السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
2543 باب استئمار الأيم والبكر في النكاح

وقال النووي: (باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت ).

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص202 ج9 المطبعة المصرية

[عن يحيى بن أبي كثير. حدثنا أبو سلمة. حدثنا أبو هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر. ولا تنكح البكر، حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها ؟ قال: "أن تسكت" . ].


(الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه ; (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر" ).

[ ص: 159 ] قال عياض: اختلف العلماء في المراد "بالأيم" هنا، مع اتفاق أهل اللغة، على أنها تطلق على "امرأة لا زوج لها" صغيرة كانت، أو كبيرة. بكرا كانت، أو ثيبا. قاله إبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي، وغيرهما.

والأيمة في اللغة: العزوبة. ورجل أيم، "وامرأة أيم". وحكى أبو عبيد أنه: "أيمة" أيضا.

قال: ثم اختلف في المراد بها هنا ;

فقال علماء الحجاز والفقهاء كافة: المراد: "الثيب". واستدلوا بأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى: "بالثيب"، وبأنها جعلت مقابلة "للبكر"، وبأن أكثر استعمالها في اللغة: "للثيب".

وقال الكوفيون وزفر: "الأيم هنا": كل امرأة لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيبا. كما هو مقتضاه في اللغة.

قالوا: فكل امرأة بلغت، فهي أحق بنفسها من وليها. وعقدها على نفسها "النكاح" صحيح. وبه قال الشعبي والزهري.

قالوا: وليس الولي من أركان صحة النكاح، بل من تمامه.

[ ص: 160 ] وقال الأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: تتوقف صحة النكاح على إجازة الولي.

قال عياض: واختلفوا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحق من وليها" أيضا، هل هي أحق بالإذن فقط ؟ أو بالإذن والعقد على نفسها ؟.

فعند الجمهور: بالإذن فقط.

وعند هؤلاء: بهما جميعا.

(ولا تنكح البكر، حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها ؟ قال: "أن تسكت" ).

وفي رواية أخرى: "وإذنها صماتها".

وفي أخرى: "وإذنها سكوتها".

والصمات، بضم الصاد: هو السكوت.

عبر للأيم: بالاستئمار. والبكر: بالاستئذان.

فيؤخذ منه فرق بينهما: من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة. ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها. فإذا صرحت بمنعه: امتنع اتفاقا.

[ ص: 161 ] والبكر بخلاف ذلك.

والإذن ; دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول. هكذا في الفتح.

ويعكر عليه، ما في رواية ابن عباس ; من "أن البكر يستأذنها أبوها ; وأن اليتيمة تستأمر "وصمتها: إقرارها".

وفي حديث عائشة: "إن البكر تستأمر". وكذلك في حديث أبي موسى، وأبي هريرة.

وقد استدل بحديث الباب، على أن اعتبار الرضا: من المرأة التي يراد تزويجها. وأنه: لابد من صريح الإذن من الثيب، ويكفي السكوت من البكر.

والمراد بالبكر، التي أمر الشارع باستئذانها: هي البالغة. إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة، لأنها ما تدري ما الإذن.

قال ابن المنذر: يستحب إعلام البكر: أن سكوتها إذن.

لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذن، لم يبطل العقد بذلك، عند الجمهور.

وأبطله بعض المالكية.

[ ص: 162 ] وخص بعض الشافعية: الاكتفاء بسكوت البكر البالغ: بالنسبة إلى الأب والجد، دون غيرهما.

والصحيح الذي عليه الجمهور: استعمال الحديث، في جميع الأبكار.

وظاهر حديث الباب: أن البكر البالغة، إذا تزوجت بغير إذنها: لم يصح العقد. وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، والحنفية. وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم.

والظاهر: أن استئذان الثيب والبكر: شرط في صحة العقد، لرده صلى الله عليه وآله وسلم: نكاح خنساء بنت خدام. وكذلك تخييره للجارية، كما في حديث ابن عباس وابن عمر. وفي حديث الباب، لما فيه من النهي.

قال في السيل الجرار: والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وهي تفيد أنه لا يصح نكاح من لم ترض: بكرا كانت أو ثيبا. انتهى.

التالي السابق


الخدمات العلمية