صفحة جزء
4410 [ ص: 100 ] 3 - باب إذا سرق مرارا

529 \ 4248 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال : جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال : فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال : اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جيء به الثالثة فقال : اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعة فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال : اقطعوه، فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه، قال جابر : فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة .

وأخرجه النسائي وقال: هذا منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث.

مصعب بن ثابت هذا هو: أبو عبد الله مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة .

وقال محمد بن المنكدر لما حدث بحديث القتل في الرابعة: وقد ترك ذلك، قد أتي النبي صلى الله عليه وسلم بابن النعيمان فجلده ثلاثا، ثم أتي به الرابعة فجلده ولم يزد .

[ ص: 101 ] قال الشافعي : والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، وهذا ما لا اختلاف فيه عند أهل العلم علمته- يريد: حديث قبيصة بن ذؤيب وفيه: ووضع القتل، وكانت رخصة -.

وقال أيضا في موضع آخر : ثم حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم جلد الشارب، هذا العدد الذي قال يقتل بعده، ثم جيء به فجلده، ورفع القتل وصارت رخصة.

وقال بعضهم : يحتمل أن يكون ما فعله، إن صح الحديث فإنما فعله بوحي من الله، ويكون معنى الحديث خاصا فيه. قال: وقد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه، وهو أن يكون من المفسدين في الأرض، فإن للإمام أن يجتهد في تعزيره، وإن زاد على مقدار الحد، وإن رأى أن يقتل قتل. وقد يدل على ذلك من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتله، لما جيء به أول مرة، فيحتمل أن يكون هذا مشهورا بالفساد، معلوما من أمره، أنه سيعود إلى سوء فعله، ولا ينتهي حتى تنتهي حياته.

[ ص: 102 ] وقال آخرون: الحديث لا يثبت، والسنة مصرحة بخلافه، والإجماع من الأمة على أنه لا يقتل .


قال ابن القيم رحمه الله: وهذا المعنى قد رواه النسائي، من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وهو المتقدم.

ورواه من حديث النضر بن شميل، حدثنا حماد، حدثنا يوسف، عن الحارث بن حاطب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، [ثم قال: اقتلوه، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق]، قال: اقطعوا يده.

قال: ثم سرق، فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر، حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة، فقال أبو بكر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: اقتلوه، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإمارة، فقال أمروني عليكم، فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه، حتى قتلوه
.

قال النسائي: ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا.

[ ص: 103 ] وأما ما ذكره من قتل شارب الخمر بعد الرابعة: فقد قال طائفة من العلماء: إن الأمر بقتله في الرابعة، متروك بالإجماع، وهذا هو الذي ذكره الترمذي وغيره.

وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله "حمار" أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله في الرابعة .

وقال الإمام أحمد وقد قيل له: لم تركته ؟ فقال: لحديث عثمان: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .

وفي ذلك كله نظر. أما دعوى الإجماع على خلافه: فلا إجماع، قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو : ائتوني به في الرابعة، فعلي أن أقتله ، وهذا مذهب بعض السلف.

[ ص: 104 ] وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله حمار، فإنما يتم بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله.

وأما دعوى نسخه بحديث: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، فلا يصح، لأنه عام، وحديث القتل خاص.

والذي يقتضيه الدليل: أن الأمر بقتله ليس حتما، ولكنه تعزيز بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل.

ولهذا كان عمر ينفي فيه مرة، ويحلق فيه الرأس [ق223] مرة، وجلد فيه ثمانين، وقد جلد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين، فقتله في الرابعة: ليس حدا، وإنما هو تعزيز بحسب المصلحة، وإنما على هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق، إن صح، والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية