السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
1628 (باب ما فيه الزكاة بين الأموال: العين والحرث، والماشية)

وذكره النووي في: (كتاب الزكاة)

قال المازري: قد أفهم الشرع أن الزكاة وجبت للمواساة، ولا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب.

ثم جعلها في الأموال الثابتة، وهي العين، والزرع، والماشية.

وأجمعوا على وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها كالعروض. انتهى.

والحاصل: أن الزكاة تجب في العين، ثم في الجنس، ثم القيمة حال الصرف .

[ ص: 433 ] وذلك للأدلة، الدالة على وجوب الزكاة في العين. كما ستأتي.

فإذا تلفت العين، فالعدول إلى الجنس: هو أقرب إلى العين من القيمة.

لأن جنس الشيء يوافقه في غالب العين، فالعدول إلى الجنس هو أقرب إلى العين من القيمة.

لأن ذلك غاية ما يمكن، من التخلص عن واجب الزكاة.

ولا يكمل جنس بجنس، لأن اعتبار النصاب، هو في كل جنس. على حدة.

فمن زعم أنه: إذا حصل خمسة أوسق من جنسين وجبت الزكاة، فعليه الدليل.

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 52-53، ج 7 المطبعة المصرية

[عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة] .


(الشرح)

(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في حب ولا تمر صدقة) بفتح التاء الفوقية، وإسكان الميم.

وفي رواية: (ثمر) بفتح المثلثة، وفتح الميم.

[ ص: 434 ] (حتى يبلغ خمسة أوسق) . جمع (وسق) . فيه لغتان: فتح الواو، وهو المشهور. وكسرها.

وأصله في اللغة: الحمل. والمراد به هنا: ستون صاعا، كل صاع: خمسة أرطال وثلث، بالبغدادي.

وفي " رطل بغداد " أقوال. أظهرها أنه: (مائة درهم، وثمانية وعشرون درهما، وأربعة أسباع درهم) .

وقيل: (مائة وثمانية وعشرون) ، بلا أسباع.

وقيل: (مائة وثلاثون) .

فالأوسق الخمسة: (ألف وستمائة رطل، بالبغدادي) .

قال النووي : وهل هذا التقدير بالأرطال، تقريب أم تحديد؟

فيه وجهان: أصحهما: "تقريب". فإذا نقص عن ذلك يسيرا، وجبت الزكاة.

والثاني: تحديد. فمتى نقص شيئا وإن قل، لم تجب الزكاة. انتهى.

وأقول: أصحهما: هذا الثاني دون الأول. وهو الموافق بظاهر لفظ الحديث: أوله وآخره.

وكون (الوسق) ستين صاعا، يدل عليه ما أخرجه أحمد، وابن ماجة، من حديث أبي سعيد:

[ ص: 435 ] (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الوسق ستون صاعا".)

وأخرجه أيضا الدارقطني، وابن حبان .

وأخرجه أيضا النسائي، وأبو داود، وابن ماجة . من طريق أخرى عن أبي سعيد.

قال أبو داود: وهو منقطع. لم يسمع أبو البختري عن أبي سعيد.

وأخرج البيهقي نحوه، من حديث ابن عمر .

وأخرج أيضا نحوه ابن ماجة، من حديث جابر . وإسناده ضعيف.

قال ابن حجر : وفيه عن عائشة، وسعيد بن المسيب.

قال النووي : وفي هذا الحديث فائدتان: " إحداهما ": وجوب الزكاة في هذه المحدودات.

" الثانية ": أنه لا زكاة فيما دون ذلك.

ولا خلاف بين المسلمين في هاتين، إلا ما قال أبو حنيفة، وبعض السلف: أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره.

قال: وهذا مذهب باطل، منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة.

قال: وكذلك أجمعوا فيما زاد في الحب والتمر، أنه يجب فيما زاد على خمسة أوسق بحسابه، وأنه لا أوقاص فيها.

قال الشوكاني في (السيل الجرار) : اعتبار النصاب في زكاة ما أخرجت الأرض، وهو: أن يكون خمسة أوسق ، فذلك للدليل الصحيح، المتلقي [ ص: 436 ] بالقبول، من جميع طوائف أهل الإسلام.

فهم بين عامل به، ومتأول له، وهو حديث أبي سعيد "يعني: حديث الباب"، في الصحيحين وغيرهما.

وهو حجة ظاهرة، في أنه لا زكاة فيما دون الخمسة الأوسق.

ولم يصب من أوجبها، في قليل ما أنبتت الأرض وكثيره، عملا بالأحاديث المصرحة بأن: (فيما سقت السماء والعيون " العشر ". وفيما سقي بالنضح نصف العشر) ؛ لأنه عمل بالعام، وترك العمل بالخاص.

والجمع بينهما واجب. بأن يبني العام على الخاص.

وهذا أمر متفق عليه، عند أئمة الأصول في الجملة.

فمن خالف ذلك في الفروع، فإن كان يعدم علمه بالخاص، فقد أتي من قبل تقصيره.

وكيف يكون مجتهدا، من جهل مثل هذا الحكم ؟!

وإن كان قد علم به ولم يعمل به، فالحجة عليه قائمة بالدليل الصحيح.

قال: والخارج من الأرض، يجب إخراج زكاته عند حصاده، إن كان خمسة أوسق، وكان مما تجب فيه الزكاة.

ولم يسمع في أيام النبوة، ولا في أيام الصحابة: أنه اعتبر الحول فيما يخرج من الأرض.

[ ص: 437 ] بل كانوا يزكون الخارج عند حصاده، إذا كمل نصابه. انتهى.

(ولا فيما دون خمس ذود صدقة) .

الرواية المشهورة، بإضافة " خمس " إلى " ذود ".

