التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

صفحة جزء
(إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) : يجوز أن يكون متصلا بـ (سميع عليم) ، ويجوز أن يكون على إضمار (اذكر) .

ومعنى قوله: (محررا) : خالصا لله عز وجل، لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، عن عكرمة .

مجاهد : خادما للبيعة، الشعبي : مخلصا للعبادة.

وقوله: ( محررا) مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية.

[ ص: 37 ] وقيل: هو من تحرير الكتاب; وهو تخليصه من الاضطراب والفساد.

وسبب قول امرأة عمران هذا: أنها كانت كبيرة لا تلد، فنذرت إن ولدت أن تجعل ما ولدته محررا، وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم، فلما وضعت مريم; (قالت رب إني وضعتها أنثى) تعني: أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة.

وقوله: (والله أعلم بما وضعت) : هو على قراءة من قرأ: (وضعت) من جملة كلامها، وعلى قراءة من قرأ: (وضعت) من كلام الله عز وجل، قدم، وتقديره أن يكون مؤخرا بعد: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) ، والهاء في (وضعتها) عائدة على (ما) في قوله: (نذرت لك ما في بطني) ; لأنها واقعة على مؤنث.

ومعنى الاستعاذة: قيل: من طعن الشيطان الطفل حين يولد، وقيل: من الإغواء بعد بلوغ حد التكليف، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله وقى مريم وولدها من الشيطان الرجيم بحجاب".

(فتقبلها ربها بقبول حسن) أي: يتقبل، فحمل على المعنى.

[ ص: 38 ] و (قبول) : مصدر، والأصل: الضم، والفتح جاء في حروف قليلة، وأجاز الزجاج : (بقبول) بضم القاف.

(وأنبتها نباتا حسنا) أي: فنبتت نباتا حسنا، فحمل على المعنى.

(وكفلها زكرياء) : أي: ضمن القيام بها، عن أبي عبيدة .

وقيل: معنى (وكفلها زكرياء) : ضمها إليه، والمعنى راجع إلى الضمان.

و (المحراب) في اللغة: أكرم موضع في المجلس، وجاء في الخبر: أنها كانت في غرفة، وكان زكريا يصعد إليها بسلم.

وقوله: (وجد عندها رزقا) ذكر المفسرون: أنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، عن ابن عباس وغيره.

(أنى لك هذا) أي: من أين لك؟وقوله: (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) : يجوز أن يكون من قول مريم، ويجوز أن يكون مستأنفا، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد، والمعنى: عندما عاين من قدرة الله عز وجل في مريم; دعا ربه.

و (هنالك) : ظرف يستعمل للزمان والمكان، وأصله للمكان.

وقوله: (إنك سميع الدعاء) أي: قابله، ومنه: "سمع الله لمن حمده".

(فنادته الملائكة) : السدي : ناداه جبريل وحده، وقيل: ناداه جماعة الملائكة; أي: جاءه النداء من قبلهم.

[ ص: 39 ] وسمي ( يحيى ) في قول قتادة ; لأن الله أحياه بالإيمان(مصدقا بكلمة من الله) يعني: بعيسى في قول أكثر المفسرين.

وسمي بـ (كلمة) ; لأنه كان بكلمة الله التي هي: (كن من غير أب) ;فمعناه: ذو كلمة، فحذف المضاف.

وقيل: سمي بذلك; لأن الأنبياء بشرت به، فجاء على الصفة التي وصفته بها، فهو كلمة الله عز وجل; لتقدم البشارة به، وقيل: سمي كلمة; لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى.

وقال أبو عبيدة: معنى (بكلمة من الله) : بكتاب من الله، قال: والعرب تقول: (أنشدني كلمة فلان) ; أي: قصيدته.

(وسيدا) أي: في العلم والعبادة، عن قتادة .

ابن جبير والضحاك : في الحلم والتقى.

مجاهد : السيد الكريم.

عكرمة وابن زيد: السيد الذي لا يغلبه الغضب.

(وحصورا) : (الحصور) : الذي لا يأتي النساء، عن ابن مسعود وغيره. [ ص: 40 ]

وهو (فعول) بمعنى: (مفعول) ، كأنه ممنوع مما يكون في الرجال.

ابن عباس : (الحصور) : الذي لا ينزل، وقيل: معناه: الحابس نفسه عن معاصي الله تعالى.

(قال رب أنى يكون لي غلام) : اشتقاق (الغلام) من الغلمة; وهي شدة طلب النكاح، فكأنه في حال من يطلب النكاح، أو في حال من يؤول أمره إلى ذلك.

و (العاقر) من الرجال والنساء: من لا يلد، والأصل: من العقر; وهو الأصل، سمي بذلك; لانقطاع أصل، النسل به.

وقيل في معنى هذا الاستفهام: إنه سأل: هل يكون له الولد وهو وامرأته على حالتهما، أم يردان إلى حال من يلد؟وقيل: سأل: هل يرزق الولد من امرأته العاقر أم من غيرها؟وقيل: سؤاله على وجه الاستعظام لقدرة الله تعالى، والتعجب الذي يحدث عند معاينة الآيات.

وقيل: المعنى: بأي منزلة استوجبت هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال؟على وجه التواضع.

[ ص: 41 ] وقيل: إنه نسي دعاءه بالولد، ويروى: أنه كان بين دعائه والوقت الذي بشر فيه أربعون سنة.

وقوله: ( قال رب اجعل لي آية) أي: علامة، سأل أن يجعل له علامة يستدل بها على وقت الحمل، فجعل آيته أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام وهو صحيح سوي.

و (الرمز) في اللغة: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين، والعينين، واليدين، وأصله: الحركة.

(واذكر ربك كثيرا) : أمر بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه.

(وسبح بالعشي والإبكار) أي: صل، سميت الصلاة سبحة; لما يكون فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء.

و (العشي) : من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، عن مجاهد .

(والإبكار) : من طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وهو مأخوذ من التعجيل، وهو مصدر بالكسر، وجمع (بكرة) بالفتح.

التالي السابق


الخدمات العلمية