التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

صفحة جزء
التفسير:

قوله تعالى: فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه قيل: هو لمن تقدم ذكره من السارق والسارقة، والمعنى على هذا عند أكثر العلماء: أن توبته تمحو عنه إثم فعله، ولا يسقط عنه الحد، وقد تقدم الاختلاف فيه.

وقيل: المراد به: الكفار، وتوبة الكافر تدرأ الحد عنه.

[ ص: 458 ] ألم تعلم أن الله له ملك السماوات : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: أمته.

وقيل: المراد به: اليهود الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة .

يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية:

قال مجاهد: يعني: المنافقين، قال: وقوله: ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يعني به: اليهود، ويعني: أنهم عيون لقوم آخرين لم يأتوك.

ابن عباس: معنى سماعون للكذب : قائلون له.

سماعون لقوم آخرين : أرسلوا بهم في قصة الزانيين .

يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه أي: إن أفتاكم محمد بالجلد; فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم; فلا تقبلوه.

قتادة: إنما كان ذلك في قتيل منهم، فقالوا: إن أفتاكم بالدية; فاقبلوا وإن أفتاكم بالقود; فاحذروه، قال: وكان القتيل من بني قريظة، قتله بنو النضير، وكانت النضير إذا قتلت قتيلا; أدت الدية، وإن قتل لهم قتيل; لم [ ص: 459 ] يرضوا إلا بالقود; فأرادوا أن يرفعوا أمر القتيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم منافق: إن قبلت منكم الدية; فأعطوها; فإن محمدا يحكم عليكم بالقود.

وقيل: إن معنى سماعون للكذب : سماعون من أجل الكذب; أي: إنما يسمعون منك; ليكذبوا عليك، روي ذلك عن الحسن، وقاله الزجاج.

وقيل: إن قوله: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر : نزل في أبي لبابة، حين أشار إلى بني قريظة إذ أرادوا أن ينزلوا على حكم سعد أنما هو الذبح.

وقيل: نزلت في عبد الله بن صوريا، حين ارتد عن الإسلام.

وقيل: إن السماعين للكذب: يهود فدك، والذين لم يأتوا: يهود المدينة.

ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا : أصل (الفتنة): الاختبار.

قال الحسن: معناها ههنا: العذاب.

السدي: المعنى: من يرد الله إضلاله.

الزجاج: المعنى: من يرد الله فضيحته بإظهار ما ينطوي عليه.

أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم : هذا بيان أن الله عز وجل قضى عليهم بالكفر.

[ ص: 460 ] لهم في الدنيا خزي قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم، ثم أحضرت التوراة، فوجدوا فيها الرجم.

وقوله: سماعون للكذب أكالون للسحت : يجوز أن يكون سماعون للكذب ، الثاني تأكيدا للأول، ويجوز أن يكون معنى الأول: يسمعون من أحبارهم تحريفهم، ومعنى الثاني: يسمعون ما تقول; ليكذبوا عليك.

و (السحت): الرشا، عن ابن مسعود وغيره، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: السحت: الرشوة في الحكم ، وعن ابن مسعود أيضا أنه قال: (السحت): أن يقضي الرجل لأخيه حاجة، فيهدي إليه هدية; فيقبلها.

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: (السحت): الرشوة في الحكم، ومهر البغي، وعسب [ ص: 461 ] الفحل، وكسب الحجام، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن، والاستجعال في المعصية.

وأصل (السحت): الاستئصال، أسحت الله المال إسحاتا، وسحته; إذا استأصله، فسمي ما يأخذونه من الرشا سحتا; لأنه يسحت أديانهم، ويؤديهم إلى عذاب الاستئصال، ومن جعل كسب الحجام وما ذكر معه سحتا; فمعناه: أنه يسحت مروءة آخذه.

وقوله تعالى: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك أي: من بعد حكم الله الذي في التوراة، وقيل: من بعد تحكيمهم إياك.

وفي هذه الآية، وفي قوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس دليل على أن شرائع الأنبياء المتقدمة لازمة لنا، ما لم تنسخ.

وما أولئك بالمؤمنين أي: من تولى عن حكم الله; فليس بمؤمن.

وقوله: فيها هدى ونور : (الهدى والنور): بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأحكام الحلال والحرام.

وقوله: يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا : [قيل: معنى [ ص: 462 ] الآية: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا ].

وقيل: المعنى: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، وعليهم)، فحذف (وعليهم) .

وقيل: (اللام) بمعنى: (على)، والمعنى: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، وكذلك قيل في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر بريرة: اشترطي لهم الولاء : إن معناه: عليهم، وكذلك قيل في قوله تعالى: وإن أسأتم فلها : معناه: فعليها.

ومعنى (أسلموا): استسلموا لأمر الله عز وجل، وانقادوا.

والربانيون والأحبار أي: ويحكم بها الربانيون والأحبار; وهم العلماء.

مجاهد: (الربانيون): فوق العلماء.

قال بعض أهل اللغة: معنى (الربانيين): أرباب العلم، والألف والنون للمبالغة.

وواحد (الأحبار): (حبر)، [مأخوذ من: التحبير; وهو التحسين، فهم يحبرون العلم.

[ ص: 463 ] الفراء: يقال للعالم: حبر]، وحبر، وسمي المداد حبرا على معنى: مداد حبر; لأنه يحبر به.

وقوله: بما استحفظوا من كتاب الله أي: بما استودعوا من علمه، والباء متعلقة بـ (الربانيين والأحبار)، كأنه قال: العلماء بما استحفظوا من علمه، أو تكون متعلقة بـ (يحكم) ; أي: يحكمون بما استحفظوا.

وكانوا عليه شهداء أي: شهداء على الحكم أنه من عند الله .

ابن عباس: شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة.

ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون : قال ابن عباس: هذا خاص فيمن جحد حكم الله تعالى.

وقيل: هو في اليهود خاصة; لجحودهم حكم الله تعالى، وعدولهم عن

أحكامه.

وقيل: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله، من المسلمين، ومن

[ ص: 464 ] اليهود، والكفار، قاله ابن مسعود، والحسن، وغيرهما، ومعنى هذا القول: أن يكون الحاكم بغير ما أنزل الله معتقدا استحلال ما فعله، فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه راكب محرما; فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه.

وقوله: وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم أي: على آثار النبيين الذين أسلموا.

وليحكم أهل الإنجيل بما أنـزل الله فيه : يجوز أن يكون مستأنفا، ويجوز أن يكون على إضمار القول; المعنى: وقلنا لهم: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه; ومعنى الآية: أنهم أمروا أن يحكموا بما في الإنجيل مما لم ينسخ بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه (المهيمن): الأمين، عن ابن عباس والحسن وغيرهما، وعن ابن عباس أيضا وابن جبير: معناه: مؤتمن، وهو بمعنى الأول.

قتادة: معناه: الشاهد، وقيل: الحافظ.

أبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن، فهو مهيمن; إذا كان حافظا له.

[ ص: 465 ] المبرد: أصله: مؤيمن، أبدل من الهمزة هاء.

والمراد بـ (المهيمن) ههنا في قول ابن عباس، والحسن، وغيرهما: الكتاب، وقال مجاهد: المراد به: النبي صلى الله عليه وسلم.

و (الشرعة) و (الشريعة): الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى [النجاة، و"الشريعة" في اللغة: الطريق الذي يتوصل به إلى] الماء.

و (المنهاج): الطريق المستبين، وهو النهج، والمنهج.

ابن عباس، والحسن، وغيرهما: شرعة ومنهاجا : سنة وسبيلا.

ومعنى الآية: أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد، ولا اختلاف فيه، روي معنى ذلك عن قتادة.

وقال مجاهد: (الشرعة والمنهاج): القرآن لجميع الناس.

واستدل بعض العلماء بهذه الآية: على أن شرائع الأنبياء غير لازمة لنا إلا أن نؤمر باتباعها، وهذا خلاف القول الذي قدمناه قبل هذا.

التالي السابق


الخدمات العلمية