الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح - أ.د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح

صفحة جزء
المسألة الثانية: حكم لزوم الحد إذا كان واطئ الموقوفة هو الواقف:

اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في لزوم الحد على الواقف إذا وطئ الأمة التي وقفها على قولين هما :

القول الأول : أنه لا حد على الواقف إذا وطئ الأمة الموقوفة .

قال به بعض المالكية، والشافعية، وهو الظاهر عند الحنابلة.

وقال خليل من المالكية : "الزنى : وطء مسلم مكلف فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق عمدا". فقوله: "لا ملك له فيه باتفاق": مخرج لوطء الواقف الأمة الموقوفة ; لأنه وقع الخلاف في ملكية الواقف لها.

القول الثاني : أنه يجب الحد على الواقف إذا وطئ الأمة الموقوفة . [ ص: 219 ]

وهذا هو قول الحنفية، والشافعية، وقال به بعض الحنابلة .

وبه قال ابن حزم: "فصح أنه ليس الوطء إلا مباحا لا يلام فاعله، أو عهرا في غير فراش" .

الأدلة :

دليل القول الأول:

استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة الدالة على درء الحدود بالشبهات; وذلك لوجود شبهة الخلاف في بقاء ملك الواقف على تلك الأمة.

(275) روى الترمذي من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". [ ص: 220 ]

[ ص: 221 ] (276) وما رواه البيهقي من طريق الحسن بن صالح، عن أبيه قال : بلغني، أو بلغنا أن عمر رضي الله عنه قال: "إذا حضرتمونا فاسألوا في العهد جهدكم، فإني إن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة".

قال البيهقي: "منقطع وموقوف".

(277) وما رواه ابن أبي شيبة قال : حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحارث، عن إبراهيم قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات" [منقطع].

(278) وما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن معاذا، وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر رضي الله عنهم قالوا : "إذا اشتبه عليك الحد فادرأه " [ضعيف جدا]. [ ص: 222 ]

(279) ما رواه ابن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله رضي الله عنه : "ادرؤوا القتل والجلد عن المسلمين ما استطعتم" [إسناده صحيح].

فهذه آثار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توضح تشوف الشرع إلى درء الحد ما أمكن، فكيف لا ندرأ الحد عن الواقف، وقد قال جمع من العلماء بأنه مالك للعين الموقوفة؟.

دليل القول الثاني: (أنه يحد على الواطئ الواقف) :

عموم الأدلة الدالة على وجوب حد الزاني، كقوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم". ولم يعتبروا شبهة الخلاف في ملكه لها، حيث إنهم لم ينظروا للقول بملكه لضعفه . [ ص: 223 ]

ونوقش هذا الدليل: بأن تلك الأدلة إنما أوجبت الحد إذا ثبت الزنى ثبوتا قطعيا ، ومهما وجدت الشبهة لم يثبت الزنى قطعيا، يدل على ذلك ورود الأحاديث والآثار في درء الحد عند وجود الشبهة.

أما عدم اعتبارهم شبهة الخلاف في ملك الواقف لها; لضعف القول به ، فقد سبق أن القول بملكية الواقف للعين الموقوفة، قال به المالكية، وبعض الحنفية، وهو رواية عن أحمد.

ومهما كان القول ضعيفا، فقد أوجد شبهة ينبغي درء الحد بها ما لم يصل ذلك القول إلى حد الشذوذ.

وأجيب عن هذه المناقشة : بأن هذا مسلم ما لم يكن الواقف يعلم أنها خرجت عن ملكه، فإن كان يعلم ذلك ويعتقده، فلا شبهة له; لكونه أصبح أجنبيا في اعتقاده .

الترجيح :

الراجح - والله أعلم - القول الأول، وأن الواقف لا يحد بوطئه الأمة الموقوفة ; درءا للحد بشبهة الخلاف في ملكه لها، لكن إن كان يعتقد خروجها عن ملكه بالوقف، فلا شبهة له; لكونه وطئ، وهو يعتقد أنه أجنبي فيحد، وبهذا تجتمع الأدلة .

التالي السابق


الخدمات العلمية