صفحة جزء
251 20 - باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل؟

32 \ 244 - عن أم سلمة أن امرأة من المسلمين - وقال زهير (يعني: ابن حرب): أنها - قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثا - وقال زهير : تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء - ثم تفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت [ ص: 144 ] وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

وفي رواية لأبي داود: واغمزي قرونك عند كل حفنة .


قال ابن القيم رحمه الله: حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة، وهذا اتفاق من أهل العلم، إلا ما يحكى عن عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي أنهما قالا: تنقضه، ولا يعلم لهما موافق. وقد أنكرت عائشة على عبد الله قوله، وقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن!؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات رواه مسلم.

وأما نقضه في غسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه. قال مهنا: سألت أحمد عن المرأة تنقض شعرها [إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أم سلمة. قلت: فتنقض شعرها من الحيض قال: نعم. قلت له: كيف تنقضه من الحيض ولا [ ص: 145 ] تنقضه من الجنابة؟ فقال: حدثت أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تنقضه" .

فاختلف أصحابه في نصه هذا; فحملته طائفة منهم على الاستحباب، وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأجرته طائفة على ظاهره، وهو قول الحسن وطاوس. وهو الصحيح، لما احتج به أحمد من حديث عائشة: أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها الحديث. رواه مسلم.

وهذا دليل على أنه لا يكتفى فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة، ولا سيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهر به فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها. ثم تفيض عليها الماء ، ففرق بين غسل الحيض والجنابة في هذا الحديث. وجعل غسل الحيض آكد. ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمن لنقضه.

[ ص: 146 ] وفي وجوب السدر قولان، هما وجهان لأصحاب أحمد. وفي حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إذ كانت حائضا: خذي ماءك وسدرك وامتشطي وللبخاري: انقضي رأسك وامتشطي، . وقد روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عروة، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها، وكانت حائضا: انقضي شعرك واغتسلي .

والأصل نقض الشعر لتيقن وصول الماء إلى ما تحته، إلا أنه عفي عنه في غسل الجنابة لتكرره ووقوع المشقة الشديدة في نقضه، بخلاف غسل الحيض، فإنه في الشهر أو الأشهر مرة، ولهذا أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة: أخذ السدر، والفرصة الممسكة، ونقض الشعر.

ولا يلزم من كون السدر والمسك مستحبا أن يكون النقض كذلك، فإن الأمر به لا معارض له، فبأي شيء يدفع وجوبه؟

فإن قيل: يدفع وجوبه بما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه [ ص: 147 ] للحيضة والجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين .

وفي "الصحيح" عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات . وفي حديث أبي داود: أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألت لها النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل وقال فيه: واغمزي قرونك عند كل حفنة .

وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عمرو أمر النساء بنقض رؤوسهن دليل على أنه ليس بواجب.

قيل: لا حجة في شيء من هذا; أما حديث سلمة فالصحيح فيه الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض، وليست لفظة "الحيضة" فيه محفوظة، فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعمرو الناقد وابن أبي عمر، كلهم عن ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا . ذكره [ ص: 148 ] مسلم عنهم.

وكذلك رواه عمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن أيوب بن موسى، ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب، وقال: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ .

قال مسلم: وحدثنيه أحمد الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي، أخبرنا يزيد يعني ابن زريع، عن روح بن القاسم، قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال: أفأحله وأغسله من الجنابة؟ ولم يذكر "الحيضة". فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب، فاقتصر على الجنابة.

واختلف فيه عن الثوري: فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ . ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لترجحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث.

وأما حديث عائشة: أنها كانت تفرغ على رأسها ثلاث إفراغات فإنما ذلك في غسل الجنابة، كما يدل عليه سياق حديثها، فإنها وصفت [ ص: 149 ] غسلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها، لا في الحيض، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يغتسل معها من الحيض. وهذا بين.

وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه: واغمزي قرونك فإنما هو في غسل الجنابة. وعنه وقع السؤال كما هو مصرح به في الحديث.

فإن قيل: فحديث عائشة الذي استدللتم به ليس فيه أمرها بالغسل، إنما أمرها بالامتشاط، ولو سلمنا أنه أمرها بالغسل فذاك غسل الإحرام لا غسل الحيض، والمقصود منه التنظف وإزالة الوسخ، ولهذا تؤمر به الحائض حال حدثها. ولو سلمنا أنه أمر الحائض بالنقض وجب حمله على الاستحباب جمعا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح.

فالجواب: ما قولكم ليس فيه أمرها بالغسل ففاسد، فإنه قال: خذي ماءك وسدرك وهذا صريح في الغسل، وقوله: انقضي رأسك وامتشطي أمر لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرد النقض والامتشاط. وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام فصحيح، وقد بينا أن غسل الحيض آكد الأغسال وأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه، فأمرها بنقضه - وهو غير رافع لحدث الحيض - تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعا لحدثه بطريق الأولى.

وأما قولكم: إنه يحمل على الاستحباب جمعا بين الحديثين، فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقض للحيض، وقد تبين أنها غير [ ص: 150 ] ثابتة، وأنها ليست محفوظة.

التالي السابق


الخدمات العلمية