الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح - أ.د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح

صفحة جزء
المبحث الرابع

استخدام الناظر للوقف في غير ما وضع له

العين الموقوفة يتعين الانتفاع بها فيما عينه الواقف من وجوه الانتفاع; لما يأتي من الأدلة، ولكن هل يجوز استخدامها في وجه آخر من وجوه الانتفاع الذي تصلح له، أو لا يجوز؟

اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنه لا يجوز للناظر على الوقف ولا غيره استخدام الوقف في غير ما وضع له، بل يجب استخدامه فيما وضع له ما لم يمنع مانع من ذلك .

حيث قال بذلك الحنفية، والمالكية ، والشافعية، والحنابلة.

جاء في الجوهرة النيرة : "ولو وقف على دهن السراج للمسجد لا يجوز وضعه لجميع الليل بل بقدر حاجة المصلين، ويجوز إلى ثلث الليل أو نصفه إذا احتيج إليه للصلاة فيه ، وهل يجوز أن يدرس الكتاب على سراج المسجد؟ ينظر : إن كان وضع لأجل الصلاة، فلا بأس بذلك إلى أن يفرغوا من الصلاة".

وجاء في شرح مختصر خليل: "من ملك المنفعة لعينه فليس له أن يغير كسكنى بيت المدارس والزوايا والربط والجلوس في المساجد والأسواق، [ ص: 193 ] ويستثنى من ذلك ما جرت به العادة من إنزال الضيف المدارس والربط المدة اليسيرة، فلا يجوز إسكان بيت المدارس دائما، ولا إيجاره إذا عدم الساكن، ولا الخزن فيه ، ولا بيع ماء الصهاريج ولا هبته ولا استعماله فيما لم تجر العادة، ويستثنى من ذلك الشيء اليسير، وليس للضيف بيع الطعام ولا إطعامه ، ولا يباع زيت الاستصباح، ولا يتغطى ببسط الوقف ونحو ذلك ... (قوله : ولا يباع زيت الاستصباح) أي : الذي للوقف، ويجوز استعمال القليل في غير ما وضع له".

وجاء في تحفة المحتاج: "والحيوان الموقوف للإنزاء لا يستعمل في غير الإنزاء، نعم لو عجز عن الإنزاء جاز استعمال الواقف له في غيره، كما قاله الأذرعي".

وجاء في شرح منتهى الإرادات: "ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة من قبل الواقف له ; لأن تعيينه لها صرف لها عما سواها ، فلو سبل ماء للشرب لم يجز الوضوء به ولا الغسل ونحوه، وكذا عكسه; لأنه لو لم يجب اتباع تعيينه لم يكن له فائدة، وقال الآجري في الفرس الحبيس : لا يعيره ولا يؤجره إلا لنفع الفرس، ولا ينبغي أن يركبه في حاجته إلا لتأديبه وجمال للمسلمين ورفعة لهم أو غيظة للعدو ، ويجوز ركوبه لعلفه وسقيه ، ولا يجوز إخراج حصر المسجد، ولا بسطه لمنتظر جنازة أو غيره" .

الأدلة

استدلوا على ذلك بما يلي

1- الأدلة الدالة على وجوب العمل بشرط الواقف . [ ص: 194 ]

ومقتضى هذه الأدلة الانتفاع بالوقف فيما وقف له.

2- أن تعيين الواقف استعمالات الوقف صرف له عن الاستعمالات الأخرى.

3- أن استخدام الوقف في غير ما وقف له مخالفة لشرط الواقف، ولو لم يجب اتباع شرطه وتعيينه لم يكن له فائدة؟.

وقد استثنى بعض الفقهاء بعض الاستعمالات، فأجازوا استخدام الوقف في غير ما وضع له في مسائل يمكن جمعها في الضوابط التالية :

الضابط الأول: أن يكون الاستعمال في معنى ما حبس له.

ومن ذلك : ما ألحقه بعض الفقهاء بما وضع الوقف له من كل ما كان في معناه أو قريبا منه، وذلك كالدرس في المسجد، والتعليم بسهام الغزو، والشرب من ماء وقف على الوضوء، وإخراج بسط المسجد لمنتظر جنازة، ونحو ذلك.

الضابط الثاني: أن يكون الانتفاع بالوقف في غير ما حبس له عند الضرورة.

ومن ذلك : ما أجازه بعض الحنفية من استعمال الوقف في غير ما وضع له عند الضرورة، كإدخال الحبوب، وأثاث البيت في المسجد للخوف عند الفتنة العامة.

الضابط الثالث : أن يكون الوقف لله عز وجل وكان يسيرا.

ومن ذلك : تجويز المالكية نقل الوقف من وجه منفعة إلى وجه منفعة [ ص: 195 ] أخرى إذا كان لله سبحانه وتعالى - ; لأنه لا يتعلق به حق لغيره، فلا بأس بصرفها بعضها إلى بعض.

ومثل ذلك : استعمال مكبرات الصوت التي للصلاة في التعليم، ونحو ذلك.

الضابط الرابع : أن يكون الانتفاع يسيرا دل عليه العرف.

ومن ذلك : تجويز بعض الفقهاء استعمال الوقف في غير ما وضع له إذا كان شيئا يسيرا كالنوم والاستراحة في المدارس والربط الموقوفة ونحوها، وإنزال الضيف فيها.

الضابط الخامس: إذا كان في جهة أصلح وأنفع، كما في تغيير شرط الواقف . [ ص: 196 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية