صفحة جزء
3842 471 \ 3694 -وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه


قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث قد اختلف فيه إسنادا ومتنا، والحديث من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة، ولفظه: " أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألقوها وما حولها وكلوه " [ ص: 622 ] رواه الناس عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاري في صحيحه والترمذي

والنسائي وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك.

وخالفهم معمر في إسناده ومتنه فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه " إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه ".

ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة: صحح الحديث جماعة، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذهلي تصحيحه.

ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحا، بل رأوه خطأ محضا.

قال الترمذي في جامعه: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذا خطأ، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة.

والبخاري في صحيحه قد أشار أيضا إلى علة حديث معمر من وجوه.

فقال: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد، أو الذائب، ثم ذكر [ ص: 623 ] حديث ميمونة.

وقال عقبه: قيل لسفيان: فإن معمرا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ؟ قال: ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته منه مرارا.

ثم قال: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري " سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد، أو غير جامد: الفأرة أو غيرها ؟ قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل ".

فذكر البخاري فتوى الزهري في الدابة تموت في السمن وغيره، الجامد والذائب: أنه يؤكل.

واحتجاجه بالحديث من غير تفصيل: دليل على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه: فهو رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتج به، فحيث أفتى بحديث الإطلاق، واحتج به: دل على أن معمرا غلط عليه في الحديث إسنادا ومتنا.

ثم قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق عنه " فلا تقربوه "

وقال عبد الواحد بن زياد عنه " وإن كان ذائبا أو مائعا لم يؤكل ".

[ ص: 624 ] قال البيهقي: وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه - يعني من عبد الرزاق.

وفي بعض طرقه " فاستصبحوا به " وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري.

فإن قيل: فقد رواه أبو حاتم البستي في صحيحه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن ؟ فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبا فلا تقربوه " رواه عن عبد الله بن محمد الأزدي أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان عن الزهري، وكذلك هو في مسند إسحاق.

[ ص: 625 ] فالجواب: أن كثيرا من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة، فإن الناس إنما رووه عن سفيان عن الزهري مثل ما رواه سائر الناس عنه، كمالك وغيره من غير تفصيل.

كما رواه البخاري وغيره.

وقد رد أبو حاتم البستي هذا، وزعم أن رواية إسحاق هذه ليست موهومة برواية معمر عن الزهري فقال: ذكر خبر أوهم بعض من لم يطلب العلم من مظانه: أن رواية ابن عيينة هذه معلولة أو موهومة - ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة الحديث " إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه ".

[ ص: 626 ] وهذا لا يدل على أن حديث إسحاق محفوظ، فإن رواية معمر هذه خطأ، كما قاله البخاري وغيره والخطأ لا يحتج به على ثبوت حديث معلول، فكلاهما وهم.

ثم قال أبو حاتم: ذكر الخبر الدال على أن الطريقين جميعا محفوظان: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي أخبرنا إسحاق أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره، قال " إن كان جامدا ألقى ما حولها وأكله، وإن كان مائعا لم يقربه ".

قال عبد الرزاق: وأخبرني عبد الرحمن بن بوذويه أن معمرا كان يذكر أيضا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

فهذه مثل رواية سفيان عن الزهري عن عبيد الله بالتفصيل. فتصير وجوه الحديث أربعة.

وجهان عن معمر وهما: عبد الرزاق عنه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بذكر التفصيل.

الثاني: عبد الرحمن بن بوذويه عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالتفصيل أيضا.

ووجهان عن سفيان.

أحدهما: رواية الأكثرين عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس [ ص: 627 ] عن ميمونة بالإطلاق من غير تفصيل.

والثاني: رواية إسحاق عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالتفصيل.

وأما رواية معمر: فإنه خالف أصحاب الزهري في حديثه المفصل في إسناده ومتنه في حديث أبي هريرة، وخالف أصحاب الزهري في المتن في حديث عبيد الله عن ابن عباس، ووافقهم في الإسناد.

وهذا يدل على غلطه فيه، وأنه لم يحفظه كما حفظه مالك وسفيان وغيرهما من أصحاب الزهري.

وأما حديث سفيان: فالمعروف عند الناس منه: ما رواه البخاري في صحيحه عن الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس عن ميمونة - فذكره من غير تفصيل.

وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار عن سفيان.

قال البخاري في صحيحه: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه سمع ابن عباس يحدث عن [ ص: 628 ] ميمونة " أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ألقوها وما حولها وكلوه " قيل لسفيان: فإن معمرا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته منه مرارا.

حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري: عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها ؟ قال: بلغنا " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل " عن حديث عبيد الله بن عبد الله.

حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قالت " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن فأرة سقطت في سمن ؟ فقال: ألقوها وما حولها وكلوه ".

وأما الحديث الذي رواه ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن ؟ فقال ألقوها وما حولها، وكلوا ما بقي، فقيل: يا نبي الله، أرأيت إن كان السمن مائعا ؟ قال: انتفعوا به. ولا تأكلوه " فعبد الجبار بن عمر ضعيف، لا يحتج به.

[ ص: 629 ] وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن جريج عن ابن شهاب.

قال البيهقي: والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت قال " استصبحوا به وادهنوا به أدمكم ".

وقد روي هذا الحديث عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، ولكن الصواب: أنه موقوف عليه ذكره البيهقي.

[ ص: 630 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية