صفحة جزء
1805 [ ص: 321 ] 108 \ 1731 - وعن عبد الله بن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل له من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم [ ص: 322 ] ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه، حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل الناس مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهدى وساق الهدي من الناس .

أخرجه البخاري ومسلم والنسائي .


قال ابن القيم رحمه الله: الذين قالوا: قرن النبي صلى الله عليه وسلم في حجته اختلفت طرقهم في كيفية قرانه:

فطائفة قالت: أحرم بالعمرة أولا، ثم أدخل عليها الحج، وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة كما تقدم، وهي طريقة أبي حاتم بن حبان في "صحيحه". قال: هذه الأخبار التي ذكرناها في إفراد النبي صلى الله عليه وسلم وقرانه وتمتعه بهما ، مما تنازع الأئمة فيها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا، وشنع بها المعطلة وأهل البدع على أئمتنا، وقال: رويتم ثلاثة أحاديث متضادة في فعل واحد ورجل واحد وحالة واحدة، وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقل، والعقل يدفع ما قلتم، إذ محال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مفردا قارنا متمتعا. إلى أن قال: ولو تملق قائل هذا في الخلوة إلى الباري وسأله التوفيق لإصابة الحق والهداية لطلب الرشد في الجمع [ ص: 323 ] بين الأخبار ونفي التضاد عن الآثار، لعلم بتوفيق الواحد القهار أن أخبار المصطفى لا تتضاد ولا تتهاتر، ولا يكذب بعضها بعضا، إذا صحت من جهة النقل.

قال: والفصل بين الجمع في هذه الأخبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة حيث أحرم، كذلك قاله مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: فخرج وهو مهل بالعمرة وحدها، حتى بلغ سرف أمر أصحابه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حميد، (يعني بالفسخ إلى العمرة ) ، فمنهم من أفرد، ومنهم من أقام على عمرته، وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرته، ولم يحل، فأهل صلى الله عليه وسلم بهما معا حينئذ إلى أن دخل مكة، وكذلك أصحابه الذين ساقوا الهدي.

فكل خبر روي في قران النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ذلك حيث رأوه يهل بهما بعد إدخاله الحج على العمرة، إلى أن دخل مكة، فطاف وسعى، وأمر ثانيا من لم يكن ساق الهدي، وكان قد أهل بعمرة أن يتمتع ويحل، وكان يتلهف على [ ص: 324 ] ما فاته من الإهلال حيث كان ساق الهدي، حتى إن بعض الصحابة ممن لم يكن ساق الهدي لم يحلوا، حيث رأوه صلى الله عليه وسلم لم يحل، حتى كان من أمره ما وصفنا من دخوله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهو مغضب، فلما كان يوم التروية، وأحرم المتمتعون خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى وهو يهل بالحج مفردا، إذ العمرة التي قد أهل بها في أول الأمر قد انقضت عند دخوله مكة بطوافه بالبيت، وسعيه بين الصفا والمروة.

فحكى ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، أرادا أن خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضاد أو تهاتر. وفقنا الله لما يحبه من الخضوع عند ورود " السنن" إذا صحت والانقياد لقبولها، واتهام الأنفس وإلزاق العيب بها إذا لم يوفق لإدراك حقيقة الصواب، دون القدح في السنن، والتعريج على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة، إنه خير مسئول، تم كلامه.

وطائفة قالت: كان مفردا أولا، ثم أدخل العمرة على الحج، فصار قارنا، فظنوا أن ذلك من خصائصه، وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث. وهذا، مع أن الأكثر لا يجوزونه، فلم تأت لفظة واحدة تدل عليه، بخلاف الأول، فإنه قد قاله طائفة، وفيه أحاديث صحاح.

[ ص: 325 ] وطائفة قالت: قرن ابتداء من حين أحرم، وهو أصح الأقوال، لحديث عمر وأنس وغيرهما وقد تقدما.

والذين قالوا: أفرد، طائفتان:

طائفة ظنت أنه أفرد إفرادا اعتمر عقبه من التنعيم،وهذا غلط بلا ريب، لم ينقل قط بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا قاله أحد من الصحابة، وهو خلاف المتواتر المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم.

وطائفة قالت: أفرد إفرادا اقتصر فيه على الحج ولم يعتمر. والأحاديث الثابتة التي اتفق أئمة الحديث على صحتها صريحة في أنه اعتمر مع حجته، وهذا يبطل الإفراد قطعا، فإنه إن كان إفرادا اعتمر عقيبه، فهو باطل قطعا، وإن كان إفرادا مجردا عن العمرة، فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه.

والذين قالوا: تمتع. طائفتان:

طائفة قالت: تمتع تمتعا حل منه. وهذا باطل قطعا كما تقدم.

وطائفة قالت: تمتع تمتعا لم يحل منه لأجل الهدي. وهذا وإن كان [ ص: 326 ] أقل خطأ من الذي قبله، فالأحاديث الصحيحة تدل على أنه قرن، إلا أن يريدوا بالتمتع القران فهذا حق.

وطائفة قالت: أحرم إحراما مطلقا، ثم عينه بالإفراد، وهذا أيضا يكفي في رده الأحاديث الثابتة الصريحة.

وطائفة قالت: قرن وطاف طوافين، وسعى سعيين. والأحاديث الثابتة التي لا مطعن فيها تبطل ذلك، والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية