الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح - أ.د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح

صفحة جزء
[ ص: 481 ] المسألة الثانية: حكم الوقف على غير المحصورين:

الوقف على غير المحصورين لا يخلو من حالتين:

الحال الأولى: أن يقترن لفظ الوقف بما يدل على الحاجة.

اتفقت المذاهب الأربعة على صحة الوقف على غير المحصورين إذا اقترن لفظه بما يدل على الحاجة.

الحال الثانية: أن لا يقترن لفظ الوقف بما يدل على الحاجة.

فاختلف العلماء على قولين:

القول الأول: صحة الوقف على غير المحصورين، وإن لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة.

وهو قول المالكية، وأصح القولين عند الشافعية، وقول الحنابلة.

قال ابن قدامة: « ويصح الوقف على القبيلة العظيمة، كقريش، وبني هاشم، وبني تميم، وبني وائل، ونحوهم، ويجوز الوقف على المسلمين كلهم، وعلى أهل إقليم ومدينة، كالشام ودمشق ونحوهم، ويجوز للرجل أن يقف على عشيرته، وأهل مدينته ».

القول الثاني: لا يصح الوقف على غير المحصورين إذا لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة. [ ص: 482 ]

وهو قول الحنفية، وقول عند الشافعية.

الأدلة:

أدلة القول الأول:

1 - قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين استشاره في أرضه بخيبر: « إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها » فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه.

وجه الدلالة: في الحديث دلالة صريحة على مشروعية الوقف، وقوله صلى الله عليه وسلم: « إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها » عام في الجهة الموقوف عليها سواء كانت محصورة أو غير محصورة.

2 - حديث عمر رضي الله عنه قال: « كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزء نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين ».

وجه الدلالة: في الحديث دلالة ظاهرة على مشروعية الوقف، هو نص في محل النزاع؛ حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم جزأين من أرض خيبر وقفا على المسلمين. [ ص: 483 ]

3 - حديث عائشة رضي الله عنها قالت: « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم ».

وجه الدلالة: دل الحديث على مشروعية الوقف، وهو نص في محل النزاع، حيث وقف النبي سبع حيطان له بالمدينة على بني عبد المطلب وبني هاشم.

4 - أن من صح الوقف عليهم إذا كانوا محصورين صح، وإن لم يكونوا محصورين قياسا على الوقف على الفقراء والمساكين.

ونوقش: بأن هذا قياس غير مسلم؛ لأنه قياس مع الفارق فلا يصح؛ لأن لفظ الفقراء له عرف في الشرع، حيث خصهم بمن له أخذ الزكاة بخلاف الموقوف عليهم في هذه المسألة، فلا عرف لما يعطى منهم في الشرع.

أدلة القول الثاني:

1 - أن الوقف على غير المحصورين إذا لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة يدخل فيه الأغنياء والفقراء، وإذا وقع للأغنياء لم يكن قربة، وإنما يكون حقا لآدمي، وحقوق الآدميين إذا دخلت فيها الجهالة لم تصح.

ويناقش من وجهين:

الوجه الأول: أن قولهم: الوقف على الأغنياء لا يكون قربة غير مسلم، بل هو قربة، فقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهدية وإن كانت لغني.

الوجه الثاني: أن الوقف مبني على التيسير والتسامح، فيتساهل فيه بما [ ص: 484 ] لا يتساهل به في غيره من العقود الأخرى، فيصح حتى مع وجود الجهالة كالوقف على الفقراء، ويصرف إلى بعض الموقوف عليهم.

2 - أن هذا الوقف لا يمكن تنفيذه للجميع؛ لأنهم لا يحصون، ولا يمكن تنفيذه للبعض؛ لأنه ليس بأولى من البعض الآخر، فبطل.

ونوقش: بأنا نسلم أنه لا يلزم تعميم الموصى لهم واستيعابهم؛ لعدم إمكانه، إلا أنه يمكن صرف الموقوف لبعض الموقوف عليهم، ويجتهد متولي التوزيع من ناظر أو حاكم أو وارث في ذلك حسب المصلحة.

الترجيح:

الراجح - والله أعلم - القول الأول، وهو صحة الوقف على غير المحصورين وإن لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة؛ لقوة أدلته في مقابل ضعف أدلة المخالفين؛ لما ورد عليها من المناقشة. [ ص: 485 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية