صفحة جزء
إذا أراد الإمام عزل الحاكم فإن أرابه منه شيء عزله لما في إبقاء المريب من المفسدة إذ لا يصلح في تقرير المريب على ولاية عامة ولا خاصة ، لما يخشى من خيانته فيها ، وإن لم تكن ريبة فله أحوال .

إحداهما : أن يعزله بمن هو دونه ، ولا يجوز عزله لما فيه من تفويت المسلمين المصلحة الحاصلة من جهة فضله على غيره وليس للإمام تفويت المصالح من غير معارض .

الحال الثانية : أن يعزله بمن هو أفضل منه فينفذ عزله تقديما للأصلح على الصالح لما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة للمسلمين . [ ص: 81 ]

الحال الثالثة : أن يعزله بمن يساويه ; فقد أجاز بعضهم ذلك لما ذكرناه من التخير عند تساوي المصالح ، وكما يتخير بينهما في ابتداء الولاية ، وقال آخرون لا يجوز لما فيه من كسر العزل وعاره بخلاف ابتداء الولاية .

فإن قيل ينبغي أن يجوز لما فيه من النفع للمولى ؟ قلنا حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود ، ودفع الضرر أولى من جلب النفع ، وهذا معروف بالعادة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : { من ولي من أمر المسلمين شيئا ثم لم يجهد لهم وينصح لم يدخل الجنة معهم } . ولما اتهم خالد بن الوليد بأنه قتل مالك بن نويرة ليتزوج بامرأته حتى قال الشاعر :

وجرت منايا مالك بن نويرة عقيلته الحسناء أيام خالد

حرض عمر على أن يعزله أبو بكر وقال قتل رجلا من المسلمين ونزى على امرأته ، فامتنع أبو بكر من عزله لأنه كان أصلح في القيام لقتال أهل الردة من غيره ، وهو أصوب مما رآه عمر لأن تلك الريبة لم تكن قادحة في كونه أقوم بالحرب من غيره ، فلما تولى عمر عزله عن حرب الشام ، وولى أبا عبيدة بن الجراح ، فوصل كتاب العزل إلى أبي عبيدة والناس صفوف للقتال ، فلم يخبر خالدا حتى انقشعت الحرب لعلمه بتقدمه في مكان الحرب ، وترتيب القتال ، ولو أخبره بذلك لتشوش أمر المسلمين ، وإنما لم يخبره لأنه أذن له في ذلك ، أو رأى أنه لا ينعزل حتى يقف على الكتاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية