التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

صفحة جزء
التفسير:

فكيف إذا أصابتهم مصيبة الآية، المعنى: فكيف يكون حالهم إذا أصابتهم مصيبة؟ ونزل هذا بسبب قيام أهل المنافق الذي قتله عمر ـ رضي الله عنه ـ يطلبون [ ص: 287 ] دمه، ويحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردنا بطلب دمه إلا الإحسان، وموافقة الحق.

وقيل : المعنى: ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين الخصوم، والإحسان بالتقريب في الحكم; فقال الله ـ تعالى ـ مكذبا لهم: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ; أي: عن عقابهم، وقيل: فأعرض عن قبول اعتذارهم.

وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي: ازجرهم بأبلغ الزجر، الحسن : قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم; قتلتكم.

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله قيل: معنى بإذن الله : بعلم الله ، وقيل: بتوفيق الله; فمن وفق; أطاع، ومن خذل; عصى.

فلا وربك لا يؤمنون الآية.

دخلت (لا) على معنى الرد لكلامهم، كأنه قال: ليس الأمر، كما

يزعمون ، ثم استأنف القسم، وقيل: دخلت توطئة للنفي الذي بعدها.

[ ص: 288 ] ومعنى شجر بينهم : اختلفوا فيه، قيل ذلك: لتداخل كلام بعضهم في بعض; كتداخل الشجر بالتفافه، وقيل: لاختلافهم; كاختلاف أغصان الشجر.

ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت أي : ضيقا، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد : إنه الشك، وقول الضحاك : إنه الإثم، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم.

ونزلت الآية في قول مجاهد والشعبي: في اليهودي والمنافق المتقدم ذكرهما، وقيل: في الزبير بن العوام ورجل من الأنصار - قيل: هو حاطب بن أبي بلتعة، وقيل : غيره- اختصما إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ماء; فحكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للزبير أن يسقي به، ثم يسرحه إلى الأنصاري; فغضب الأنصاري وقال: أن كان ابن عمتك؟; فنزلت الآية.

[ ص: 289 ] وقوله: ويسلموا تسليما أي: يسلموا لأمرك، (وتسليما) : تأكيد.

ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم الآية.

روي: أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر مع يهودي، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن نقتل أنفسنا، ففعلنا، وبلغت القتلى سبعين ألفا; فقال ثابت: والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم; لفعلنا، فنزلت الآية ، فقال : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم .

ومعنى وأشد تثبيتا أي: تثبيتا لهم على الحق.

وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما : (إذا) ههنا: دالة على الجزاء، والمعنى : (لو فعلوا ما يوعظون به; لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما) .

ومن يطع الله والرسول الآية.

روي: أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك - يا رسول الله - معنا في الدنيا، وترفع في الآخرة لفضلك; فنزلت، وأعلموا أنهم يزورون الأنبياء [ ص: 290 ] عليهم السلام، ويتزاورون في الجنة، وفي الخبر: "أن الأعلى ينحدر إلى من هو دونه" .

و (الصديق) : الذي كثر منه الصدق، وفي خبر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: الصديقون هم المتصدقون .

وحسن أولئك رفيقا وقيل: معناه: رفقاء، فوحد، لأنه في موضع التمييز، وكأن المعنى: (وحسن كل واحد منهم رفيقا) .

فانفروا ثبات أي: جماعات في تفرقة.

قتادة: (الثبات) : الفرق، وأصله: من ثبيت على الرجل أثبي; إذا جمعت في الثناء عليه ذكر محاسنه; فالمحذوف لام الفعل; وهي ياء، ويجمع: (ثبون) ، و (ثبون) ، جمعت بالواو والنون; ليكون ذلك عوضا من النقص [ ص: 291 ] الذي لحقها، وأما كسر أوله; فلخروجه عن بابه; لأن حكم مثل هذا أن يجمع بالألف والتاء، هذا قول سيبويه ، ويصغر (ثبيات) ; لأن النقص قد زال عنه.

وقد قيل: إن المحذوف منها واو; إذ هي أكثر ما يحذف; نحو: (غد) ، و (دم) ، و(هن) ، ولا يكون المحذوف منها فاء ولا عينا; لأن الفاء لم يطرد حذفها إلا في مصادر بنات الواو; نحو: (عدة) ، ولم تحذف الواو من (فعلة) إلا في نحو قولهم: (صلة) في الصلة، ولم يأت حذف العين إلا في (سه) ، و (مذ) وهما نادران.

والمحذوف من (ثبة الحوض) - وهي وسطه الذي يثوب الماء إليه -: [ ص: 292 ] عينها، وهي واو، وتصغيرها: (ثويبة) .

وقيل: يجوز أن تكون من: (ثبيت) ; إذا جمعت; لأن الماء إنما يجتمع من الحوض في وسطه; فيكون كالأول، ومعنى الآية : (انفروا فرقة بعد فرقة) ، وقيل : انفروا في جهات مختلفة.

أو انفروا جميعا : من غير تفرق في الأوقات والجهات، روي معناه عن ابن عباس وغيره، وأصل (انفروا) : من النفور; وهو الفزع.

وخذوا حذركم : معناه: احذروا عدوكم، وقيل: خذوا سلاحكم، سمي السلاح حذرا; إذ به يكون الحذر.

وإن منكم لمن ليبطئن أي: عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم، و (اللام) في (لمن) : للابتداء، وفي (ليبطئن) : لام القسم ، والمراد: المنافقون، وقال: (منكم) ; لأنهم في ظاهر الأمر من عداد المسلمين.

فإن أصابتكم مصيبة أي: هزيمة.

ولئن أصابكم فضل من الله أي: غنيمة.

كأن لم تكن بينكم وبينه مودة أي : كأن لم يعاقدكم على الجهاد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير : (ولئن أصابكم فضل من الله) ; ليقولن : يا ليتني كنت معهم; فأفوز فوزا عظيما، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة) .

[ ص: 293 ] وقيل: هو في موضعه، على معنى الحال.

وقيل: هو متصل بقوله: إذ لم أكن معهم شهيدا .

وقول المنافق : يا ليتني كنت معهم على وجه الحسد للمسلمين، أو الأسف على فوت الغنيمة، مع الشك في الجزاء من الله تعالى.

ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب : أوجب الله ـ تعالى ـ الجزاء على كل واحدة من الحالتين.

وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين أي: وفي المستضعفين; أي: في خلاصهم.

وقيل: وفي سبيل المستضعفين.

وقيل : (في) بمعنى: (عن) .

التالي السابق


الخدمات العلمية