صفحة جزء
( القاعدة التاسعة والستون ) : العقد الوارد على عمل معين إما أن يكون لازما ثابتا في الذمة بعوض كالإجارة فالواجب تحصيل ذلك العمل ولا يتعين أن يعمله المعقود معه إلا بشرط أو قرينة تدل عليه وإما أن يكون غير لازم وإنما يستفاد التصرف فيه بمجرد الإذن فلا يجوز للمعقود معه أن يقيم غيره مقامه في عمله إلا بإذن صريح أو قرينة دالة عليه ويتردد بين هذين من كان تصرف بولاية إما ثابتة بالشرع كولي النكاح أو بالعقد كالحاكم وولي اليتيم .

أما الأول فله صور : منها الأجير المشترك فيجوز له الاستنابة في العمل لأنه ضمن تحصيله لا عمله بنفسه واستثنى الأصحاب من ذلك أن يكون العمل متفاوتا كالفسخ فليس له الاستنابة فيه بدون إذن المستأجر صريحا ونقلت من خط القاضي على ظهر جزء من خلافه قال نقلت من مسائل ابن أبي حرب الجرجاني سمعت أبا عبد الله سئل قال دفعت ثوبا إلى خياط فقطعه ثم دفعه إلى آخر ليخيطه قال هو [ ص: 124 ] ضامن ولعل هذا فيما [ إذا ] دلت الحال على وقوع العقد فيه على خياطة المستأجر لجودة صناعته وحذقه وشهرته بذلك ولا يرضى المستأجر بعمل غيره والمذهب الجواز بدون القرينة وعليه بنى الأصحاب صحة شركة الأبدان حتى أجازوها مع اختلاف الصنائع على أحد الوجهين وكذلك لو استأجر أجيرا لعمل وهو لا يحسنه ففي الصحة وجهان لأن العقد وقع على ضمان تسليم العمل وتحصيله لا على المباشرة .

ومنها لو أصدقها عملا معلوما مقدرا بالزمان أو بغيره وقلنا يصح ذلك فهو كالأجير المشترك .

وأما الثاني : وهو المتصرف بالإذن المجرد فله صور : منها الوكيل وفي جواز توكيله بدون إذن روايتان معروفتان إلا فيما اقتضته دلالة الحال مثل أن يكون العمل لا يباشره مثله أو يعجز عنه لكثرته فله الاستنابة بغير خلاف لكن هل له الاستنابة في الجميع أو في القدر المعجوز عنه خاصة ؟ على وجهين والأول اختيار صاحب المغني

والثاني : قول القاضي وابن عقيل .

ومنها العبد المأذون له فيه وفيه طريقان :

أحدهما : أنه كالوكيل وهو المذكور في الكافي لأنه استفاد التصرف بالإذن [ فهو ] كالوكيل .

والثاني : ليس له الاستنابة بدون إذن أو عرف بغير خلاف وهو ما ذكره في التلخيص لقصور العبد في أملاكه وتصرفاته فلا يملك التصرف بدون إذن أو قرينة .

ومنها الصبي المأذون له وهو كالوكيل ذكره في الكافي .

ومنها الشريك والمضارب وفيهما طريقان :

أحدهما : أن حكمهما حكم الوكيل على الخلاف فيه وهي طريقة القاضي والأكثرين .

والثانية : يجوز لهما التوكيل بدون إذن وهو المجزوم به في المحرر وكذلك رجحه أبو الخطاب في رءوس المسائل لعموم تصرفهما وكثرته وطول مدته غالبا وهذه قرائن تدل على الإذن في التوكيل في البيع والشراء وكلام ابن عقيل يشعر بالتفريق بين المضارب والشريك فيجوز للشريك التوكيل لأنه علل بأن الشريك استفاد بعقد الشركة ما هو دونه وهو الوكالة لأنها أخص والشركة أعم فكان له الاستنابة في الأخص بخلاف الوكيل فإنه استفاد بحكم العقد مثل العقد وهذا يدل على إلحاق المضارب بالوكيل ، وهذا الكلام في توكيلهما في البيع والشراء فأما دفع المضارب المال مضاربة إلى غيره فلا يجوز بدون إذن صريح نص عليه أحمد وعلل بأنه إنما ائتمنه على المال فكيف يسلمه إلى غيره ، وحكى فيه رواية أخرى بالجواز وأما الثالث وهو المتصرف بالولاية فمنه ولي اليتيم وفيه طريقان :

أحدهما : أنه كالوكيل وهي طريقة القاضي [ ص: 125 ] وابن عقيل وصاحب المغني لأن تصرفه بالإذن فهو كالوكيل .

والثاني : أنه يجوز التوكيل بخلاف الوكيل ورجحه القاضي وابن عقيل أيضا في كتاب الوصايا وأبو الخطاب وجزم به في المحرر لأنه متصرف بالولاية وليس وكيلا محضا فإنه يتصرف بعد الموت بخلاف الوكيل ولأنه يعتبر عدالته وأمانته وهذا شأن الولايات ولأنه لا يمكنه الاستئذان أو تطول مدته ويكثر تصرفه بخلاف الوكيل هذا في توكيله فأما في وصيته إلى غيره ففيها روايتان منصوصتان واختار المنع أبو بكر والقاضي .

ومنها الحاكم هل له أن يستنيب غيره من غير إذن له في ذلك ؟ وفيه طريقان :

أحدهما : طريق القاضي في المجرد والخلاف أنه كالوكيل على ما مر فيه .

والثاني : وهو طريق القاضي في الأحكام السلطانية وابن عقيل وصاحب المحرر أن له الاستحلاف قولا واحدا ونص عليه أحمد في رواية مهنا بناء على أن القاضي ليس بنائب للإمام بل هو ناظر للمسلمين لا عمن ولاه ولهذا لا يعزل بموته ولا بعزله على ما سبق فيكون حكمه في ولايته حكم الإمام بخلاف الوكيل ولأن الحاكم يضيق عليه تولي جميع الأحكام بنفسه ويؤدي ذلك إلى تعطيل مصالح الناس العامة فأشبه من وكل فيما لا يمكنه مباشرته عادة لكثرته ومنه ولي النكاح فإن كان مجبرا فلا إشكال في جواز توكيله لأن ولايته ثابتة شرعا من غير جهة المرأة ولذلك لا يعتبر معه إذنها وإن كان غير مجبر ففيه طريقان :

أحدهما : أنه كالوكيل وهي طريقة القاضي لأنه متصرف بالإذن .

والثاني : [ أنه ] يجوز له التوكيل قولا واحدا وهو طريق صاحب المغني والمحرر لأن ولايته ثابتة بالشرع من غير جهة المرأة فلا تتوقف استنابته على إذنها كالمجبر وإنما افترقا على اعتبار إذنها في صحة النكاح ولا أثر له ههنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية