السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
2645 باب: الولد للفراش

وزاد النووي : (وتوقي الشبهات) .

ولفظ المنتقى: (باب: الولد للفراش، دون الزاني) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 36-37 جـ 10 المطبعة المصرية

[عن عائشة أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول الله! ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله! ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة! بنت زمعة [ ص: 445 ] قالت: فلم ير سودة قط. ولم يذكر محمد بن رمح قوله: يا عبد].


(الشرح)

(عن عائشة "رضي الله عنها"; أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة: في غلام. فقال سعد: هذا، يا رسول الله ! ابن أخي: "عتبة بن أبي وقاص"، عهد إلي: أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي، يا رسول الله ! ولد على فراش أبي، من وليدته) .

فيه: دلالة على أنه يجوز لغير الأب: أن يستلحق الولد، مثل استلحاق "عبد" للأخ. وكذلك للوصي: الاستلحاق. لأنه صلى الله عليه وآله وسلم: لم ينكر على سعد الدعوى المذكورة.

قال في النيل: وقد أجمع العلماء: على أن للأب: أن يستلحق.

واختلفوا في الجد.

(فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة) .

قال النووي : فيه: دليل على أن الشبه وحكم القافة، إنما يعتمد إذا لم يكن هناك أقوى منه، كالفراش. كما لم يحكم صلى الله عليه وآله وسلم بالشبه، في قصة المتلاعنين. مع أنه جاء على الشبه المكروه.

واحتج بعض الحنفية ومرافقيهم، بهذا الحديث: على أن الوطء [ ص: 446 ] بالزنا: له حكم الوطء بالنكاح، في حرمة المصاهرة. وبهذا قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد.

وقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا. بل للزاني: أن يتزوج أم المزني بها، وبنتها. بل زاد الشافعي: فجوز نكاح البنت المتولدة من مائه بالزنا.

قالوا: ووجه الاحتجاج به: أن سودة أمرت بالاحتجاب. وهذا احتجاج باطل. والعجب ممن ذكره. لأن هذا على تقدير كونه: من الزنا، وهو أجنبي من سودة، لا يحل لها الظهور له، سواء ألحق بالزاني أم لا. فلا تعلق له بالمسألة المذكورة. انتهى.

(فقال هو لك يا عبد !) اللام للتمليك. ويؤيده: أمره صلى الله عليه وآله وسلم لسودة بالاحتجاب منه. ولو كان أخا لها: لم تؤمر به.

وقيل: اللام للاختصاص. ويؤيده: قوله: "هو أخوك يا عبد!". وأمره لسودة بالاحتجاب: على سبيل الاحتياط، والورع، والصيانة، لأمهات المؤمنين. لما رآه من الشبه بعتبة. قال ابن القيم: أو يكون مراعاة للشيئين، وإعمالا للدليلين. فإن الفراش: دليل لحوق النسب. والشبه بغير صاحبه: دليل نفيه. فأعمل أمر الفراش، بالنسبة إلى المدعي. وأعمل الشبه بعتبة، بالنسبة إلى ثبوت المحرمية [ ص: 447 ] بينه وبين سودة. قال: وهذا من أحسن الأحكام، وأبينها، وأوضحها. ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه. انتهى.

(الولد للفراش، وللعاهر الحجر) .

هذا الحديث: أعني: "الولد للفراش" روي من طريق: بضعة وعشرين نفسا من الصحابة، كما أشار إليه الحافظ.

واختلف في معنى "الفراش"؟ فذهب الأكثر: إلى أنه: اسم للمرأة. وقد يعبر به عن حالة الافتراش.

وقيل: إنه: اسم للزوج. روي ذلك عن أبي حنيفة "رحمه الله".

قال جرير:

باتت تعانقه وبات فراشها

.

وفي القاموس: إن الفراش: زوجة الرجل. قيل: ومنه: { وفرش مرفوعة }) . والجارية: يفترشها الرجل. انتهى.

وأما العاهر، فقال أهل العلم: الزاني. وعهر: زنى. وعهرت: زنت.

والعهر: الزنا. قيل: ويختص ذلك بالليل.

وفي القاموس: أتاها ليلا، للفجور. أو نهارا. انتهى.

ومعنى "له الحجر": أي: لا شيء له في الولد. تقول العرب:

له الحجر. وبفيه التراب. يريدون: ليس له إلا الخيبة.

[ ص: 448 ] وقيل: المراد: أنه يرجم بالحجارة إذا زنى. ولكنه لا يرجم كل زان، بل المحصن فقط. ولهذا، قال النووي : وهذا ضعيف. ولأنه: لا يلزم من رجمه في الولد. والحديث إنما ورد في نفيه عنه. انتهى.

وظاهر الحديث: أن الولد إنما يلحق بالأب، بعد ثبوت الفراش. وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في النكاح الصحيح، أو الفاسد. وإليه ذهب الجمهور.

وعن أبي حنيفة: أنه يثبت بمجرد العقد. قال الشوكاني: ولا شك:

أن اعتبار مجرد العقد، في ثبوت الفراش: جمود ظاهر.

وذهب ابن تيمية إلى أنه: لا بد من معرفة الدخول المحقق، وذكر: أنه: أشار إليه أحمد. ورجحه ابن القيم.

وظاهر الحديث أيضا: أن فراش الأمة، كفراش الحرة. لأنه يدخل تحت عموم الفراش. وحديث الباب نص في ذلك. فإن النزاع بين عبد وسعد، في ابن وليدة زمعة. وأطال النووي في هذه المسائل. فراجع.

(واحتجبي منه يا سودة ! بنت زمعة. قالت: فلم ير سودة قط) .

هذا الحديث: رواه الجماعة إلا الترمذي.

[ ص: 449 ] قال النووي : أمرها به ندبا واحتياطا، لأنه في ظاهر الشرع أخوها، لأنه ألحق بأبيها، لكن لما رأى الشبه البين بعتبة: خشي أن يكون من مائه، فيكون أجنبيا منها. فأمرها بالاحتجاب منه احتياطا.

قال المازري: وزعم بعض الحنفية: أنه إنما أمرها بالاحتجاب، لأنه جاء في رواية: "فإنه ليس بأخ لك". وهذا لا يعرف في هذا الحديث. بل هي زيادة باطلة مردودة. انتهى.

قلت: طعن البيهقي في إسنادها. وقال: فيها "جرير"، وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. وفيها: "يوسف" مولى آل الزبير، وهو غير معروف.

قال عياض : كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا. وكانوا يستأجرون الإماء للزنا. فمن اعترفت الأم بأنه له: ألحقوه به. فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وبإلحاق الولد بالفراش الشرعي. فلما تخاصم عبد وسعد، وقام سعد مما عهد إليه أخوه عتبة: من سيرة الجاهلية، ولم يعلم سعد بطلان ذلك في الإسلام، ولم يكن حصل إلحاقه في الجاهلية: إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأم لم تعترف به لعتبة.

واحتج عبد: بأنه ولد على فراش أبيه، فحكم له به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. انتهى.

قال النووي : وفي هذا الحديث: أن حكم الحاكم لا يحيل الأمر في [ ص: 450 ] الباطن. فإذا حكم بشهادة شاهدي زور، أو نحو ذلك: لم يحل المحكوم به للمحكوم له.

وموضع الدلالة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم: حكم به لعبد بن زمعة. وأنه أخ له ولسودة.

واحتمل بسبب الشبهة: أن يكون من عتبة. فلو كان الحكم يحيل الباطن: لما أمرها بالاحتجاب. والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية