الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح - أ.د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح

صفحة جزء
الأمر الرابع: الهبة في البيع والشراء:

وفيه فروع:

الفرع الأول: الهدايا التذكارية:

الهدايا التذكارية: هي ما يقدمه أصحاب السلع إلى عموم الناس بغرض تكوين علاقة طيبة، والتذكير بسلعهم، وأنشطتهم.

ومن أمثلة هذا النوع من الهدايا: التقاويم السنوية، والمفكرات، ونحوها.

وهذا النوع من الهدايا الترغيبية يخرج على أنه هبة مطلقة، يقصد منها تذكير الناس بأعمال التجار، وإقامة علاقة ودية معهم.

وحكم هذه الهدايا الجواز; لأن الأصل في المعاملات الحل.

[ ص: 358 ] ومن الهدايا الترغيبية التذكارية التي لا تجوز بذلا ولا قبولا: الهدايا التي ترغب في التعاملات المحرمة كهدايا البنوك الربوية مثلا، فإنها لا تجوز; لما فيها من الدعاية لهذه البنوك الربوية; إذ لا تخلو هذه الهدايا غالبا من شعار البنك، وعبارات تدعو إلى التعامل معه.

الفرع الثاني: الهدايا الترويجية:

الهدايا الترويجية: هي ما يقدمه التجار من مكافآت تشجيعية للمستهلكين مقابل شراء سلع أو خدمات معينة، أو اختيار تاجر معين، ولا تخلو من حالتين:

الحال الأولى: كون الهدية الترويجية سلعة:

أي: أن تكون الهدية الترويجية سلعة معينة، سواء كانت من جنس المبيع أو من غير جنسه، وفيها أقسام:

القسم الأول: أن يكون المشتري موعودا بالهدية قبل الشراء.

وتحته صورتان: الصورة الأولى: هدية لكل مشتر.

صورة ذلك: أن يعلن صاحب السلعة أن كل من يشتري سلعة معينة، فله هدية مجانية أو موصوفة وصفا مميزا.

الصورة الثانية: هدية يشترط لتحصيلها بلوغ حد معين من السلع، أو بلوغ ثمن معين.

صورة ذلك: أن يقول التاجر: من اشترى عدد كذا من سلعة معينة فله هدية مجانا، أو يقول: من جمع كذا قطعة من سلعة معينة فله هدية مجانا.

ومن ذلك قول بعض الباعة: من اشترى بمبلغ كذا فله هدية معينة مجانا.

[ ص: 359 ] وهذا النوع من الهدايا الترويجية يخرج على أنه وعد بالهبة، فالثمن المبذول عوض عن السلعة دون الهدية، وذلك أن هذه الهدية لا أثر لها على الثمن مطلقا، والمقصود منها التشجيع على الشراء.

قال ابن قدامة: "ولا يصح تعليق الهبة بشرط; لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فإن علقها على شرط، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك) كان وعدا".

وحكم هذا النوع: الجواز; لأن الأصل في المعاملات الحل.

وأيضا: أنه ليس للواهب الرجوع في هبته بعد قبض المشتري، ولو انفسخ العقد; لعموم النهي عن الرجوع في الهبة.

وأيضا: يلزم البائع إعطاء المشتري الهدية الموعودة بناء على القول بوجوب الوفاء بالوعد.

وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، وهو قول لبعض المالكية كابن شبرمة، وابن العربي، ووجه في مذهب أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وحكاه ابن رجب عن بعض أهل الظاهر.

[ ص: 360 ] القول الثاني: لا يجب الوفاء بالوعد، بل يستحب.

وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية.

القول الثالث: يجب الوفاء بالوعد المعلق على شرط دون ما لم يعلق بشرط.

وهذا مذهب المالكية.

وقيل: إن هذه الهدايا الترويجية من الهدايا المحرمة التي يتذرع بها إلى أكل أموال الناس بالباطل، والإضرار بالتجار الآخرين.

وأجيب عن ذلك بأمرين:

الأمر الأول: أن هذه الهدايا الترويجية وسيلة لترغيب الناس في الشراء، وتشجيعهم على التعامل مع من يستعملها، فهي ليست لأخذ أموالهم بغير حق، [ ص: 361 ] ولا لتوريطهم في شراء ما لا يحتاجون، ولا لستر عيوب فيما يبيعون، فلا تحيل فيها ولا تمويه ولا تغرير، فلا تكون من أكل أموال الناس بالباطل.

الأمر الثاني: أن دعوى الإضرار بالتجار الآخرين تناقش بما يلي:

أ - إن دواعي الإقبال على بائع دون آخر كثيرة متنوعة مختلفة، وليست الهدايا الترويجية هي العامل المؤثر في ذلك ليعلق عليه الحكم.

ب - إن أهل التجارات يسلكون طرقا متعددة في جذب الناس إلى سلعهم أو خدماتهم، فينبغي ألا يحجر على أحدهم في استعمال ما أحله الله وأباحه.

ج - إن الضرر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم مبناه على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه صاحب الفروع: "فمتى قصد الإضرار ولو بالمباح، أو فعل الإضرار من غير استحقاق فهو مضار، وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار فليس بمضار".

القسم الثاني: ألا يكون المشتري موعودا بالهدية قبل الشراء.

صورة ذلك: ما يقوم به كثير من التجار، وأصحاب السلع من إعطاء المشترين سلعة زائدة على ما اشتروه بدون وعد سابق، أو إخبار متقدم على العقد، وذلك إكراما للمشترين، ومكافأة لهم على شرائهم، وترغيبا في استمرار التعامل.

وتخرج هذه الهدية على أنها هبة محضة، لتشجيع الناس على الشراء، ومكافأتهم عليه، أو على اختيارهم للمحل أو النوع، وما أشبه ذلك.

[ ص: 362 ] جواز هذا النوع من الهدايا الترويجية; لأن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يقم مانع شرعي.

القسم الثالث: أن يكون الحصول على الهدية مشروطا بجمع أجزاء مفرقة في أفراد سلعة معينة.

صورة ذلك: ما تقوم به بعض الشركات من وضع ملصقات مجزأة في أفراد سلعة معينة، غالبا ما تكون هذه الأجزاء شكلا معينا.

ومن صور هذه الحال: ما تقوم به بعض محلات المواد الغذائية والاستهلاكية الكبيرة (السوبر ماركت ) من إعطاء من بلغ حدا معينا من الشراء بطاقة فيها جزء من جهاز على أنه إذا كرر الشراء ثانية وبلغ ذلك الحد، فإنه يعطى بطاقة أخرى، فإذا كمل الجزء الآخر يكون ذلك الجهاز هدية مجانية لصاحب البطاقة.

هذه الصورة من الهدايا الترويجية تخرج على أنها هبة.

وقد أفتى بتحريم هذه الصورة من الهدايا الترويجية شيخنا العلامة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله، حيث قال في إجابة له عن سؤال حول هذه الهدايا: "أما الصورة الثانية: فهي جعل صورة سيارة نصفها في كارت ونصفها الثاني في كارت آخر مثلا، ولا تدري عن هذا النصف الآخر هل هو موجود، أو غير موجود؟ وعلى فرض أنه موجود، فهو حرام بلا شك; لأن الإنسان إذا اشترى كرتونا يكفيه وعائلته، ووجد فيه كارت السيارة، فإنه سوف [ ص: 363 ] يشتري عشرات الكراتين أو مئات الكراتين رجاء أن يحصل على النصف الثاني ليحصل على السيارة، فيخسر مئات الدراهم، والنهاية أنه لا شيء، فقد تحصل لغيره، فيكون في هذا إضاعة مال وخطر، فلا يجوز استعمال هذه الأساليب".

الحال الثانية: كون الهدية الترويجية منفعة (خدمة ) ، ولا تخلو من قسمين:

القسم الأول: أن يكون المشتري موعودا بالمنفعة (الخدمة ) قبل العقد.

صورة هذا: ما تعلن عنه كثير من محطات وقود السيارات، أو تغيير الزيت، أو غسيل السيارات من أن من جمع عددا محددا من البطاقات التي تثبت أنه اشترى منهم وقودا، أو غير عندهم الزيت، أو غسل السيارة، فله غسلة مجانية، ونحو ذلك من الخدمات.

ومما يدخل في هذه الحال ما تقوم به بعض الشركات، أو أصحاب السلع من أن من اشترى منهم سلعة أو خدمة، فإن له هدية تذكرة سفر مجانية إلى بلد معين.

وتخرج هذه المنافع على أنها وعد بهبة المنفعة.

وقد أفتى بجواز هذه الصورة من الهدايا الترويجية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في جواب لها.

القسم الثاني: ألا يكون المشتري موعودا بالمنفعة قبل العقد.

صورة هذا: ما تقدمه بعض محطات وقود السيارات من خدمات لمن يشتري منها وقودا، كتمسيح زجاج السيارة مثلا، ونحو ذلك من الخدمات.

[ ص: 364 ] وتخرج هذه الهدية على أنها هبة محضة للمنفعة (الخدمة ) مكافأة على التعامل، وتشجيعا عليه.

وحكمها: جواز هذا النوع من الهدايا الترغيبية بذلا وقبولا; عملا بأصل الإباحة في المعاملات.

الفرع الثالث: الهدايا الإعلانية (العينات ) :

الهدايا الإعلانية: وهي ما تقدمه المؤسسات، والشركات للعملاء من نماذج معدة إعدادا خاصا للتعريف ببضاعة جديدة، أو إعطاء العملاء فرصة تجربة السلعة، أو لأجل الترويج لها.

وتخرج على أنها هبة محضة.

وحكمها: جواز هذا النوع من الهدايا الترغيبية; لأن الأصل في المعاملات الحل، ولا دليل على المنع.

الفرع الرابع: الهدايا النقدية:

وهي: أن يقوم بعض أصحاب السلع بوضع شيء من النقود في بضائعهم.

ولها صورتان: الصورة الأولى: هدية نقدية في كل سلعة.

وتخرج على أنها من باب مسألة مد عجوة ودرهم، ومسألة مد عجوة ودرهم هي: أن يبيع ربويا بجنسه ومعهما، أو مع أحدهما من غير جنسه.

وهذه المسألة محرمة على الراجح من أقوال أهل العلم; (169 ) لما رواه مسلم من طريق حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها، [ ص: 365 ] فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تباع حتى تفصل".

الصورة الثانية: هدية نقدية في بعض أفراد السلع.

وذلك أن يوضع في علبة أو فرد من أفراد السلعة شيء من النقود.

وحكمها: التحريم; إذ هي من الميسر الذي حرمه الله عز وجل، وذلك أن المشتري يبذل مالا لشراء سلعة قد يحصل معها على هدية فيغنم، وقد لا يحصل على شيء فيغرم.

الأمر الخامس: الهدية للمولود، ونحوه.

في كشاف القناع: "ولو اتخذ الأب دعوة ختان، وحملت هدايا إلى داره فهي له"; لأنه الظاهر (إلا أن يوجد ما يقتضي الاختصاص بالمختون فيكون له، وهذا كثياب الصبيان ونحوها مما يختص بهم، وكذا لو وجد ما يقتضي اختصاص الأم بشيء (فيكون لها مثل كون المهدي من أقاربها أو معارفها ) حمل على العرف (وخادم الفقراء الذي يطوف لهم في الأسواق ما حصل له لا يختص به; لأنه في العرف إنما يدفع إليه للشركة فيه، وهو إما كوكيلهم أو وكيل الدافعين فينتفي الاختصاص.

(وما يدفع من صدقة إلى شيخ زاوية أو ) شيخ (رباط الظاهر أنه لا يختص به ) ; لأنه في العادة لا يدفع إليه اختصاصا به، فهو كوكيل الفقراء أو الدافعين".

الأمر السادس: الهدية في أعياد الكفار:

قال شيخ الإسلام: "وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان، [ ص: 366 ] وأعياد اليهود، أو غيرهم من أنواع الكفار، أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل، وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه.

يجب على المسلم أن لا يفعل ما يعين الكفار في أعيادهم وغيرها، وما ورد عن السلف في النهي عن ذلك".

قال شيخ الإسلام: "وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم: فقد قدمنا عن علي رضي الله عنه: أنه أتي بهدية النيروز فقبلها.

وروى ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه: "أن امرأة سألت عائشة قالت: إن لنا أظآرا من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا. قالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم".

وقال: حدثنا وكيع، عن الحسن بن حكيم، عن أمه، عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه.

فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء; لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر [ ص: 367 ] كفرهم، لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها، فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه.

وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد".

الأمر السابع: أخذ الهدية من أجل تعطيل الحدود:

قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود، ولا بيت المال، ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين، أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت، فترك الواجب وفعل المحرم، قال الله تعالى: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ، وقال الله تعالى عن اليهود: سماعون للكذب أكالون للسحت ; لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى البرطيل وتسمى أحيانا الهدية وغيرها، ومتى أكل السحت ولي الأمر احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها، وقد روي "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش الواسطة الذي يمشي بينهما" [رواه أهل السنن].

وفي الصحيحين: "أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقال صاحبه. وكان أفقه منه، نعم يا رسول الله: اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال: إن ابني كان عسيفا في أهل هذا يعني: أجيرا - فزنى بامرأته، فافتديت منه بمئة شاة وخادم، [ ص: 368 ] وإن رجالا من أهل العلم أخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: المئة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فاسألها، فإن اعترفت فارجمها، فسألها، فاعترفت، فرجمها"، ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين: من المجاهدين والفقراء وغيرهم، وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق، ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث".

التالي السابق


الخدمات العلمية