1. الرئيسية
  2. أنوار البروق في أنواء الفروق
  3. الفرق بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء
صفحة جزء
( الفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء )

وهو أن قاعدة الشرع أنه يقدم في كل موطن وكل ولاية من هو أقوم بمصالحها فيقدم في ولاية الحرب من هو أقوم بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكائد العدو ويقدم في القضاء من هو أكثر تفطنا لحجاج الخصوم وقواعد الأحكام ووجوه الخدع من الناس ويقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام وأشفق على الأمة وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة ويقدم في سعاية الماشية وجباية الزكاة والعمل عليها من هو أعرف بنصب الزكوات ومقادير الواجب فيها وأحكام اختلاطها وافتراقها وضم أجناسها ويقدم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات وأهليات الكفالات وتنمية أموال الأيتام والمناضلة عنهم ، وكذلك بقية الولايات ويقدم في الخلافة من هو كامل العلم والدين وافر العقل والرأي قوي النفس شديد الشجاعة عارف بأهليات الولايات حريص على مصالح الأمة قرشي من قبيلة النبوة المعظمة كامل الحرمة والهيبة في نفوس الناس ولما كانت الحضانة تفتقر إلى وفور الصبر على الأطفال في كثرة البكاء والتضجر من الهيئات العارضة للصبيان ومزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم ، وكانت النسوة أتم من الرجال في ذلك كله قد من عليهم ؛ لأن أنفات الرجال وإباءة نفوسهم وعلو هممهم [ ص: 207 ] تمنعهم من الانسلاك في أطوار الصبيان وما يليق بهم من اللطف والمعاملات وملابسة القاذورات وتحمل الدناءات فهذا هو الفرق بين قاعدة الحضانات وغيرها من قواعد الولايات .


[ ص: 208 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء )

وهو أن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته التامة البالغة كثرة بكاء الأطفال منفعة لهم أما أولا فلأن في أدمغتهم رطوبات لو بقيت فيها لأحدثت أحداثا عظيمة والبكاء يسيل ذلك ويحدره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح .

وأما ثانيا فلأن البكاء والعياط يوسع عليهم مجاري النفس ويفتح العروق ويصلبها ويقوي الأعصاب واقتضت أيضا أن تكون هذه الدار الدنيا ممزوجة عافيتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها وأنها دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها ببعض كما قال القائل :

أصبحت في دار بليات أدفع آفات بآفات

حتى صارت آلام الأطفال كآلام البالغين من لوازم النشأة الإنسانية التي لا ينفك عنها الإنسان ولا الحيوان كالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب والهم والغم والضعف والعجز بحيث إن الإنسان لو تجرد عنها لم يكن إنسانا ، بل كان ملكا أو خلقا آخر إلا أن البالغين لما صارت لهم عادة سهل موقعها عندهم بخلاف الأطفال كما في مفتاح السعادة لابن قيم الجوزية افتقرت حضانتهم إلى وفور الصبر عليهم في كثرة بكائهم وتضجرهم من الهيئات العارضة لهم وإلى مزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم ولما كانت النسوة أتم من الرجال في ذلك ؛ لأن أنفات الرجال وإباية نفوسهم وعلو هممهم تمنعهم من الانسلاك في أطوار الصبيان وما يليق بهم من اللطف والمعاملات وملابسة القاذورات وتحمل الدناءات وقاعدة الشرع في كل موطن وكل ولاية تقديم من هو أقوم بمصالحها قدمهن الشرع على الرجال في الحضانة كما قدم الرجال عليهن في غيرها من جميع الولايات على حسب أحوالهم المناسبة لأي ولاية من الولايات فقدم في الخلافة من الرجال من هو كامل العلم والدين وافر العقل والرأي قوي النفس شديد الشجاعة عارف بأهليات الولايات حريص على مصالح الأمة قرشي من قبيلة النبوءة المعظمة كامل الحرمة والهيبة في نفوس الناس وقدم في ولاية الحرب من هو أقوم بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكائدة العدو ، وقدم في القضاء من هو أكثر تفطنا لحجاج الخصوم وقواعد الأحكام ووجود الخدع من الناس وقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام وأشفق على الأمة وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة وقدم في سعاية الماشية وجباية الزكاة والعمل عليها من هو أعرف بنصب الزكوات ومقادير الواجب فيها وأحكام اختلاطها وافتراقها وضم أجناسها وقدم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات وأهليات الكفارات وتنمية أموال الأيتام والمناضلة عنهم وهكذا بقية الولايات فهذا هو الفرق بين قاعدة الحضانات وقاعدة غيرها من الولايات والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية