صفحة جزء
2926 318 \ 2806 -وعن أنس بن مالك قال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا، فقيل له أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام؟ فقال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين [ ص: 321 ] أو ثلاثا

وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.

قال سفيان بن عيينة: معنى "حالف " آخى، ولا حلف في الإسلام كما جاء به الحديث.

وقال غيره: أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وهو من الحلف التي هي اليمين، فما كان منه في الجاهلية على القتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله عليه السلام: "لا حلف في الإسلام "، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. فبذلك يجمع الحديثان.

وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: " لا حلف في الإسلام " قاله زمن الفتح فكان ناسخا


قال ابن القيم رحمه الله: فالظاهر - والله أعلم - أن المراد بالحديث: أن الله [ ص: 322 ] تعالى قد ألف بين المسلمين بالإسلام وجعلهم به إخوة متناصرين متعاضدين يدا واحدة بمنزلة الجسد الواحد، فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف، بل الذي توجبه أخوة الإسلام لبعضهم على بعض: أعظم مما يقتضيه الحلف.

فالحلف إن اقتضى شيئا يخالف الإسلام فهو باطل، وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له، فلا فائدة فيه.

وإذا كان قد وقع في الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدة وتأكيدا

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " شهدت حلفا في الجاهلية ما أحب أن لي به حمر النعم، لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت "، فهذا - والله أعلم - هو حلف المطيبين، حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم، وكف الظالم [ ص: 323 ] ونحوه، فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدا لموجب الإسلام وتقوية له.

وأما الحلف الذي أبطله فهو تحالف القبائل: بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره ويحارب من حاربه، ويسالم من سالمه.

فهذا لا يعقد في الإسلام، وما كان منه قد وقع في الجاهلية.

فإن الإسلام يؤكده ويشده، إذا صار موجبه في الإسلام التناصر والتعاضد والتساعد على إعلاء كلمة الله تعالى وجهاد أعدائه، وتآلف الكلمة، وجمع الشمل.

التالي السابق


الخدمات العلمية