صفحة جزء
في انقسام الحقوق إلى المتفاوت والمتساوي والمختلف فيه اعلم أن حقوق الرب وحقوق عباده أقسام : أحدها متساوي ، والثاني متفاوت ، والثالث مختلف في تساويه وتفاوته ; وسأذكر لذلك أمثلة في فصول ترشد إلى نظائرها .

الفصل الأول : في تقديم حقوق الله بعضها على بعض عند تعذر جمعها وعند تيسره لتفاوت مصالحها وله أمثلة : منها تقديم الصلوات المفروضات على الصلوات المندوبات ، ومنها تقديم الطاعات الواجبات في أواخر الأوقات على الطاعات المندوبات ، ومنها تأخير الظهر للإبراد ، ومنها تقديم الصلاة المقضية على الصلاة المؤداة إذا اتسع وقت المؤداة ، ومنها تقديم الصلاة المؤداة على الصلاة المقضية إذا ضاق وقت المؤداة عند الشافعي رحمه الله ، لئلا تفوت مصلحة الأداء في الصلاتين .

ومنها الترتيب في الصلوات الفائتات ، ومنها تقديم النوافل المؤقتة التي شرعت فيها الجماعة كالعيدين والكسوفين على الرواتب ، ومنها [ ص: 169 ] تقديم الرواتب على النوافل المبتدآت ، ومنها تقديم الوتر وركعتي الفجر على سائر الرواتب ، والأصح تقديم الوتر على ركعتي الفجر ، ومنها تقديم الزكاة على سائر الصدقات المندوبات ، ومنها تقديم الصوم الواجب على المندوب ، ومنها تقديم فرض الحج والعمرة على مندوبيهما ، ومنها تقديم الإفراد على القران عند قوم ، وتقديم التمتع على الإفراد عند قوم ، وتقديم القران عليهما عند آخرين ، ومنها التقديم في جمع عرفة ، ومنها التأخير في جمع مزدلفة ، ومنها رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس ، ومنها رمي سائر الجمرات بعد الزوال .

ومنها تأخير العشاء على قول ، ومنها الإتمام في سفر لا تبلغ مسيرته ثلاثة أيام ، ومنها تأخير الصيام في حق من يضره الصيام ، وفي تقديم ترتيب أركان الصلاة على الاقتداء في حق المزحوم قولان ، ومنها تقديم الكفارات على الوصايا المندوبات عند ضيق التركات ، ومنها أن المسافر إذا عرف أنه يجد الماء في آخر الوقت فتأخير الصلاة أفضل من المبادرة إليها بالتيمم ، وهاتان فضيلتان لا يمكن الجمع بينهما ، وإنما قدمنا التأخير لأنه راجع إلى رعاية الشروط وما رجع إلى رعاية الشروط والأركان أولى مما رجع إلى السنن والآداب ، ويدل على ذلك أن المبادر مخير بين المبادرة وتركها والقادر على الماء لا يتخير بينه وبين التيمم لشرفه وعلو رتبته ، ولو ظن وجود الماء في آخر الوقت فقولان : أحدهما يؤخر لما ذكرناه .

والثاني لا يؤخر لأن المبادرة فضيلة محققة فلا يؤخرها لفضيلة مظنونة ، وإن لم يظن ذلك فلا خلاف عند المراوزة أن المبادرة أولى إذ لا معارض لها ، والمبادرة إلى الصلاة في الانفراد أفضل من انتظار الجماعة في آخر الوقت ، لأن الجماعة ليست شرطا والذي قالوه ظاهر السنة .

وقد قال بعض العراقيين في انتظار الجماعة قولين ، ومنها أن من أراد التبرع بماء الطهارة على أفضل القربات قدم غسل الميت على غسل الجنب والحائض لأنه آخر عهد الميت ، والجنب والحائض [ ص: 170 ] يصبران إلى طهارة الماء ، ويقدم غسل النجاسة على غسل الحيض والجنابة وهو قريب من الجمع بين الحقوق ، لأن غسل النجاسة لا بدل له وغسل الحيض والجنابة له بدل وهو التيمم .

وفي تقديم غسل الميت على غسل النجاسة وجهان :

أحدهما : يقدم غسل الميت لأنه آخر عهده .

والثاني : يقدم غسل النجاسة إذ لا بد له وييمم الميت وفي غسل الحيض والجنابة أوجه ثالثها التسوية بينهما فتقرع بينهما ، فإن طلب أحدهما القسمة والآخر القرعة فمن يجاب ؟ وجهان ومنها تقديم غسل الجمعة والغسل من غسل الميت على سائر الأغسال المندوبات ، وأيهما أفضل فيه قولان ، ومنها أن العري عذر في ترك الجماعة غير مانع للصحة ، والانفراد فيه أفضل من الاجتماع على الجديد ، ويقدم ستر السوأتين على ستر الفخذين عند العجز ، فإن لم يجد إلا ما يكفي أحدهما ففي المقدم منهما اختلاف ، ولا خلاف في تقديم ستر النساء على ستر الرجال دفعا لأعظم المفسدتين ، ولو انحل إزار المصلي أو كشف الريح سوأته ، فإن تعذر رده بطلت صلاته لندرته وعظم المفسدة ، وإن رده قريبا لم تبطل ، وإن تكشف أو تحرف عن القبلة أو لاقى نجاسة يابسة فإن تعمد بطلت صلاته ، وإن لم يتعمد لم تبطل إلا أن يطول الزمان .

التالي السابق


الخدمات العلمية