السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
2634 باب في خمس رضعات

وذكره النووي في : (كتاب الرضاع) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم النووي ص 29 ج 10 المطبعة المصرية

[عن عائشة "رضي الله عنها" أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي فيما يقرأ من القرآن) .

وفي رواية : (نزل في القرآن : عشر رضعات معلومات) . ثم نزل أيضا : "خمس معلومات".].


[ ص: 476 ] (الشرح)

والمعنى : أن النسخ بخمس رضعات ، تأخر جدا إنزاله ، حتى إنه : توفي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعض الناس يقرأ : " خمس رضعات " فيجعلها قرآنا متلوا ، لكونه : لم يبلغه النسخ ، لقرب عهده . فلما بلغهم النسخ بعد ذلك : رجعوا عن ذلك ، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى .

والنسخ ثلاثة أنواع ;

أحدها : ما نسخ حكمه وتلاوته ، "كعشر رضعات". .

والثاني : ما نسخت تلاوته دون حكمه ، " كخمس رضعات " . وكالشيخ والشيخة ، إذا زنيا فارجموهما .

والثالث : ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته ، وهذا هو الأكثر . ومنه : قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ) الآية . والله أعلم .

قاله النووي .

وأما الكلام في المسألة ; فاعلم : أن الرضاع المقتضي للتحريم ، ورد [ ص: 477 ] مطلقا . كما في قوله سبحانه وتعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ، في الحديث المتفق عليه : " يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم " . وفي لفظ : " من النسب " . ونحو ذلك من الأحاديث الواردة بهذا المعنى .

ثم ورد : تقييد هذا الرضاع المطلق ، بقيود وردت بها السنة ;

فمنها : حديث " عائشة " عند مسلم ، وغيره : (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : "لا يحرم المصة ولا المصتان ") وأخرج مسلم وغيره ، من حديث أم الفضل : (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أتحرم المصة؟ فقال : " لا تحرم الرضعة والرضعتان ، والمصة والمصتان ") . وفي لفظ لمسلم وغيره ، من حديثها : ما تقدم . وأخرج أحمد ، والنسائي ، والترمذي ، من حديث عبد الله بن الزبير : (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لا تحرم من الرضاعة : المصة والمصتان ") . قال الترمذي : الصحيح عن أهل الحديث ، من رواية ابن الزبير عن عائشة : كما في الحديث الأول . ورواه النسائي من حديث أبي هريرة .

[ ص: 478 ] فهذه الأحاديث : تدل على أن المصة والمصتين ، لا تقتضيان التحريم . فهذا : التقييد الأول ، مما قيدت به تلك الإطلاقات .

التقييد الثاني : ما أخرجه الترمذي والحاكم ، وصححاه ، من حديث أم سلمة : (قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "لا يحرم من الرضاع : إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ، وكان قبل الفطام ") .

ومعنى : " فتق الأمعاء في الثدي " : أي : في أيام الثدي . وذلك حيث يرضع الصبي منها . وأخرج سعيد بن منصور ، والدارقطني ، والبيهقي ، وابن عدي : (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا رضاع إلا ما كان في حولين ") . وأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده ، من حديث جابر ، (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : " لا رضاع بعد فصال ، ولا يتم بعد احتلام ") .

فهذه الأحاديث : تدل على أن الرضاع الواقع بعد الحولين : لا حكم له ، ولا يقتضي التحريم .

التقييد الثالث : ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، من حديث عائشة ، (قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعندي رجل . فقال : "من هذا ؟ قلت : أخي من الرضاعة . فقال [ ص: 479 ] "يا عائشة : انظرن من إخوانكن ؟ فإنما الرضاعة من المجاعة") .

فهذا الحديث : يدل على أن الرضاع ، إذا وقع بغير مجاعة من الصبي : لم يثبت حكمه .

التقييد الرابع : ما أخرجه أبو داود ، من حديث ابن مسعود ، مرفوعا : "لا رضاع إلا ما أنشر العظم ، وأنبت اللحم " . ولكن في إسناده : مجهولان ، فلا تقوم به حجة .

التقييد الخامس : " وعليه تدور الدوائر ، وبه يجتمع شمل الأحاديث ; مطلقها ومقيدها " ، وهو ما ثبت في صحيح مسلم وغيره ، من حديث عائشة هذا . وله ألفاظ . وقد أخرج البخاري من حديثها : نحو ما في الباب . وأخرج مالك في الموطأ ، وأحمد ; من حديثها : (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال لسهلة . في قصة سالم :"أرضعيه خمس رضعات : تحرمي عليه") .

فهذا : يدل على أنها : لا تحرم إلا خمس رضعات . ولا يعارضه حديث : "لا تحرم المصة والمصتان ". لأن غاية ما فيه : الدلالة بالمفهوم : على أن ما فوقها يحرم . وحديث " الخمس" بمفهومه : على أن ما دون الخمس : لا يحرم . [ ص: 480 ] وكلاهما مفهوم عدد . لكنه يقوي حديث الخمس : أنه مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو قرآن يتلى .

ويقويه أيضا : أنه قد ذهب جماعة من أئمة البيان ، كالزمخشري في "الكشاف" : إلى أن الإخبار بالجملة الفعلية المضارعة : يفيد الحصر . ومفهوم الحصر : أرجح من مفهوم العدد .

ويقويه أيضا : ما أخرجه ابن ماجه ، من حديثها ، بلفظ: "لا يحرم إلا عشر رضعات ، أو خمس " . وهذه الصيغة ، تقتضي : " الحصر".

وإذا عرفت رجحان ما دل على أنه : لا يحرم إلا الخمس . وأن العشر منسوخة ، فلا يعارضه : ما دل على اعتبار الحولين ، بل يجمع بينهما : بأن الخمس في الحولين .

ولا يعارضه : ما دل على أن الرضاعة من المجاعة ، بل يجمع بينهما :

أنه يرضع الخمس في وقت الحاجة إليها.

ولا يعارضه أيضا : حديث : " الرضاع ما فتق الأمعاء " . لأن من المعلوم : أن الخمس الرضعات ، يفتقها بعضها

.ولا يعارضه أيضا : حديث : "لا رضاع إلا ما أنشر العظم ، وأنبت اللحم " ، على فرض صحته ، لأن الخمس الرضعات : لمن هي طعامه وشرابه : يؤثر في ذلك ، وإن لم يظهر للعيان

. [ ص: 481 ] وإذا تقرر لك هذا الجمع بين شمل الأحاديث : فاعلم أن حديث أم سلمة لعائشة : (إنه يدخل عليك الغلام الأيفع ، الذي ما أحب أن يدخل علي . فقالت عائشة : أما لك في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة ؟ وقالت : إن امرأة أبي حذيفة قالت : يا رسول الله ! إن سالما يدخل علي ، وهو رجل . وفي نفس أبي حذيفة منه شيء ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أرضعيه حتى يدخل عليك ") . أخرجه مسلم وغيره.

وهذا الحديث : قد رواه أمهات المؤمنين ، وغيرهن من الصحابة.

ورواه الجمع الجم من التابعين ، وهكذا من بعدهم . حتى قال بعض الأئمة : إن هذه السنة : بلغت رواتها نصاب التواتر.

والحاصل : أنه خاص ، يوقف على مثل من عرض له تلك الحاجة ، واحتاج إلى أن يدخل على امرأته : من لا يستغني عن دخوله بيته ، وتردده في حاجاته ومصالحه.

ومن رده بلا برهان ، فقد انتصب للرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى الشريعة المطهرة .

ومن قصره على سالم فقط ، فقد جاء مما لا يعقل ، ولا يوافق القواعد المقررة في الأصول.

وأجاب في "شرح المنتقى" : على كل إيراد ، أورده على خمس رضعات.

فراجع .

التالي السابق


الخدمات العلمية