صفحة جزء
ولحقوق بعض المكلفين على بعض أمثلة كثيرة : منها التسليم عند القدوم ، وتشميت العاطس ، وعيادة المرضى ، ومنها الإعانة على البر والتقوى وعلى كل مباح ، ومنها ما يجب على الإنسان من حقوق المعاملات ، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; لأن الأمر بالمعروف سعي في جلب مصالح [ ص: 158 ] المأمور به ، والنهي عن المنكر ، سعي في درء مفاسد المنهى عنه ، وهذا هو النصح لكل مسلم ، وقد بايع صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم ، ومنها تحمل الشهادة وأداؤها عند الحكام ، ومنها حكم الحكام والأئمة والولاة بإنصاف المظلومين من الظالمين ، وتوفير الحقوق على المستحقين العاجزين ، وصرف الدعاء عن رب العالمين على ما ذكره عمر أمير المؤمنين ، إذ قال في أول خطبة خطبها : أيها الناس إن الله قد كلفني أن أصرف عنه الدعاء .

وقال أبو بكر رضي الله عنه في أول خطبة خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار : أيها الناس إن قويكم عندنا لضعيف حتى نأخذ الحق منه ، وإن ضعيفكم عندنا لقوي حتى نأخذ له الحق ومعنى صرف الدعاء عن الله أن ينصف المظلومين من الظالمين ولا يحوجهم أن يسألوا الله ذلك .

وكذلك أن يدفع حاجات الناس وضروراتهم بحيث لا يحوجهم أن يطلبوا ذلك من رب العالمين ، فما أفصح هذه الكلمة وما أجمعها لمعظم حقوق المسلمين ، ومن ذلك حفظ أموال الأيتام والمجانين والعاجزين والغائبين ومنها التقاط الأموال الضائعة والأطفال المهملين ، ومنها الضحايا والهدايا ومنها اصطناع المعروف كله دقه وجله ، ومنها إنظار المعسرين وإبراء المقترين ، ومنها حقوق نكاح النساء على الأولياء ، وحقوق كل واحد من الزوجين على صاحبه ، ومنها القسم بين المتنازعين ، ومنها الرأفة والرحمة إلا في استيفاء العقوبات المشروعات ، ومنها الإحسان إلى الرقيق بأن لا يكلفه ما لا يطيق ، وأن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ، وأن يكرم من يستحق الإكرام من العبيد والإماء ، ولا يفرق بين الوالدة وولدها ، ولا بين الأخت وأختها ، وعلى الأرقاء القيام بحقوق ساداتهم التي حث الشرع عليها وندب إليها ، ومنها ستر الفضائح والكف عن إظهار القبائح ، ومنها الكف عن الشتم والظلم ، ومنها جرح الشهود وتعديلهم وتفطير الصائمين وإبرار المقسمين ، ومنها كسوة العراة وفك العناة ، ومنها القرض والضمان والحجر بالإفلاس [ ص: 159 ] على المرضى فيما زاد على الثلث ، ومنها إعانة القضاة والولاة وأئمة المسلمين على ما تولوه من القيام بتحصيل الرشاد ودفع الفساد وحفظ البلاد وتجنيد الأجناد ومنع المفسدين والمعاندين .

ومنها نصح المستنصحين بل نصح جميع المسلمين ، ومنها بر الوالدين وإسعاف القاصدين ، ومنها الإنكار على الناس باليد ، فإن عجز عن ذلك فباللسان ، أو يكره ذلك بقلبه إن عجز عن اليد واللسان ، وذلك أضعف الإيمان ، ومنها الإنفاق على الأقارب كالآباء والأمهات ، والبنين والبنات ، والأجداد والجدات ، إذ كانوا عاجزين ، ومنها حضانة الأطفال وتربيتهم وتأديبهم وتعليمهم حسن الكلام ، والصلاة والصيام إذا صلحوا لذلك ، والسعي في مصالح العاجلة والآجلة ، والمبالغة في حفظ أموالهم ودفع الأذى عنهم وجلب الأصلح فالأصلح لهم ، ودرء الأفسد فالأفسد عنهم ، وإذا وجب هذا في حق الأصاغر والأطفال فما الظن بما يلزم القيام به من مصالح المسلمين ; ومنها حسن الصحبة وكرم العشرة ، وكف الأذى وبذل الندى ، وإكرام الضيفان والإحسان إلى الجيران ، وصلة الأرحام وإطعام الطعام وإفشاء السلام ، ومنها العدل في الأقوال والأفعال ، والإحسان والإجمال ، ومنها الوفاء بالعقود والعهود ، وإنجاز الوعود ، وإكرام الوفود ، ومنها الإصلاح بين الناس إذا اقتتلوا واختلفوا وامتنعوا من الحقوق الواجبة ، أو بغوا على الأئمة أو اجترءوا على الأئمة . ومنها إرشاد الحيارى ، وتزويج الأيامى وود الأصدقاء ، وإكرام الأرقاء والبشاشة عند اللقاء ، ومنها أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ، وبلغ من ذلك أن يصل من قطعه ، ويعطي من حرمه ، ويعفو عمن ظلمه ، ويحسن إلى من أساء إليه ، ومنها أن ينزل الناس منازلهم كتعظيم الأنبياء ، وإكرام الأتقياء ، واحترام الأولياء ، وتوقير العلماء ، ورحمة الضعفاء ، ومنها أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن لا يبيع على بيعه ، ولا يسوم على سومه ، ولا يشتري على شرائه ولا يخطب على خطبته ، ولا [ ص: 160 ] يجلس على تكرمته إلا بإذنه ، ولا يظلمه ولا يشتمه ، ولا يبرمه ، ولا يخجله ولا يرحله ولا يعجله ، ولا يحقره ولا يخفره ; ومنها الإيفاء إذا وفى ، والإغضاء إذا استوفى ، ومنها أن يسامح بحقه ، وأن يعفو عما يستحقه على الناس من قصاص أو حد أو تعزير ، وأن يغض بصره عن العورات ، ويجيب الدعوات ، ويقيل العثرات ، ويغفر الزلات ، ويسد الخلات .

وأن يتصدق على الناس بماله وجاهه وجميع ما يقدر عليه من المعروف والمبرات ، ومنها ألا يحاسدهم ولا يقاطعهم ولا يدابرهم ولا يتكبر عليهم ولا يسيء إليهم ، وأن يترك اعتيابهم وهمزهم ولمزهم ، والطعن في أعراضهم والقدح في أنسابهم ، وأن لا يتلقى الركبان ، ولا يحتكر احتكارا يزيد في الأثمان ، وأن لا ينجش ولا يبخس ولا ينقص .

ومن أمثلة حقوق بعض المكلفين على بعض أن ينظر المعسر ، ويتجاوز عن الموسر ويوسع على المقتر ، ولا يماطل بالحقوق ، وأن يجانب العقوق ، ولا يخاتل ولا يماحل ولا يجاحد بالباطل ، ولا يقطع كلام قائل ، ومنها ألا يؤخر الزكاة إذا وجبت ، ولا الديون إذ طلبت ، ولا الأحكام إذا أمكنت ، ولا الشهادة إذا تعينت ، ولا الفتيا إذا تبينت وألا يؤخر حقوق الناس إلا بعذر شرعي وطبعي .

مثال ذلك : أن يؤخر الزكاة لحضور جار أو قريب أو لمن هو أشد ضرورة من الحاضرين ، وإلى حضور نائب أمير المؤمنين فيما يجب دفعه إلى الأئمة المقسطين .

وكذلك الديون لا يجب دفعها إلا عند التمكن من إحضارها فإن كان بها لم يجب دفعها حتى يشهد على مستحقها إقباضها ، دفعا لضرر إنكار المستحق أو من ورثته .

وكذلك الشهادة على الشهادة ، وكذلك تأخير إنكاح الكفء إذا التمسته المرأة مع قرب المسافة .

وكذلك تأخير [ ص: 161 ] ما يتعين من الشهادات إذا كان الشاهد مشغولا بأكل أو شرب أو صلاة ، وكذلك دفع الأمانة إلى أربابها مع الاشتغال بالأكل والشرب أو صلاة النافلة أو الاستحمام ، وقد يختلف في إيجاب بعض الحقوق كوضع الأجذاع وقسمة التعديل عن الامتناع . وإنما أتيت بهذه الألفاظ في هذا الكتاب التي أكثرها مترادفات ، وفي المعاني متلاقيات حرصا على البيان ، والتقرير في الجنان ، كما تكررت المواعظ والقصص والأمر والزجر ، والوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب وغير ذلك في القرآن ، ولا شك أن في التكرير والإكثار من التقرير في القلوب ما ليس الإيجاز والاختصار ; ومن نظر إلى تكرير مواعظ القرآن ووصاياه ألقاها كذلك ، وإنما كررها الإله لما علم فيها من إصلاح العباد وهذا هو الغالب المعتاد . ولو قلت في حق العباد هو أن يجلب إليهم كل خير ، ويدفع عنهم كل ضير ، لكان ذلك جامعا عاما ولكن لا يحصل به من البيان ما يحصل بالتكرير وتنويع الأنواع .

وكذلك لو قلت في حق الإله هو أن يطيعوه ولا يعصوه لكان مختصرا عاما ولكن لا يفيد ما يفيده الإطناب والإسهاب .

وكذلك لو قلت في بعض حقوق المرء على نفسه هو أن ينفعها في دينها ودنياها ولا يضرها في أولاها وأخراها ، لكان ذلك شاملا لجميع حقوق المرء ، وقد يظن بعض الجهلة الأغبياء أن الإيجاز والاختصار أولى من الإسهاب والإكثار ، وهو مخطئ في ظنه لما ذكرنا من التكرير الواقع في القرآن والعادة شاهدة بخطئه في ظنه ، وما دلت العادة عليه ، وأرشد القرآن إليه ، أولى مما وقع للأغبياء الجاهلين الذين لا يعرفون عادة الله ولا يفهمون كتاب الله ، وفقنا الله لاتباع كتابه وفهم خطابه .

التالي السابق


الخدمات العلمية