقتضى اللغوي فلا يلزم الدور لعدم توقف اللغة على الشرائع والجواب عما تمسكا به من الأمرين أن الطلاق لم نقل به في غير عقد ، بل إنما قلنا بلزومه بعد حصول العقد لا قبله فما قلنا بالحل إلا بعد العقد فطلاق ابن آدم وعتقه إنما وقعا فيما ملكه والمتقدم إنما هو التعليق وربط الطلاق والعتاق بالملك إلا نفس الطلاق والعتاق ا هـ .

وقال حفيد ابن رشد في بدايته سبب الخلاف هل من شرط وقوع الطلاق أي والعتاق وجود الملك متقدما بالزمان على الطلاق أي والعتاق أم ليس ذلك من شرطه فمن قال هو من شرطه قال لا يتعلق الطلاق بالأجنبية أي ولا العتاق بغير المملوك بالفعل ، ومن قال ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط قال يقع أي الطلاق بالأجنبية أي والعتاق بغير المملوك ا هـ .

قال الأصل وبكثرة اعتبار الشرع قاعدة أن كل سبب شرعه الله تعالى لحكمة لا يشرعه عند عدم الحكمة وبعبارة أن كل سبب لا يحصل مقصوده لا يشرع كما شرع التعذيرات والحدود للزجر ولم يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم بمقادير انخراق الحرمة والذلة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر وشرع البيع للاختصاص بالمنافع في العوضين ولم يشرعه فيما لا ينتفع به ولا فيما كثر غرره أو جهالته لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة المخلين بالأرباح وحصول الأعيان ، وشرع اللعان لنفي النسب ولم يشرعه للمجبوب والخصي لانتفاء النسب بغير لعان يشكل مذهب مالك وأبي حنيفة وذلك أن النكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة فمن قال بشرعيته أي النكاح في صورة تعليق طلاق الأجنبية قبل الملك فقد التزم شرعيته أي النكاح مع انتفاء حكمته إذ لا يتأتى حصولها مع ترتب الطلاق على حصول عقده صحيحا شرعا فكان يلزم أن لا يصح على الأجنبية حينئذ عقد نكاح ألبتة لكن العقد صحيح إجماعا فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة عقد النكاح المقصودة منه .

وليس من المقصود منه وجوب نصف الصداق وتبعيض الطلاق وغيرهما مما يتوقف على هذا العقد ، بل من الأمور التابعة للمقصود منه فلا يشرع العقد لأجلها فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده وعدم لزوم الطلاق على وقوعه صحيحا فتأمل [ ص: 208 ] ذلك ولعل الإمام ابن الشاط لهذا قال ويكون تمام الفرق مبينا على أن مقتضى الطلاق والعتاق هو مقتضاهما الشرعي لا اللغوي ، وقد علمت ما فيه قال هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر ا هـ بلفظه ( مسألة )

وقوع الطلاق على الأجنبيات بشرط التزويج وإن وافق مالك فيه أبا حنيفة إلا أنه خالفه فيما إذا عمم المطلق جميع النساء مثل أن يقول كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، فاستحسن هو وأصحابه أنه لا يقع عليه طلاق حينئذ بناء على المصلحة وهي أنه إذا عمم فأوجبوا عليه التعميم لم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال فكان ذلك عنتا به وحرجا وكأنه من باب نذر المعصية ، وأما أبو حنيفة وجماعة فقالوا يقع عليه الطلاق مطلقا عمم جميع النساء أو خصص ، مثل أن يقول كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا أو في وقت كذا فهي طالق كما في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية