السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
4780 (باب في الرجل الصالح يثنى عليه)

وذكره النووي في الجزء الخامس، وقال:

(باب إذا أثني على الصالح، فهو بشرى ولا تضره) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 189 ج19 المطبعة المصرية

[55 (عن أبي ذر) (قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ) ] [ ص: 418 ] وفي رواية: "ويحبه الناس عليه".


(الشرح)

قال أهل العلم: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير. وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه، ومحبته له، فيحببه إلى الخلق.

كما في الحديث الآخر: "ثم يوضع له القبول في الأرض".

قال النووي : هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه، وإلا فالتعرض مذموم. انتهى.

هذا آخر كتاب الجنائز. وتم به الجزء الثاني، من شرح النووي لمسلم.

ويتلوه الجزء الثالث، أوله: (كتاب الزكاة) .

واستحسنت أن أذكر هنا بعض ما فات من هذا الكتاب، من مسائله المتعلقة بالموت وما يناسبه، تتميما للفائدة، وتكثيرا للعائدة؛ فأقول: يجب على المريض التوبة، والتخلص عما عليه فورا. للأدلة من الكتاب والسنة، على وجوب التوبة، والتخلص عن الحقوق الواجبة.

نعم؛ إذا بلغ إلى حالة شدة المرض، لا يتذكر ما عليه إلا بتذكير، فذلك من الحاضرين عنده: من باب الموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف، الذي ندب الله سبحانه إليه العباد، وأمرهم به.

[ ص: 419 ] [ويؤمر ويوصى بأن العجز عن التخلص في الحال] .

وأصل الوصية: واجب في جميع الأحوال، إذا لم يتمكن من التخلص، ولو كان صحيحا.

فإن أمكن ذلك فهو الواجب، للحديث الصحيح، الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:

(ولا تدعها حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا) .

ولم يرد في التوجيه عند الموت إلى القبلة، ما يدل على مشروعيته، إلا حديث أبي قتادة:

( أن البراء بن معرور، أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصاب الفطرة") رواه الحاكم والبيهقي .

فإن صح، كان هذا دليلا على مشروعية ذلك. وقد ذكره في التلخيص، ولم يتكلم عليه.

ولو كان هذا مشروعا، لأرشد إليه صلى الله عليه وآله وسلم من مات في حياته.

ولم يسمع منه في ذلك شيء، مع كثرة الأموات من أهله وأصحابه.

فالأولى: أن يكون على شقه الأيمن، لا مستلقيا. لما ورد في أحاديث: [ ص: 420 ] من الإرشاد منه صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن يكون النوم على الشق الأيمن، وقال في حديث:

(فإن مت من ليلتك، مت على الفطرة) .

فينبغي: أن يكون المريض عند حضور الموت، على شقه الأيمن.

وأخرج أحمد في المسند، عن سلمى "أم أبي رافع":

(أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موتها، استقبلت القبلة، ثم توسدت يمينها) .

ولم يسمع في أيام النبوة ولا بعدها، بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمر بغسل كافر.

وما روي في غسل أبي طالب، فلم يثبت ذلك ثبوتا تقوم به الحجة.

وأيضا: هذا الغسل للميت، وهو حكم من أحكام الإسلام، فلا حظ فيه لمن لم يكن مسلما.

وقد قضت أحاديث بترك غسل الشهيد. وهي في الصحيح وغيره.

وبهذا القدر تقوم الحجة.

وكان في زمن النبوة وما بعدها، في عصر الصحابة: يغسل الرجل الرجال، والمرأة النساء.

وهذا أمر أوضح من الشمس.

وكانت عائشة تقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا نساؤه".

[ ص: 421 ] أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة .

وقد غسلت الصديق امرأته: أسماء بنت عميس. وغسل علي فاطمة "رضي الله عنهما".

وهو الصحيح المختار عند المحققين.

وقد كان الزوج في أيام النبوة وما بعدها، يكفن زوجته.

وفي حديث عائشة : ( قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو مت قبلي، لغسلتك وكفنتك ) .

ولم يسمع عن أحد منهم أنه قال: قد انقطع النكاح، وذهب موجب حسن العشرة. كما يقول الجامدون على الرأي.

ولم يرد ما يدل على أن مساجد الميت، أولى بالطيب من غيرها. بل الأعضاء مستوية في ذلك.

وقد ثبت في البخاري وغيره: ( أنها لما ماتت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، زوجة عثمان: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبر، وقال: "هل من أحدكم يقارف الليلة؟" فقال أبو طلحة: أنا. قال: "فأنزلها في قبرها" .) .

[ ص: 422 ] وفي رواية لأحمد عن أنس: (أنها رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجة عثمان) .

فقد واراها ونزل قبرها أبو طلحة، مع حضور زوجها ووالدها.

ولم يرد في حل العقود شيء. والاقتداء بما ثبت في الشريعة، أولى من ابتداع ما ليس منها.

وفي الستر على القبر عند دفن المرأة، حديث عبد الله بن زيد:

قال: لا تبسطوا الثوب، إنما يصنع هذا بالنساء . أخرجه سعيد في سننه. والطبراني، وقال: (إنه لم يدعهم يمدون ثوبا. وقال: هكذا السنة) .

وأحاديث: (حتى ثلاث حثيات من الشراب) ، وردت بطرق بعضها يقوي بعضا. فدلت على أن لذلك أصلا في الشريعة.

وفي سل الميت عن مؤخر القبر، قول ابن زيد، في الحديث المذكور: (هذا من السنة) .

وهو عند أبي داود أيضا. ورجاله رجال الصحيح.

وأما ما شرع من الأكبر: فأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة . من حديث ابن عمر؛ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كان إذا وضع الميت في القبر. قال: "بسم الله، وعلى ملة رسول الله".) [ ص: 423 ] وفي لفظ: "وعلى سنة رسول الله".

وأخرجه أيضا ابن حبان، والحاكم.

وفي حديث أبي أمامة قال: (لما وضعت أم كلثوم، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال ابن حجر : وسنده ضعيف.

والثابت في هذه الشريعة ثبوتا قطعيا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يجعل لكل ميت حفرة مستقلة. وكان هذا معلوما، لا ينكره أحد.

ووقع منه صلى الله عليه وآله وسلم: جمع جماعة في قتلى أحد للضرورة؛ وتضييق الحادثة، فليقتصر على الضرورة.

ولكن الجمع فيما عدا الضرورة خلاف الشريعة، والكراهة أقل ما يتصف به.

وأما الجمع للتبرك، فلم يرد في هذا شيء.

وينبغي التعزية عند الموت، أو عند حضور علاماته، أو بعد الموت.

لأن التعزية هي التسلية.

[ ص: 424 ] وقد وردت في فضلها أحاديث: كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:

"ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة". أخرجه ابن ماجة، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم . وكل رجاله ثقات، إلا أبا عمارة ففيه لين.

وينبغي أن تكون التعزية، مما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم، في الصحيحين وغيرهما، من حديث أسامة بن زيد: (إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى) .

وهذا لا يقتصر على السبب. بل كل شخص يصلح أن يقال له وفيه ذلك. والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية