التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

صفحة جزء
التفسير :

روي : أن عتبة بن ربيعة قال لقريش : أنا أستخبر لكم محمدا ، وكان قد قرأ الكتب ، وتعلم الكتابة والكهانة ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلمه بكلام كثير -وقد ذكرت بعضه في «الكبير » - فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة ، إلى أن بلغ : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ، فوثب عتبة ، ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وناشده الله إلا سكت ، فسكت ، وانصرف عتبة ، فأخبرهم أنه سمع ما لا يشبه كهانة ، ولا شعرا ، ولا سحرا ، وأنه خاف أن تنزل به الصاعقة .

وقوله : وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه : [(الأكنة ) جمع (كنان ) ؛ والمعنى : أنها مستورة عن فهمه .

وقوله : ومن بيننا وبينك حجاب : قيل : أرادوا أنهم يعبدون الأصنام ، [ ص: 8 ] وهو يعبد الله عز وجل ، وقيل : المعنى : ومن بيننا وبينك حجاب ، فنحن لا نسمع ما تدعونا إليه ] ، ولا نرى ما تريناه من الآيات .

وقوله : فاعمل إننا عاملون أي : اعمل في هلاكنا ، فإنا عاملون في مثل ذلك ، وقيل : المعنى : فاعمل بدينك ، إنا عاملون بديننا .

وقوله : وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي : لا يزكون أموالهم ، عن الربيع بن أنس .

ابن عمر : المعنى : لا يعطون التوحيد .

قتادة : لا يقرون بفرض الزكاة .

وقوله : لهم أجر غير ممنون أي : غير مقطوع ، وعن ابن عباس : غير منقوص ، وعن مجاهد : غير محسوب .

وقوله : قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين : قد تقدم القول في خلق السماوات والأرض .

وقوله : وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام : قال ابن زيد والحسن : أرزاق أهلها ، ومعايشهم .

قتادة : خلق جبالها ، وأنهارها ، وبحارها ، وأشجارها ، وسكانها .

وقوله : سواء للسائلين : [قال ابن عباس : من سأل : في كم خلق الله السماوات والأرض ؟ فقل له : في هذا ؛ فالمعنى : جوابا للسائلين ] .

[ ص: 9 ] الحسن : المعنى : في أربعة أيام مستوية تامة .

الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ؛ والمعنى : وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين ، واختاره الطبري .

وقوله : فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين أي : جئنا بما أحدثت فينا من خلقك طائعين ، روي معناه عن ابن عباس .

وقيل : جعل الله فيهما ما تميزان به ، فقالتا ذلك .

المبرد : هو إخبار عن الهيئة ؛ أي : صارتا على هيئة من قال ذلك .

وقيل : هو دلالة من الله عز وجل على سرعة الإجابة ، كما يقول القائل : افعل كذا ، فيقال له : قد فعلت ، وجاء الخبر عن السماء والأرض كالخبر عمن يعقل ؛ لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما .

فقضاهن سبع سماوات في يومين أي : أكملهن ، وفرغ منهن .

وأوحى في كل سماء أمرها أي : أوحى فيها ما أراده ، وما أمر به فيها .

قتادة : خلق شمسها ، وقمرها ، ونجومها ، وأفلاكها .

وقوله : فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أي : أنذرتكم أن يصيبكم مثل ما أصابهم .

إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم يعني : من أرسل إليهم ، وإلى من قبلهم .

[ ص: 10 ] فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا أي : شديدة السموم ، عن مجاهد .

قتادة : شديدة البرد ، وهو المعروف ؛ لأنه مأخوذ من (الصر ) ، وفي الخبر : «أنها كانت ريحا باردة ، تحرق كما تحرق النار » .

أبو عبيدة : معنى (صرصر ) : شديدة عاصفة ، و {نحسات} : مشائيم .

ابن عباس : متتابعات ، الضحاك : شداد .

وقوله : وأما ثمود فهديناهم أي : بينا لهم الهدى والضلال ، عن ابن عباس وغيره .

وقوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون : (الجلود ) يعني بها : الجلود بأعيانها في قول أكثر المفسرين ، وقال بعضهم : المراد بها ههنا : الفروج ، وهو قول الفراء .

وقوله : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم أي : من أن يشهد عليكم .

قال ابن مسعود : نزل هذا في ثلاثة نفر تساروا ، وقالوا : أترى أن الله يسمع إسرارنا ؟

وقوله : فإن يصبروا فالنار مثوى لهم أي : فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار ؛ فالنار مثوى لهم ، وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم ؛ [ ص: 11 ] فما هم من المعتبين .

وقيل : المعنى : فإن يصبروا في النار ، أو يجزعوا ؛ فالنار مثوى لهم ، ودل وإن يستعتبوا على الجزع ؛ لأن المستعتب جزع ، و (المعتب ) : المقبول عتابه .

وقوله : وقيضنا لهم قرناء أي : سببنا ، الحسن : خلينا بينهم .

و (القرناء ) : الشياطين ، عن مجاهد .

فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم أي : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا ، فحسنوه لهم ، حتى آثروه على الآخرة ، وما خلفهم : حسنوا لهم ما بعد مماتهم ، ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة ، عن مجاهد .

وقيل : المعنى : قيضنا لهم قرناء في النار ، فزينوا لهم أعمالهم في الدنيا ؛ والمعنى : قدرنا عليهم أن ذلك سيكون ، وحكمنا به عليهم .

وقيل : المعنى : أحوجناهم إلى الاقتران ؛ أي : أحوجنا الفقير إلى الغني ؛ لينال منه ، والغني إلى الفقير ؛ ليستعين به ، وقيض لهم ذلك ؛ ليتعاونوا به ، فزين بعضهم لبعض المعاصي .

ابن عباس : ما بين أيديهم : تكذيبهم بأمور الآخرة ، وما وما خلفهم :

[ ص: 12 ] التسويف ، والترغيب في الدنيا .

وقيل : ما بين أيديهم : ما عملوه ، و وما خلفهم : ما عزموا على أن يعملوه .

وقيل : المعنى : زينوا لهم مثل ما تقدم لهم قبل من المعاصي ، و وما خلفهم : ما يعمل بعدهم .

وقوله : وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم أي : وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين [من قبلهم ، الذين ] كفروا ككفرهم .

وقيل : {في} بمعنى : (مع ) ؛ فالمعنى : هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه .

وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه : قال ابن عباس : قال أبو جهل : إذا قرأ محمد ؛ فصيحوا في وجهه ؛ حتى لا يدري ما يقول .

قيل : إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن .

مجاهد : المعنى : والغوا فيه بالمكاء والتصفيق .

[ ص: 13 ] و (اللغو ) في اللغة : ما لا يعرف له حقيقة ، ولا تحصيل .

وقوله : ذلك جزاء أعداء الله النار أي : ذلك العذاب الشديد ، ثم بينه بقوله : {النار} .

وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس يعني : إبليس ، وابن آدم الذي قتل أخاه ، عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وغيرهما .

وقيل : هو بمعنى الجنس ، وأتى على التثنية ؛ لاختلاف الجنسين .

وقوله : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : استقاموا على ألا يشركوا بالله شيئا .

ابن زيد ، وقتادة : استقاموا على طاعة الله عز وجل .

وقوله : تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا يعني : البشارة التي عند الموت .

ابن عباس : هي بشرى تكون لهم من الملائكة في الآخرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية