الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح - أ.د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح

صفحة جزء
الأمر الثاني: الهدية للعمال، والموظفين، والقضاة:

وفيها فروع:

الفرع الأول: تولي القضاة أمر البيع والشراء:

لما كان القضاة مظنة لمحاباة الناس لهم في المعاوضات من البيع [ ص: 319 ] ونحوه، فقد تكلم الفقهاء - رحمهم الله تعالى - عن مباشرة القاضي للبيع والشراء، واتفقوا على كراهة ذلك للقاضي إذا كان في مجلس القضاء، بل حمل بعضهم الكراهة على التحريم.

وعللوا كراهية ذلك بأسباب، منها:

أولا: أن العادة جرت بحصول المماكسة في البيع والشراء، ولا شك أنها تذهب من هيبة مجلس القضاء، وتضع من جاه القاضي بين الناس.

ثانيا: أن الغالب في ذلك أن الناس سيحابونه في البيع والشراء، فيكون ذلك كالهدية، فيتهم بالميل لمن باعه بالمحاباة.

واختلفوا في كراهية ذلك في غير مجلس القضاء، وذلك على قولين:

القول الأول: أنه يكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه، سواء كان البيع في مجلس القضاء أو خارجه، إلا أن يحتاج مباشرته ولم يكن له من يكفيه، فيجوز له ذلك حينئذ من غير كراهة، وينبغي أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابى.

وهو قول أكثر الحنفية، وبعض المالكية،...............

[ ص: 320 ] وبه قال الشافعية، والحنابلة.

القول الثاني: أنه لا يكره، وينبغي التنزه عنه مطلقا.

وهو قول بعض الحنفية، والراجح عند المالكية.

الأدلة:

أدلة القول الأول: (الكراهة ) :

(151 ) 1 - ما رواه الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبي، ثنا بقية، عن خالد بن حميد، ثنا أبو الأسود المالكي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله: "ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا".

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى العدالة عن الراعي الذي يبيع ويشتري بنفسه مع رعيته، فدل ذلك على كراهية ذلك للقاضي ونحوه; لأنه يدخل في هذا العموم.

ونوقش: هذا الحديث بأنه ضعيف الإسناد، كما تقدم في تخريجه.

2 - أن القاضي إذا باع واشترى يعرف فيحابى، فتكون المحاباة كالهبة.

نوقش هذا الدليل: بأنه يندر وجود المحاباة إذا كانت مباشرة القاضي للبيع والشراء عادة له في كل وقت; لأن الناس اعتادوا في التعامل معه، وفي [ ص: 321 ] محاباته في كل بيع وشراء يشق عليهم، بخلاف ما إذا كان ذلك ليس من عادته، فإن ورود المحاباة حينئذ يكون غالبا وقويا.

وأجيب عن هذه المناقشة: بأن ما ذكر يخالفه واقع الناس، فإنهم بمجرد علمهم أن من يتعاملون معه من أصحاب المناصب - وخاصة منصب القضاء - فإنهم يبادرون لمحاباته ومسامحته في البيع والشراء، وعلى الأقل تمكينه من المماكسة بالثمن الذي يريده.

3 - أن بيع القاضي وشراءه بنفسه يشغله عن النظر في أمور الناس، فيكره ذلك في حقه.

4 - والدليل على زوال الكراهة عند الحاجة إذا لم يكن له من يكفيه: أن أبا بكر رضي الله عنه قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه.

ولأن القيام بعياله فرض عين، فلا يتركه لوهم مضرة.

[ ص: 322 ] أدلة القول الثاني: (عدم الكراهة ) :

(152 ) 1 - ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما بويع أخذ الذراع وقصد السوق، فقالوا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسعك أن تشتغل عن أمور المسلمين، قال: "فإني لا أدع عيالي يضيعون"، قالوا: فنحن نفرض لك ما يكفيك، ففرضوا له كل يوم درهمين.

وجه الدلالة من الأثر: أن أبا بكر رضي الله عنه قصد السوق بعد توليه الخلافة واشتغل بالتجارة، فدل على عدم كراهة مباشرة القاضي للبيع والشراء بنفسه.

نوقش الاستدلال بهذا الأثر: بأنه حجة لمن قال بالكراهة، حيث إن الصحابة رضي الله عنهم، أنكروا عليه، فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع، فلما أغنوه عن البيع والشراء بما فرضوا له; قبل قولهم وترك التجارة، فحصل الاتفاق منهم على تركها عند الغنى عنها.

2 - أن بيع القاضي وشراءه في مجلس القضاء فيه إشغال لباله، وتشويش [ ص: 323 ] عليه، فيكره بخلاف بيعه وشرائه خارج مجلس القضاء، فليس فيه ذلك، فلا يكره.

يمكن مناقشة هذا الدليل: بأنه لا فرق بين بيعه وشرائه بنفسه في مجلس القضاء أو خارجه، ففي الموضعين يبقى معرضا نفسه للمحاباة.

التالي السابق


الخدمات العلمية