صفحة جزء
( الفرق التاسع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه )

اعلم أن العقود ثلاثة أقسام

( القسم الأول ) يرد على الذمم ، فيكون متعلقه الأجناس الكلية دون [ ص: 254 ] أشخاصها فيحصل الوفاء بمقتضاها بأي فرد كان من ذلك الجنس فإن دفع فردا منه فظهر مخالفته للعقد رجع بفرد غيره وتبينا أن المعقود عليه باق في الذمة إلى الآن حتى يقبض من ذلك الجنس فرد مطابق للعقد هذا متفق عليه

( القسم الثاني ) مبيع مشخص الجنس فهذا معين وخاصته أنه إذا فات ذلك المشخص قبل القبض انفسخ العقد اتفاقا واستثني من [ ص: 255 ] المشخصات صورتان

( الصورة الأولى ) النقود إذا شخصت وتعينت للجنس هل تتعين أم لا ثلاثة أقوال

( أحدهما ) تتعين بالشخص على قاعدة المشخصات ، وقاله الشافعي وابن حنبل

( وثانيها ) أنها لا تتعين وهو مشهور مذهب مالك ، وقاله أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين

( وثالثها ) تتعين إن شاء بائعها ؛ لأنه أملك بها ولا مشيئة لقابضها فإن اختص النقد بصفة نحو الحلي أو رواج السكة ونحوهما تعينت اتفاقا احتج الشافعي رضي الله عنه بأمور

( أحدها ) أن غرضه متعلق بها عند الفلس ، والنقد المعين آكد من الذي في الذمة لتشخصه فإذا تعين النقدان في الذمة وجب أن يتعينا إذا شخصا بطريق الأولى

( وثانيها ) أن الدين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذمة أخرى فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدين

( وثالثها ) أن ذوات الأمثال [ ص: 256 ] كأرطال الزيت من خابية واحدة وأقفزة القمح من صبرة واحدة لا يتعلق بخصوصياتها غرض ، بل كل قفيز منها يسد مسد الآخر عند العقلاء ومع ذلك فلو باعه قفيزا من أقفزة كيلت من صبرة واحدة أو رطلا من أرطال زيت من جرة واحدة وجعله مورد العقد وعينه لم يكن له إبداله بغيره ، بل يتعين بالتعيين مع عدم الغرض فكذلك النقدان

( والجواب عن الأول ) أن الفلس نادر والنادر ملحق بالغالب في الشرع

( وعن الثاني ) أن الدين إنما تعين ولم يجز أن ينقله إلى ذمة أخرى ؛ لأن الذمم تختلف باللدد وقرب الإعسار فلذلك تعين الدين ، ولو حصل في النقدين اختلاف لتعينت أيضا اتفاقا وإنما الكلام عند عدم الاختلاف

( وعن الثالث ) أن السلع وإن كانت ذوات أمثال فإنها مقاصد والنقدان وسيلتان لتحصيل المثمنات ، والمقاصد [ ص: 257 ] أشرف من الوسائل إجماعا فلشرفها اعتبر تشخيصها وعين النقد وإن قام غيره مقامه فأثر بشرفه في تعيين تشخيصه بخلاف الوسائل ضعيفة فلم تؤثر في تعيين تشخيصها إذا قام غيرها مقامها ولم يختص بمعنى فيها فظهر الفرق بينهما وفي الفرق ثلاث مسائل ( المسألة الأولى )

مقتضى مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن خصوص النقدين لا يملكان ألبتة بخلاف خصوصيات المثليات فإذا غصب غاصب من شخص دينارا لا يتمكن من طلب خصوصه ، بل يستحق الزنة والجنس دون الخصوص فالغاصب أن يعطيه دينارا غيره وإن كره ربه إذا كان الدينار والذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا للسكة والمقاصد في الدينار المغصوب ولذلك إذا قال له في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم هذه السلعة فباعه إياها به له يمتنع من دفعه ويعطيه غيره ؛ ولأن الخصوص في أفراد النقدين لا يتعلق به ملك ولا يتناوله عقد ، بل المستحق هو الجنس والمقدار فقط دون خصوص ذلك الفرد وعلى هذا أيضا لا تكون العقود في النقدين تتناول إلا الذمم خاصة ولا فرق عند الإمامين ، ومن وافقهما بين قول القائل بعني بدرهم وبين قوله بعني بهذا الدرهم ويعينه والعقد في الصورتين إنما يرد على الذمة دون ما عين ونصوص المذهب تتقاضى ذلك من مالك والأصحاب غير أنهم إذا قيل لهم إن خصوص النقدين في الشخص لا تملكه وإن خصوص كل دينار لا يملك قد يستشنع ذلك وينكر وهو لازم على المذهب ، وإذا كانت الخصوصيات لا تملك كانت المعاملات بين الناس بالجنس والمقدار فقط فاعلم ذلك [ ص: 258 ] المسألة الثانية )

قال العبدلي لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين الصرف والكراء ، وقال الشيخ أبو الوليد في المقدمات النقدان يتعينان بالتعيين في الصرف عند مالك وجمهور أصحابه وإن لم تعين تعينت بالقبض وبالمفارقة ولذلك جاز الرضى بالزائف في الصرف .

وقال سند في الطراز إذا لم يتعين النقدان فالعقد إنما يتناول التسليم فإذا قبض في الصرف رديئا ، وقد افترقا قبل القبض لا يتناوله العقد فيفسد فإن قلنا بأن القبض يبرئ الذمة وتعين صح العقد والطارئ بعد ذلك استحقاق أو عيب أو حكم متجدد لنفي الظلامة كعقد النكاح مبرم مفيد للميراث وحل الوطء ، وإذا ظهر بعد الموت عيب بأحد الزوجين يوجب الرد فإذا رضي بالعيب بقي العقد على حاله وإن كره الآخر وإن أراد البدل منعه مالك إلا أن يدلس بائعه وفي المسألة خلاف في كتب الفروع واعلم أن استثناء هاتين المسألتين يحوج إلى ذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائل أما الصرف فيمكن أن يقال إنما قال فيه مالك بالتعيين فلضيق بابه وأمر الشرع بسرعة القبض ناجزا للتعيين وذلك مناسب للتضييق ؛ لأن التعيين يحصل مقصود القبض ناجزا بخلاف إذا قلنا إن الصرف إنما ورد على الذمة فاحتمل أن يكون هذا القبض مبرئا لما في الذمة إن كان موافقا وأن لا يكون فبالتعيين يحصل الجزم بالقبض والتناجز .

وأما الكراء فيصعب الفرق بينه وبين غيره وغايته أن يقال فيه إن الكراء يرد على المنافع المعدومة فلو كان النقدان لا يتعينان لكان الكراء أيضا في الذمة فيشبه بيع الدين بالدين وهو حرام بخلاف جميع الأعيان فإنها تتعين غير أن هذا الفرق يشكل فإنه يجوز الكراء على الذمة تصريحا ويعينه بعد ذلك فيطلب له فرق يليق به ( المسألة الثالثة )

إذا جرى غير النقدين مجراهما في المعاملة كالفلوس أو غيرها قال سند من [ ص: 259 ] أجرى الفلوس مجرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين ومنع البدل في الصرف إذا وجد بعضها رديئا قال مالك في المدونة إذا اشتريت فلوسا بدراهم فوجدت بعد التفرق بعض الفلوس رديئا استحق البدل للخلاف فيها ، وهذا على مذهبه أن الفلوس يكره الربا فيها من غير تحريم وفيها ثلاثة أقوال ، التحريم والإباحة والكراهة والصورة الثانية المستثناة المشخصات ما قاله ابن القاسم في المدونة إذا كان لك دين على أحد لا يجوز أن تأخذ فيه سكنى دار أو خدمة عبد أو ثمرة يتأخر قبضها وإن عينت جميع ذلك وأجراه مجرى فسخ الدين في الدين لأجل صورة التأخر في القبض وإن عين محل المعاوضة فمن هذا الوجه أشبه الدين ، وقال أشهب يجوز ذلك لأجل التعيين ، والتعين لا يكون إلا في الذمة وما لا يكون في الذمة لا يكون دينا ، فليس ها هنا فسخ الدين في الدين وهو أوجه

( القسم الثالث ) من التقسيم لا هو معين مطلقا ولا هو غير معين مطلقا ، بل أخذ شبها من الطرفين وهو بيع الغائب على الصفة فمن جهة أنه غير مرئي أشبه ما في الذمة ولذلك قيل ضمانه من البائع ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس ، بل على مشخص معين أشبه المعين من هذا الوجه ولذلك قيل ضمانه من المشتري قال القاضي عبد الوهاب المبيع على ثلاثة أقسام سلم في الذمة وغائب على الصفة وحاضر معين فهذه أقسام ما يتعين وما لا يتعين ، والفرق بينهما مبسوط .


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق التاسع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه [ ص: 254 ] إلى آخر القسم ) ما قاله في ذلك صحيح إلا قوله ، فيكون متعلقه الأجناس الكلية دون أشخاصها فإنه إن أراد ظاهر لفظه ، فليس بصحيح ، بل متعلقه أشخاص غير معينة مما يدخل تحت الكلي ولذلك صح الوفاء بأي فرد كان إذا وافق الصفات المشترطة قال

( القسم الثاني مبيع مشخص الجنس إلى قوله وفي الفرق ثلاث مسائل ) قلت الذي يقوى عندي مذهب الشافعي وأقوى حججه قياس [ ص: 255 - 257 ] النقدين على ذوات الأمثال وما أجيب به من أن ذوات الأمثال مقاصد والنقدين وسائل ليس بفرق يقدح مثله في مثل ذلك القياس قال

( المسألة الأولى إلى قوله إذا كان الدينار الذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا في السكة والمقاصد في الدينار والمغصوب ) قلت ما قاله في ذلك ضعيف والصحيح في النظر لزوم رد الدينار المغصوب بعينه ما دام قائما أما إذا فات فله رد غيره قال ( ولذلك إذا قال له في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم إلى آخر المسألة ) قلت ذلك كله عندي غير صحيح أو القول بأن الدينار الذي في يد الإنسان بميراثه من أبيه أو بأخذه عوضا عن سلعة معينة كانت ملكه ليس مالكا له من أشنع قول يسمع وأفحش مذهب ببطلانه يقطع [ ص: 258 ] قال

( المسألة الثانية إلى آخرها ) قلت المسألة مبنية على عدم تعيين النقدين بالتعيين فلذلك أشكل الفرق بين مسألتي الصرف والكراء والصحيح أن ذلك الأصل غير صحيح فلا إشكال والله أعلم .

قال ( المسألة الثالثة إلى آخرها ) قلت قول أشهب في سكنى الدار المأخوذة في الدين أوجه كما قال الشهاب وما قاله في بيع الغائب أنه أخذ شبها مما في الذمة ضعيف ، بل هو معين ، وأما كون ضمانه من البائع أو من المبتاع فلأمور غير كونه معينا أو غير معين والله أعلم وما قاله في الفروق الستة بعده صحيح كله .

حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه )

( قال ) القاضي عبد الوهاب المبيع على ثلاثة أقسام سلم في الذمة وغائب على الصفة وحاضر معين ا هـ . أي متعلق العقود بيعها أو نحوه لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة المعين وغيره والذي فيه شبه منهما ( فالسلم في الذمة ) هو المتعلق الغير المعين إذ هو أشخاص غير معينة مما يدخل تحت الكلي ولذلك صح الوفاء بأي فرد كان من ذلك الجنس إذا وافق الصفات المشروطة في العقد والأرجح بفرد غيره وتبينا أن المعقود عليه باق في الذمة إلى الآن حتى يقبض من ذلك الجنس فرد مطابق للصفات في العقد هذا متفق عليه

( والغائب على الصفة ) هو المتعلق الذي فيه شبه بالمعين وغير المعين وذلك أنه من جهة أنه غير مرئي أشبه ما في الذمة ولذلك قيل ضمانه من البائع ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس ، بل على مشخص معين أشبه المعين ولذلك قيل ضمانه من المشتري قاله الأصل وهو ضعيف والراجح أن الغائب المبيع معين ، وأما كون ضمانه من البائع أو من المبتاع فلأمور غير كونه معينا أو غير معين كما قال ابن الشاط

( والحاضر المعين ) هو المتعلق المعين أي مشخص الجنس وخاصته أنه إذا فات ذلك المشخص قبل القبض انفسخ العقد اتفاقا لكن وقع الخلاف في صورتين استثنيتا من قاعدة المشخصات

( الصورة الأولى ) أن يكون لك دين على أحد فتأخذ فيه سكنى دار أو خدمة عبد أو ثمرة يتأخر قبضها فقال ابن القاسم في المدونة لا يجوز إن كان المفسوخ فيه معينا يتأخر قبضه أو منافع معين وأجراه مجرى فسخ الدين في الدين لأجل صورة التأخير في القبض أي إما في الكل وإما في الأجزاء وإن عين محل المعاوضة أي ، وهذا هو الراجح .

وقال أشهب يجوز ذلك إذا كان المفسوخ فيه معينا أو منافع معين ؛ لأن المعين لا يكون في الذمة وما لا يكون في الذمة لا يكون ، فليس هاهنا فسخ الدين وهو أوجه كما في الأصل ووافقه ابن الشاط قال عبق ؛ ولأن المنافع إذا أسندت لمعين أشبهت المعينات المقبوضة وصححه المتأخرون ؛ لأنها لو كانت كالدين يمنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراؤها بدين والمذهب جوازه ، وكذا شراؤها به اتفاقا كما في المواق ا هـ .

قال الدسوقي ، وقد كان عج يعمل به فكانت له حانوت ساكن فيها مجلد يجلد الكتب فكان إذا ترتب له جرة في ذمته يستأجره بها على تسفير كتب وكان يقول هذا قول أشهب وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد ا هـ . على أن البناني قال قال ابن رشد إنما يمنع ابن القاسم فسخ الدين في منافع المعين في الاختيار ، وأما في الضرورة فهو عنده جائز مثل أن يكون في صحراء ولا يجد كراء ويخشى على نفسه الهلاك فيجوز له أخذ منافع دابة عن دينه قاله في رسم السلم من سماع عيسى من البيوع ا هـ .

منه بلفظه قال عبق وظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة أنه لا فرق في المنع بين كون الدين حالا أو مؤجلا وإذ كان مؤجلا فلا فرق بين كون المنافع تستوفى من المعين قبل حلوله أو معه أو بعده بقرب الأجل أو بعده وأجازه أشهب ، بل في المواق إن ابن سراج قال لم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا فيجوز فسخ الدين في خدمة المعين اليوم واليومين ولا إشكال في ذلك على قول أشهب ، وقد رشحه أي رجحه ابن يونس ومنه يستفاد جواز من له عند شخص دين فيقول له احرث معي اليوم أو تنسج معي اليوم وأعطيك مما عليك من الدين في نظير هذا درهما ، وكذا إذا استعمله في زمن كثير من غير شرط أن يقتطع له أجرة مما عليه فله أن يقاصه مما ترتب له في ذمته من الأجرة من الدين الذي له عليه على قول أشهب وبه أفتى ابن رشد لكنه مخالف لابن القاسم ولم يكن يخفى على ابن رشد قول ابن القاسم .

وما خالفه إلا لظهوره أي قول [ ص: 250 ] أشهب عنده ا هـ باختصار وبعض إيضاح قلت وبهذا يخرج عن حرمة تقليد الضعيف لما رجحه الأشياخ وصححه المتأخرون وأفتى ابن رشد ولعل وجه ظهوره أنه ليس في هذا فسخ دين في دين وإنما فيه المقاصة كما أشار له بقوله يقاصه ، بل الظاهر أن ابن القاسم لا يخالف في هذه حيث لا شرط ولا عرف ولا نوى الاقتطاع ولكن المتبادر من فتوى ابن رشد جوازه مع نية الاقتطاع أيضا حيث لم يشترطه ا هـ كلام عبق بتصرف ما .

وتعقب البناني قوله لكنه مخالف لابن القاسم إلخ غير صحيح ، وليس ذلك في المواق ، بل هو تحريف لكلامه ونصه وكان ابن سراج يقول إذ خدم معك من لك عليه دين بغير شرط فإنه يجوز لك أن تقاصه عند الفراغ من الدين الذي عليه قال وبهذا أفتى ابن رشد في نوازله لظهوره عنده إذ ما كان ابن رشد يخفى عليه قول ابن القاسم ا هـ . فهذا يدل على موافقته لابن القاسم لا مخالفته له تأمله ا هـ .

وسلمه الرهوني وكنون ولم يسلما تعقبه على قوله وظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة إلخ بأن الذي في المواق من نقل ابن يونس عن مالك أن استعمال المدين في اليسير والدين لم يحل جائز وإن حل فلا يجوز في يسير ولا كثير ا هـ . بل قالا ليس في نقل المواق عن ابن يونس ولا في كلام ابن يونس ما ذكره البناني عنه والله أعلم ا هـ .

قال عبق واتفق ابن القاسم وأشهب على منع فسخ الدين في منافع مضمونة كركوب دابة غير معينة وسكنى دار كذلك قاله الشارح واعترض بأن الدار والحانوت لا بد من تعينها في الكراء ، ولو اكتريا بالنقد ا هـ . من عج تبعا لبعض الشارحين أي فكيف يتأتى أن تكون مضمونة ، وقد يقال لا مانع كما يفيده ما مر في الحج من قوله فالمضمونة كغيره وما يأتي في قوله وإن ضمنت فجنس ا هـ . لكن قال البناني أن ما تقدم في الحج وما سيأتي كلاهما في غير الرباع وسيقول وعين متعلم ورضيع ودار وحانوت فلا يصح قوله ، وقد يقال لا مانع إلخ ا هـ . وسلمه الرهوني وكنون

( الصورة الثانية ) النقود إذا شخصت وتعينت للحس بدون أن تختص بصفة الحلي أو رواج السكة أو نحوهما ففي تعينها وعدم تعينها أقوال ثالثها إن شاء بائعها ؛ لأنه أملك بها لقابضها الأول نسبه الأصل للشافعي وابن حنبل والثاني نسبه لمشهور مذهب مالك وقول أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين والثالث لم ينسبه لأحد قال ، وأما إذا اختص النقد بصفة نحو الحلي أو رواج السكة فإنها تتعين اتفاقا واحتج الشافعي رضي الله عنه للقول الأول بثلاثة أمور

( الأمر الأول ) إن غرضه متعلق بها عند الفلس والنقد المعين آكد من الذي في الذمة لتشخصه فإذا تعين النقدان في الذمة وجب أن يتعينا إذا شخصا بطريق الأولى وجوابه أن المفلس نادر والنادر ملحق بالغالب في الشرع .

( الأمر الثاني ) أن الدين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذمة أخرى فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدين

( وجوابه ) أن الدين إنما تعين ولم يجز أن ينقله إلى ذمة أخرى ؛ لأن الذمم تختلف باللدد وقرب الإعسار فلذلك تعين الدين ، ولو حصل في النقد اختلاف لتعينت أيضا اتفاقا وإنما الكلام عند عدم الاختلاف أي فالقياس على الدين قياس مع الفارق فلا يصح

( الأمر الثالث ) أن ذوات الأمثال كأرطال الزيت من خابية واحدة وأقفزة القمح من صبرة واحدة لا يتعلق بخصوصياتها غرض ، بل كل قفيز منها يسد مسد الآخر عند العقلاء ومع ذلك فلو باعه قفيزا من أقفزة كيلت من صبرة واحدة أو رطلا من أرطال زيت وزنت من جرة واحدة وجعله مورد العقد وعينه لم يكن له إبداله بغيره ، بل يتعين بالتعيين مع عدم الغرض فكذلك النقدان

( وجوابه ) أن السلع وإن كانت ذوات أمثال فإنها مقاصد والنقدان وسيلتان لتحصيل المثمنات والمقاصد أشرف من الوسائل إجماعا فلشرفها اعتبر تشخيصها فأثرت بشرفها في تعيين تشخيصها بخلاف الوسائل فإنها لضعفها لم يعتبر تشخيصها فلم تؤثر بضعفها في تعيين تشخيصها إذا قام غيرها مقامها ولم يختص بمعنى فيها فظهر الفرق بين ذوات الأمثال من السلع وبين النقدين [ ص: 251 ] ولا قياس مع الفارق ويتضح الفرق بينهما بثلاث مسائل ( المسألة الأولى )

مقتضى مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن خصوص النقدين لا يملك ألبتة ولا يتناوله عقد وإنما المعاملات بين الناس بالجنس والمقدار فقط بخلاف خصوصيات المثليات ، وقد انبنى على ذلك فروع .

( منها ) أنه إذا غصب غاصب دينارا لا يتمكن المغصوب منه من طلب خصوصه ؛ لأنه إنما يستحق الزنة والجنس دون الخصوص فللغاصب أن يعطيه دينارا غيره وإن كره ربه إذا كان الدينار الذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا للسكة وللمقاصد في الدينار المغصوب ( ومنها ) أنه إذا قال المشتري للبائع في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم هذه السلعة فباعه إياها به كان له أن يمتنع من دفعه ويعطيه غيره ( ومنها ) أن العقود في النقدين لا تتناول إلا الذمة خاصة عند الإمامين ، ومن وافقهما فلا فرق عندهما بين قول القائل بعني بدرهم وبين قوله بعني بهذا الدرهم ويعينه إذ العقد في الصورتين إنما يرد على الذمة دون ما عين نعم مالك وأصحابه وإن كانت نصوصهم تقتضي ذلك إلا أنهم إذا قيل لهم إن خصوص النقدين لا تملكه وإن خصوص كل دينار لا يملك قد يستشنعون ذلك وينكرونه وهو لازم مذهبهم بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب ( المسألة الثانية )

قال الشيخ أبو الوليد في المقدمات النقدان يتعينان باليقين في الصرف عند مالك وجمهور أصحابه وإن لم تعين تعينت بالقبض وبالمفارقة ولذلك جاز الرضى بالزائف بالصرف ا هـ .

وقال سند في الطراز إذا لم يتعين النقدان فالعقد إنما يتناول التسليم والقبض ، وإذا صرف رديئا ، وقد افترقا قبل القبض لا يتناوله العقد فيفسد فإن قلنا بأن القبض يبرئ الذمة وتعين صح العقد والطارئ بعد ذلك من استحقاق أو عيب فهو حكم متجدد لنفي الظلامة كعقد النكاح مبرم للميراث وحل الوطء .

وإذا ظهر بعد الموت عيب بأحد الزوجين يوجب الرد فإذا رضي بالعيب بقي العقد على حاله وإن كره الآخر وإن أراد البدل منعه مالك إلا أن يدلس بائعه وفي المسألة خلاف في كتب الفروع .

وقال العبدلي لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين الصرف والكراء ا هـ واستثناء هاتين المسألتين يحوج إلى ذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائل وهو أن يصعب في الصرف إذ يمكن أن يقال إنما قال فيه مالك بالتعيين لضيق بابه من حيث إن الشرع أمر فيه بسرعة القبض ناجزا والتعيين من حيث إنه يحصل الجزم بالقبض والتناجز فيحصل مقصود القبض ناجزا يناسب الضيق بخلاف ما إذا قلنا إن الصرف إنما ورد على الذمة فإنه يحتمل أن يكون موافقا ، فيكون هذا القبض مبرئ لما في الذمة وأن لا يكون موافقا فلا يكون مبرئ لكن الفرق يصعب في الكراء إذ غاية ما يقال فيه إن الكراء يرد على المنافع المعدومة فلو لم يكن النقدان معينين فيه ، بل كانا في الذمة والكراء أيضا في الذمة لكان يشبه بيع الدين بالدين وهو حرام بخلاف جميع الأعيان فإنها تتعين ولا شك أن هذا الفرق مشكل فإن الكراء يجوز على الذمة تصريحا ويعينه بعد ذلك فليطلب له فرق يليق به ( المسألة الثالثة )

إذا جرى غير النقدين من العروض مجراهما في المعاملة كالفلوس أو غيرهما كالنوط قال سند من أجرى الفلوس مجرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين ومنع البدل في الصرف إذا وجد بعضها رديئا وقول مالك في المدونة إذا اشتريت فلوسا بدراهم فوجدت بعد التفرق بعض الفلوس رديئا استحق البدل للخلاف فيها مبني على مذهبه أن الفلوس يكره الربا فيها من غير تحريم وفيها ثلاثة أقوال التحريم والإباحة والكراهة ا هـ . كلام الأصل بتصرف وهذه الأقوال الثلاثة مبنية على أن كل عرض جرى مجرى النقدين في المعاملة كالفلوس النحاس وورق النوط يتحقق فيه وجهان وجه كونه كالعرض فقط في كونه غير ربوي قال الدسوقي على

الدردير على مختصر خليل .

وهو المعتمد وعليه يقال في بيع الفلوس السحاتيت المتعامل بها بالفلوس الديوانية إن تماثلا عددا فأجز وإن جهل عدد كل فإن زاد أحدهما زيادة تنفي المزابنة فأجز وإلا فلا ا هـ المحتاج منه بتصرف وهو أيضا مذهب الشافعية .

والقول المقابل للصحيح عند الحنابلة إلا أن الشافعية ، ومن يقول بهذا القول من الحنابلة [ ص: 252 ] يقولون بوجوب زكاة قيمته على التاجر مطلقا ، ولو محتكرا .

وأما عندنا فقال الشيخ عليش في فتاويه إن ورق النوط والفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها لا زكاة في عينها لخروجها عما وجبت في عينه من النعم والأصناف المخصوصة من الحبوب والثمار والذهب والفضة ومنهما قيمة عرض المدير وثمن عرض المحتكر قال في المدونة ، ومن حال الحول على فلوس عنده قيمته مائتا درهم فلا زكاة عليه فيها إلا أن يكون مديرا فيقومها كالعروض ا هـ وفي الطراز بعد أن ذكر عن أبي حنيفة والشافعي وجوب الزكاة في عينها واتفاقهما على تعلقها بقيمتها ، وعن الشافعي قولين في إخراج عينها أي في جواز إخراج عين الفلوس الجدد في زكاة النقد وقيمة عروض التجارة التي منها الفلوس .

وهو ما أفتى به البلقيني أو عدم جواز خراج عينها وهو أصل مذهب الشافعي قال والمذهب أنها لا تجب في عينها إذ لا خلاف أنها لا يعتبر وزنها ولا عددها وإنما المعتبر قيمتها فلو وجبت في عينها لاعتبر النصاب من عينها ومبلغها لا من قيمتها كما في عين الورق والذهب والحبوب والثمار ، فلما انقطع تعلقها بعينها جرت على حكم جنسها من النحاس والحديد وشبهه ا هـ . ( والقول ) بالتحريم مبني على اعتبار جهة كونه كالنقد قوة في كونه ربويا قال الدسوقي وعلى أن الفلوس ربوية لا يجوز بيع الفلوس السحاتيت المتعامل بها بالفلوس الديوانية إلا إذا تماثلا وزنا أو عددا ا هـ .

وقال أبو الحسن وفي السلم الأول من المدونة والصغر والنحاس عرض ما لم يضرب فلوسا فإذا ضرب فلوسا جرى مجرى الذهب والورق مجراهما فيما يحل ويحرم وفي الصرف منها ، ومن لك عليه درهم ، ثم قال ، وكذلك الفلوس ا هـ . نقله الرهوني في حاشيته على عبق ونقل قبله قول عياض في التنبيهات اختلف لفظه أي مالك في الفلوس في مسائله بحسب اختلاف رأيه في أصليا هي كالعرض أو كالعين فله هنا التشديد وأنه لا يصح فيها النظرة ولا تجوز وشبهها بالعين وظاهره المنع جملة كالفضة والذهب ا هـ .

وقال قبل وجزم ابن عرفة بأن بيع أحد النقدين بالفلوس صرف حيث قال الصرف ببيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس لقولها أي المدونة متى صرف دراهم بفلوس والأصل الحقيقة ا هـ يقيد حرمة التأخير في ذلك جزما مع أنه قد قال بعد ذلك ما نصه وفي كون الفلوس ربوية كالعين ثالث الروايات يكره فيها ا هـ .

وقال أيضا ما نصه روى محمد في الفلوس والتمائم من الرصاص تباع بعين لأجل لم يبلغه تحريمه عن أحد ، وليس بحرام وتركه أحب إلي اتهب بفسخ إن نزل إلا أن تفوت الفلوس بحوالة سوق أو تبطل ا هـ كلام الرهوني ومفهوم قول الطراز المتقدم والمذهب أنها أي الزكاة لا تجب في عينها إلخ أنها تجب في عينها على مقابل المذهب المبني على اعتبار جهة أن نحو الفلوس كالعين فقط كما لا يخفى ( والقول ) بالكراهة مبني على اعتبار أن له مرتبة وسطى بين الجهتين المتحققتين فيه فتراعى فيه جهة كونه كالعين في نحو الصرف والربا ويراع فيه جهة كونه كالعرض في غير ذلك عندنا ففي حاشية الرهوني قال ابن عرفة ما نصه روى محمد في الفلوس والتمائم من الرصاص تباع بعين لأجل لم يبلغه تحريمه عن أحد ، وليس بحرام وتركه أحب إلي كما تقدم وفي الإرشاد المنصوص كراهة التفاضل والنساء في الفلوس ا هـ . ونحوه في التلقين والتفريع والمدونة في موضعين وساق نصوص الجميع فانظره ، وقال قال عياض في التنبيهات بعد ما تقدم عنه ليست الفلوس كالدنانير والدراهم في جميع الأشياء .

وليست كالدراهم العين وأجاز بدلها إذا أصابها رديئة ، وقال في ثاني السلم إن باع بها وكيل ضمن ؛ لأنها كالعرض إلا في سلعة يسيرة الثمن وفي الزكاة لا تزكى إلا في الإدارة كالعرض وفي السلم الثالث منع بيعها جزافا كالعين وفي الأول يسلم فيها الطعام والعرض لا غير وفي القرض من رواية عبد الرحيم جواز بيعها بالعين نظرة وفي العارية إن أعارها فهو قرض كالعين وفي الاستحقاق إن استحقت وكانت رأس مال سلم أتى بمثلها كالعين وفي الرهون إن رهنت طبع عليها كالعين ا هـ المحتاج إليه من الرهوني .

وخلاصته أن هذه [ ص: 253 ] الرواية تراعي وجه كونه كالعرض في الزكاة فقط فتوجب زكاة قيمته على المدير وزكاة ثمنه على المحتكر وتراعي وجه كونه كالعين والنقد في الربا بنوعيه والصرف فتكره فيه تنزيها الربا بنوعيه ، وتستحب فيه شروط الصرف لكونه بمنزلة الربوي لا ربويا صرفا والصحيح عند الحنابلة وإن كانا فيهما مراعاة الجهتين أيضا إلا أن الأحناف راعوا في الزكاة جهة كونه كالعين فأوجبوا في قيمته الزكاة في الربا بنوعيه والصرف جهة كونه كالعرض فلم يشترطوا في بيعه بالدراهم أو الدنانير شروط الصرف وأجازوا فيه الربا بنوعيه والصحيح عند الحنابلة راعى جهة كونه كالعرض في الزكاة وربا الفضل فأوجب زكاته على التاجر مطلقا وأجاز فيه ربا الفضل وراعى جهة كونه كالعين والنقد في الصرف وربا النساء فشرط في صرفه بالدراهم أو الدنانير شروط الصرف ومنع فيه ربا النساء انظر رسالتي شمس الإشراق في حكم التعامل بالأوراق هذا ، وقال الإمام ابن الشاط الذي يقوي عندي مذهب الشافعي أي بأن النقود تتعين بالشخص على قاعدة المشخصات وأقوى حججه قياس النقدين على ذوات الأمثال وما أجيب به من أن ذوات الأمثال مقاصد والنقدين وسائل ليس بفرق يقدح مثله في مثل ذلك القياس قال وما .

قاله الشهاب في فرع الغاصب ضعيف والصحيح في النظر لزوم رد الدينار المغصوب بعينه ما دام قائما أما إذا فات فله رد غيره وكل ما قاله في الفروع بعده فهو عندي غير صحيح والقول بأن الدينار الذي في يد الإنسان بميراثه من أبيه أو بأخذه عوضا عن سلعة معينة كانت ملكه ليس ملكا له من أشنع قول يسمع وأفحش مذهب ببطلانه يقطع ولما كانت

المسألة الثانية مبنية على عدم تعين النقدين بالتعيين أشكل الفرق بين مسألتي الصرف والكراء والصحيح أن ذلك الأصل غير صحيح فلا إشكال والله أعلم ا هـ .

التالي السابق


الخدمات العلمية