التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

صفحة جزء
التفسير:

قال ابن عباس ، وغيره: كانت في الغنائم يوم بدر قطيفة حمراء، ففقدت، فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزل: (وما كان لنبي أن يغل) .

الضحاك : لم يقسم النبي عليه الصلاة والسلام للطلائع، فعرفه الله تعالى وجه الحكم .

وقيل: هو أمر من الله تعالى لنبيه بتبليغ جميع الوحي، هذا على قراءة من قرأ: [ ص: 154 ] (يغل) ، ومن قرأ: (يغل) ; جاز أن يكون المعنى: (يوجد غالا) ، أو: (ينسب إلى الغلول) ، أو يكون من (أغللته) ; إذا أخذت شيئا من المغنم بغير إذنه; إذا حاز الغنيمة.

الحسن : معنى (يغل) : يخان، ووجه اختصاص النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، ولا ينبغي أن يخان نبي ولا غيره; التعظيم لخيانته، وأن أمر الغنائم إليه.

وأصل الغلول: من الغلل; وهو دخول الماء في خلل الشجر; فالخيانة تكون في خفاء، من غير وجه الواجب، كالغلل.

(ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) قيل: يأتي به حامله على ظهره، عن ابن عباس وغيره، وروي معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام.

(أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله) : الحسن ، والضحاك : المعنى: أفمن لم يغل كمن غل؟ الزجاج : المعنى: أفمن اتبع رضوان الله بالجهاد في سبيله كمن باء بسخط من الله بالفرار منه رغبة عنه.

[ ص: 155 ] وقيل: هو عام في الطاعات والمعاصي.

(هم درجات عند الله) : قال مجاهد : معناه: لهم درجات.

غيره: هم ذوو درجات، ومعناه: أن الجنة طبقات، والنار أدراك; فأهلها مختلفون في الدرجات.

وقيل: يراد به: اختلاف مرتبتي أهل الجنة وأهل النار; بما لهؤلاء من الثواب، وما لهؤلاء من العقاب.

وقيل: المراد: من اتبع رضوان الله خاصة، أخبر أن منازلهم في الجنة متفاضلة بقدر أعمالهم.

(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) الآية:

معنى كون الرسول منهم: ليعرفوا حاله، ولا يخفى عليهم طريقته، وقيل: ليشرفهم به، وقيل: ليسهل عليهم التعلم منه.

وقوله: (أولما أصابتكم مصيبة) إلى قوله: (قل هو من عند أنفسكم) يعني: أنهم قتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، وأصيب منهم يوم أحد سبعون.

(قلتم أنى هذا) : أي: من أين هذا ونحن نقاتل في سبيل الله؟(قل هو من عند أنفسكم) يعني: مخالفة الرماة.

وقال قتادة ، والربيع بن أنس : يعني: سؤالهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج بعد أن أراد الإقامة بالمدينة، وتأولها في الرؤيا التي رآها درعا حصينة.

علي رضي الله عنه: هو اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل، وقد قيل لهم: إن فاديتم الأسرى; قتل منكم على عدتهم، فمعنى (من عند أنفسكم) على القولين [ ص: 156 ] الأولين: بذنوبكم، وعلى القول الأخير: باختياركم.

(وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله) : دخلت الفاء; لأن خبر (ما) التي بمعنى (الذي) يشبه جواب الجزاء; من حيث كان متعلقا بالفعل في الصلة، كتعلقه بالفعل في الشرط.

وقوله تعالى: (قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) : قال السدي ، وابن جريج :

المعنى: إن لم تقاتلوا معنا; فكثروا سوادنا.

(قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) أي: لو علمنا أنه يكون بينكم وبينهم قتال; لاتبعناكم، وقائل ذلك فيما روي عبد الله بن أبي، والذي قال لهم: (تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) : عبد الله بن عمرو بن حرام.

(هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) يعني: بما أظهروه، وكانوا قبل أن يظهروا ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الإيمان أقرب.

(يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) : تأكيد; إذ قد يخبر بالقول عن الاعتقاد وغيره.

(الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا) يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه; إذ قالوا: لو أطاعنا من قتل يوم أحد; ما قتلوا، فقال لهم الله تعالى: (فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) أي: تجنبوا الأسباب التي فيها الهلاك (إن كنتم صادقين) : [ ص: 157 ] في أنكم تعرفونها.

وقوله: (بل أحياء عند ربهم يرزقون) أي: هم حيث يعلمهم ربهم دون الناس، وليس (عند) على معنى قرب المسافة.

وقوله: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) الآية.

قتادة ، وابن جريج : أي: يقولون: ليت إخواننا يقتلون كما قتلنا، فيصيبون من الثواب ما أصبنا.

السدي : يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.

(يستبشرون بنعمة من الله وفضل) : (الفضل) : داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست كنعيم الدنيا، وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد.

(وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) أي: ويستبشرون بأن الله.

(الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) : ابن عباس ، وغيره: رجع المشركون يوم أحد من الروحاء إلى حمراء الأسد، مؤملين الرجوع إلى المسلمين، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى الخروج، فأجابوه فخرج بهم إلى حمراء الأسد; وهي ثمانية أميال من المدينة، وألقى الله الرعب في [ ص: 158 ] قلوب المشركين، فانهزموا من غير قتال، وكان خروجه عليه الصلاة والسلام إلى حمراء الأسد يوم الأحد ثاني يوم أحد.

وروي: أن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل، كانا مثخنين جراحا، فتوكأ أحدهما على صاحبه، وخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

(الذين قال لهم الناس) : قال الواقدي، وغيره: (الناس) ههنا: نعيم بن مسعود الأشجعي، لقي المسلمين وهم متوجهون إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان في سنة أربع - وكانت أحد في سنة ثلاث - فقال لهم: إن الناس قد جمعوا لكم; يعني: أبا سفيان وأصحابه.

وكذلك قال مجاهد : كان ذلك في بدر الصغرى.

السدي : هو أعرابي ضمن له جعل على ذلك.

ابن عباس ، وقتادة : هم ركب دسهم أبو سفيان وأصحابه; ليثبطوا المسلمين عن اتباعهم يوم أحد حين أرادوا الرجوع إليهم.

وقوله: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) قيل: يعني: انقلابهم من حمراء الأسد ثاني يوم أحد، وقيل: يعني: انقلابهم من بدر الصغرى وقد باعوا وابتاعوا، ولم يلقوا حربا; فـ (النعمة) : كفاية عدوهم، و (الفضل) : ربحهم في متاجرهم. [ ص: 159 ]

(إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) : قال ابن عباس ، وغيره: المعنى: يخوفكم أولياءه; أي: يخوف المؤمن بالكافر.

الحسن ، والسدي : المعنى: يخوف أولياءه المنافقين; ليقعدوا عن قتال المشركين.

(ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) قال مجاهد : يعني: المنافقين، وقيل: الذين ارتدوا عن الإسلام.

(ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم) الآية.

(الإملاء) : طول المدة، والمعنى: إنما نطول أعمارهم; ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم.

(ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) : قال مجاهد ، وابن جريج : أي: المنافق من المؤمن.

قتادة ، والسدي : الكافر من المؤمن.

(وما كان الله ليطلعكم على الغيب) أي: ليخبركم من يسلم، ومن يموت على الكفر.

قال السدي : قال المشركون: إن كان محمد صادقا; فليخبرنا من يؤمن ومن يكفر; فنزلت الآية .

(ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) الآية.

المعنى: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون، فـ (هو) : فاصلة، وأضمر [ ص: 160 ] (البخل) ، وتقدير قراءة الياء والتاء مذكور فيما بعد .

السدي : المراد بـ(البخل) في الآية: بخلهم في الإنفاق في سبيل الله، ومنعهم الزكاة.

ابن عباس : بخل أهل الكتاب بما عندهم من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وصفته.

وفي الخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام: "ما من رجل له مال، ثم بخل بالحق في ماله; إلا طوقه الله يوم القيامة شجاعا أقرع"، ثم تلا الآية.

(ولله ميراث السماوات والأرض) : جاء على ما تعرفه العرب، وليس على حد انتقال الأملاك بين المخلوقين; لأن الله عز وجل لم يزل مالكا للأشياء كلها.

التالي السابق


الخدمات العلمية