وروي بتنوين " خمس "، ويكون " ذود " بدلا منه. حكاه ابن عبد البر، والقاضي، وغيرهما. والمعروف الأول.

"ونقلاها" عن الجمهور.

قال أهل اللغة: "الذود": من الثلاثة إلى العشر. لا واحد له من لفظه.

إنما يقال في الواحدة: "بعير".

وكذلك: (النفر، والرهط، والقوم، والنساء) ، وأشباه هذه الألفاظ.

وهو كقوله: "خمس أبعرة". "وخمسة جمال ". " وخمس نوق ". " وخمس نسوة ".

قال سيبويه: تقول: "ثلاث ذود"؛ لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسر عليه مذكره.

ثم الجمهور على أن الذود: من ثلاثة إلى العشرة. وقال أبو عبيد: ما بين ثلاث إلى تسع. وهو مختص بالإناث.

وقال الأصمعي : "الذود": ما بين الثلاث إلى العشرة "والصبة": خمس أو ست. "والصرمة ": ما بين العشرة إلى العشرين. "والعكرة": ما [ ص: 438 ] بين العشرين إلى الثلاثين. "والهجمة": ما بين الستين إلى السبعين.

"والهنية" مائة. "والحظر": نحو مائتين. "والعرج": من خمسمائة إلى ألف.

وقال أبو عبيدة، وغيره: "الصرمة": ما بين العشر إلى الأربعين.

وأنكر ابن قتيبة أن يقال: خمس ذود. كما لا يقال: خمس ثوب.

وغلطه العلماء. بل هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح، ومسموع من العرب، ومعروف في كتب اللغة، وليس هو جمعا لمفرد. بخلاف الأثواب.

قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: "خمس ذود" لخمس من الإبل. و"ثلاث ذود" لثلاث من الإبل. "وأربع ذود" و"عشر ذود" على غير قياس.

كما قالوا: ثلاثمائة، وأربعمائة. والقياس: "مئين ومئات". ولا يكادون يقولونه.

وقد ضبطه الجمهور: "خمس ذود". ورواه بعضهم: "خمسة ذود". وكلاهما لرواة كتاب مسلم. والأول أشهر.

وكلاهما صحيح في اللغة. فإثبات الهاء لانطلاقه على المذكر والمؤنث.

ومن حذفها، قال الداودي: أراد أن الواحدة منه فريضة.

(ولا فيما دون خمس أواقي صدقة) .

هكذا في هذه الرواية بالياء. وفي سائر ما بعدها: (أواق) بحذف الياء.

[ ص: 439 ] وكلاهما صحيح.

قال أهل اللغة: "الأوقية"، بضم الهمزة وتشديد الياء. وجمعها: (أواقي) بتشديد الياء وتخفيفها، (وأواق) بحذفها.

قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع " واحدا مشددا"، جاز في جمعه: التشديد والتخفيف.

كالأوقية والأواني. والسرية، والسراري، والختية، والعلية، والأثفية ونظائرها.

وأنكر جمهورهم، أن يقال في الواحدة: "وقية"، بحذف الهمزة.

وحكى اللحياني: جوازها بحذف الواو وتشديد الياء. وجمعها: "وقايا".

قال النووي : أجمع أهل الحديث، والفقه، وأئمة أهل اللغة، على أن الأوقية الشرعية: أربعون درهما. وهي: أوقية الحجاز.

قال عياض : ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم، مجهولة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع به البياعات والأنكحة. كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.

قال: وهذا يبين، أن قول من زعم: أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة [ ص: 440 ] وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانيق: قول باطل.

وإنما معنى ما نقل من ذلك، أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف. بل كانت مجموعات: من ضرب فارس والروم. وصغارا وكبارا. وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية؛ فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنا واحد لا يختلف، وأعيانا، لتغني فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم.

قال عياض : ولا شك أن الدراهم، كانت حينئذ معلومة.

وإلا، فكيف كانت تعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها، وحقوق العباد؟

ولهذا كانت الأوقية معلومة.

قال النووي : قال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول، على التقدير بهذا الوزن المعروف.

وهو أن الدرهم: ستة دوانيق. وكل عشرة دراهم: سبعة مثاقيل. ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام.

وأقول: إن ثبت في المثقال، والدينار، والدرهم، ونحوها حقيقة شرعية كان الواجب الرجوع إليها، والتفسير بها.

[ ص: 441 ] وإن لم يثبت: وجب الرجوع في تقدير هذه الأشياء، إلى ما ذكره أهل اللغة. ولا يصح تفسيرها بالاصطلاح الحادث. لاسيما مع اضطرابها واختلافها.

وفي حديث: (الميزان ميزان أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة) : ما يرشد إلى الرجوع إليهما، في هذين الأمرين. والاعتبار ما كان الميزان عليه، عند أهل مكة. وما كان المكيال عليه، عند أهل المدينة. في وقت النبوة.

وقد أخرج هذا الحديث أبو داود، والنسائي، والبزار: من رواية طاوس عن ابن عمر .

وصححه ابن حبان، والدارقطني، والثوري، وابن دقيق العيد.

فالاعتبار في الوزن، الذي تتعلق به الزكاة: وزن أهل مكة. وكذا الاعتبار بالكيل، الذي تتعلق به الزكاة: كيل أهل المدينة. عملا بهذا الحديث.

وهو مقدم على ما في كتب اللغة وغيرها.

وقد أوضح أهل العلم: مقدار الوزن والكيل، في مكة والمدينة في ذلك الوقت. فلا نطول الكلام بذكره.

وإلى هذا، ذهب العلامة الشوكاني في (السيل الجرار) . وقال به فيه. والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية