التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

صفحة جزء
التفسير:

قوله: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) المعنى: على أي حال تكفرون وأنتم ترون ذلك؟ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته.

(ومن يعتصم بالله) أي: يمتنع به.

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) : قال ابن مسعود وغيره: (حبل الله) : القرآن، ورواه الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام.

ابن عباس : الحبل: العهد.

ابن زيد : حبل الله: دينه، وأصله في اللغة: السبب، فحبل الله: هو سبب النجاة. [ ص: 103 ]

(ولا تفرقوا) أي: لا تتفرقوا في دينكم كما تفرقت اليهود والنصارى في أديانهم، عن ابن مسعود وغيره.

الحسن : لا تتفرقوا على النبي صلى الله عليه وسلم.

(واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) يعني: ما كان بين الأنصار، وأن الله أصلح بينهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، عن قتادة وغيره.

الحسن : المراد بالآية: ما كان بين مشركي العرب من الطوائل.

و (الإخوان) : جمع أخ، وسمي أخا; لأنه يتوخى مذهب أخيه; أي: يقصده.

(إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار) : (الشفا) : الحرف، وهو من الياء، وفيه لغة أنه من الواو، وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان.

(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) قيل: إن (من) للتبعيض، ومعناه: أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء. [ ص: 104 ]

وقيل: (من) لبيان الجنس، والمعنى: (لتكونوا كلكم كذلك) .

(ولا تكونوا كالذين تفرقوا) يعني: اليهود والنصارى.

(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) : (ابيضاض الوجوه) : إشراقها بالنعيم) ، و (اسودادها) : هو ما يرهقها من العذاب الأليم.

والذين تسود وجوههم في قول أبي بن كعب: هم الكفار، وقيل لهم: (أكفرتم بعد إيمانكم) ; لإقرارهم حين أخرجهم الله من ظهر آدم كالذر، وهو اختيار الطبري .

الحسن : هي في المنافقين، قتادة : هي في المرتدين.

الزجاج : هي في أهل الكتاب; لأنهم آمنوا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه قبل أن يبعث، فلما بعث; كفروا به.

مالك بن أنس : هي في أهل الأهواء.

أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (هي في الحرورية) .

[ ص: 105 ] وفي خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنها في القدرية) . وجواب (أما) محذوف، والمعنى: فيقال لهم: أكفرتم؟.

(ولله ما في السماوات وما في الأرض) : وجه اتصال هذا بما قبله: أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين، وأنه لا يريد ظلما للعالمين، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم; لكون ما في السماوات وما في الأرض في قبضته.

(كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية.

قال مجاهد : المعنى: كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة في الآية.

وقيل: المعنى: كنتم في اللوح المحفوظ.

وقيل: جاء ذلك لتقدم البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، فالمعنى: كنتم عند من تقدمكم من أهل الكتاب خير أمة.

وقيل: هي (كان) التامة، [والمعنى: حدثتم خير أمة، فـ (خير أمة) : حال]، وقيل: (كان) زائدة، والمعنى: أنتم خير أمة.

(لن يضروكم إلا أذى) يعني: كذبهم وتحريفهم، عن الحسن ، وقتادة .

فالاستثناء متصل، والمعنى: لن يضروكم إلا ضرا يسيرا، فوقع [ ص: 106 ] (الأذى) موقع المصدر.

وقيل: هو منقطع، والمعنى: لن يضروكم ألبتة، لكن يؤذونكم بما يسمعونكم.

وفي قوله: (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار) معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم; لأن كل من قاتله من اليهود ولى دبره.

(ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا) يعني: اليهود، عن الحسن وغيره، و (الحبل) ههنا: العهد، والمعنى: ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا بحبل من الله; فهو استثناء منقطع.

وقيل: هو متصل; لأن عز الإسلام عز لهم بالذمة، وإن كان لا يخرجهم من الذلة في أنفسهم.

بعض الكوفيين: هو متصل محمول على المعنى; لأن معنى الكلام: ضربت عليهم الذلة بكل موضع إلا بموضع من الله.

الفراء : المعنى: إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف.

وقوله: (ليسوا سواء) : ابن مسعود : معناه: ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سواء، وقال: نزلت الآية بسبب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة ليلة، ثم خرج، ومن الناس المصلي، ومنهم المضطجع، فبشرهم وقال: "إنه لا يصلي هذه [ ص: 107 ] الصلاة أحد من أهل الكتاب، فنزلت الآية.

وقيل: المعنى: ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء، والوقف على هذه الأقوال على (سواء) .

الفراء : في الكلام حذف، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة مستقيمة وأمة غير مستقيمة، كما تقول: (سواء علي قيامك وقعودك) .

أبو عبيدة: هو على قول من قال: (أكلوني البراغيث)) ، فـ (أمة) : اسم (ليس) ، و (سواء) : خبرها.

ومعنى (قائمة) : ثابتة على أمر الله عز وجل، عن ابن عباس وغيره.

السدي : (قائمة) بطاعة الله، الحسن وابن جريج : عادلة.

الزجاج : المعنى: ذوو أمة مستقيمة; أي: طريقة.

و (آناء الليل) : ساعاته، عن الحسن وغيره.

[ ص: 108 ] ابن مسعود : يعني: صلاة العتمة.

الثوري : الصلاة بين العشاءين.

ابن عباس وغيره: نزلت الآية في ابن سلام ونظرائه، حين قالت اليهود: ما آمن بمحمد الا شرارنا.

وواحد (الآناء) ; قيل: (أني) ، وقيل: (أنى) ، وقيل: (إني) ، وقيل: (إنى) .

ومعنى (وهم يسجدون) : يصلون، في قول الفراء ، والزجاج ; لأن القراءة لا تكون في الركوع والسجود.

وقيل: يراد به: السجود المعروف خاصة.

وقوله: (ويأمرون بالمعروف) : قيل: هو عموم، وقيل: يراد به: الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، و (النهي عن المنكر) : النهي عن مخالفته.

(ويسارعون في الخيرات) أي: يعملونها مبادرين غير متثاقلين; لمعرفتهم بقدر ثوابها، وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت.

(مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر) قيل: إن النفقة المذكورة ههنا عموم لنفقات الكفار، كانت في طاعة أو معصية; لأن كفرهم يحبط أعمالهم، وقيل: هي مخصوصة في أبي سفيان وأصحابه، ومن جرى مجراهم من المتحزبين على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

وقيل: هي في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين; لأنهم ينفقونها رياء غير مصدقين.

[ ص: 109 ] وقيل: المراد بذلك: قول المنافقين بأفواههم; لأنهم لا ينتفعون به.

و (الصر) : البرد، عن ابن عباس ، والحسن ، وغيرهما، وأصله: من الصرير الذي هو الصوت، فهو صوت الريح الشديدة.

الزجاج : الصر: صوت لهيب النار التي كانت في تلك الريح.

وقوله: (ظلموا أنفسهم) : [قيل: معناه: أذنبوا، فعوقبوا بإهلاك زرعهم، وقيل: ظلموا أنفسهم بأن] زرعوا في غير وقت الزراعة، أو في غير موضعها، فأدبهم الله تعالى; لوضعهم الشيء في غير موضعه.

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) : (البطانة) : الخاصة الذين يطلعون على باطن الأمر، ومعنى (من دونكم) : من دون أهل دينكم، و (من) : تصلح أن تكون للتبعيض، كأنه قال: لا تتخذوا بعض المخالفين في الدين بطانة، وتصلح أن تكون لبيان الجنس، وقيل: هي زائدة.

قال ابن عباس والحسن : نزلت في قوم من المسلمين خالطوا حلفاء لهم من المشركين، واليهود، والمنافقين، وصافوهم بالمودة.

[ ص: 110 ] (لا يألونكم خبالا) أي: لا يقصرون في أمركم خبالا، و (الخبال) : الفساد.

(ودوا ما عنتم) أي: ما شق عليكم، وتقدم القول في العنت.

(ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله) : قال ابن عباس : يعني: بالكتب.

(عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) : لما يرونه من ائتلاف المسلمين.

و (الأنامل) : أطراف الأصابع، واحدها: أنملة.

(قل موتوا بغيظكم) : دعاء عليهم.

(إن تمسسكم حسنة تسؤهم) أي: ظفر وغنيمة.

(وإن تصبكم سيئة) أي: هزيمة وغلبة.

(إن الله بما يعملون محيط) : وعيد.

التالي السابق


الخدمات العلمية