السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
3185 [ ص: 313 ] باب دية المرأة يضرب بطنها فتلقي جنينها وتموت ودية الجنين

وقال النووي : ( باب دية الجنين ، ووجوب الدية في قتل الخطإ ، وشبه العمد : على عاقلة الجاني ) .

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 177 ج 11 المطبعة المصرية

عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت، إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن دية جنينها، غرة: عبد أو وليدة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها، ومن معهم فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل. ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هذا من إخوان الكهان". من أجل سجعه الذي سجع .


[ ص: 314 ] (الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه : (قال : اقتتلت امرأتان من هذيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ، وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن دية جنينها غرة : عبد ، أو وليدة ) .

الجنين " بوزن " عظيم " : هو حمل المرأة ما دام في بطنها. سمي بذلك لاستتاره. فإن خرج حيا ، فهو "ولد". أو ميتا ، فهو "سقط". وقد يطلق عليه : "جنين ".

قال الباجي : " الجنين " : ما ألقته المرأة ، مما يعرف أنه ولد ، سواء كان ذكرا أم أنثى. ما لم يستهل صارخا. " والغرة " بضم المعجمة وتشديد الراء : أصلها : البياض في وجه الفرس. قال الجوهري : كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله. كما قالوا : أعتق رقبة.

وقوله : "عبد أو وليدة ". وفي رواية : " أو أمة": تفسير للغرة. قال الإسماعيلي : قراءة العامة بالإضافة. وغيرهم بالتنوين. وقال عياض التنوين : أوجه. لأنه بيان للغرة ما هي. وتوجيه الإضافة : أن الشيء قد يضاف إلى نفسه ، لكنه نادر.

[ ص: 315 ] وقال صاحب المطالع : الصواب : رواية التنوين.

" وأو " : شك من الراوي. أو للتنويع وهو الأظهر.

قال النووي : قال العلماء : " أو " هنا للتقسيم ، لا للشك.

واتفق الفقهاء على أنه يجزئ فيها : " السوداء ". ولا تتعين البيضاء. كما قال أبو عمرو. نظرا إلى لفظ " الغرة ".

واتفقوا : على أن دية الجنين هي " الغرة ". سواء كان الجنين ذكرا أو أنثى. ففي كل ذلك : " الغرة " بالإجماع.

قال في الفتح : وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة : انفصال الجنين ميتا ، بسبب الجناية. فلو انفصل حيا ثم مات ، وجب فيه : القود ، أو الدية كاملة. انتهى.

قال النووي : فإن كان ذكرا ، وجب مائة بعير. وإن كان أنثى ، فخمسون. قال : وهذا مجمع عليه. وسواء في هذا كله : العمد ، والخطأ. انتهى.

قال في النيل : وهذا الحكم مختص بولد الحرة ، لأن القصة وردت في ذلك. وما وقع في بعض الأحاديث بلفظ : " إملاص المرأة " ونحوه ، فهو وإن كان فيه عموم. لكن الراوي ذكر : أنه شهد واقعة مخصوصة. وقد ذهب الشافعي وغيره : إلى أن في جنين الأمة : عشر قيمة أمة. كما أن الواجب في جنين الحرة : عشر ديتها. انتهى.

[ ص: 316 ] قال النووي : " الغرة " تكون لورثته على مواريثهم الشرعية. وهذا شخص يورث ولا يرث. ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر ، وبعضه رقيق.

وعن بعضهم : تكون دية الجنين لها خاصة. قال : ومتى وجبت " الغرة " ، فهي على " العاقلة " لا على الجاني. هذا مذهب الشافعي ، وأبي حنيفة.

وقال مالك : على الجاني. وقال آخرون : يلزم الجاني الكفارة. وقال بعضهم : لا كفارة عليه.

وفي رواية أخرى : " أنها ضربتها بعمود فسطاط وهي حبلى ، هذا محمول على حجر صغير ، وعمود صغير ، لا يقصد به القتل غالبا ، فيكون شبه عمد ، تجب فيه الدية على العاقلة. ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني.

قال : وهذا مذهب الشافعي ، والجماهير.

(وقضى بدية المرأة على عاقلتها ، وورثها ولدها ومن معهم ) .

" العاقلة" بكسر القاف : جمع "عاقل " ، وهو دافع الدية. وسميت الدية "عقلا" : تسمية بالمصدر. لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي [ ص: 317 ] المقتول. ثم كثر الاستعمال ، حتى أطلق العقل على الدية ، ولو لم تكن إبلا.

وعاقلة الرجل : قراباته من قبل الأب. وهم عصبته.

قال النووي : المراد بالعاقلة : هي العصبة. وهم من عدا الولد ، وذوي الأرحام.

وفي رواية أخرى : "قضى فيها على عصبة القاتلة" . وفي أخرى : " الدية على العصبة".

قلت : تحميل العاقلة الدية : ثابت بالسنة. وهو إجماع أهل العلم. كما حكاه في الفتح. وتضمين العاقلة : مخالف لظاهر قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى . فتكون الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة ، مخصصة لعموم الآية. لما في ذلك من المصلحة.

وعاقلة الرجل : " عشيرته. فيبدأ بفخذه الأدنى. فإن عجزوا ، ضم إليهم : الأقرب فالأقرب ، المكلف ، الذكر ، الحر ، من عصبة النسب ، ثم السبب ، ثم في بيت المال.

.(فقال حمل بن النابغة الهذلي ) نسبة إلى جده. وهو حمل بن مالك [ ص: 318 ] ابن النابغة. " وحمل " بفتحتين.

(يا رسول الله ! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ؟ فمثل ذلك يطل ) بضم الياء وتشديد اللام : معناه : يهدر ، ويلغى ، ولا يضمن.

وروي "بطل " بفتح الباء وتخفيف اللام. على أنه فعل ماض ، من البطلان. وهو بمعنى الملغي أيضا.

قال النووي : وأكثر نسخ بلادنا بالمثناة. ونقل عياض : أن جمهور الرواة في صحيح مسلم ، ضبطوه بالموحدة ، قال أهل اللغة : "طل دمه " بضم الطاء. " وأطل ". أي : أهدر. وأطله الحاكم ، وطله : أهدره.

وجوز بعضهم : "طل دمه" بفتح الطاء في اللازم. وأباها الأكثرون.

(فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم : " إنما هذا ، من إخوان الكهان ". من أجل سجعه الذي سجع ) .

وفي الرواية الأخرى : "سجع كسجع الأعراب " . قال أهل العلم : إنما ذم سجعه لوجهين؛ أحدهما : أنه عارض به حكم الشرع، ورام إبطاله. والثاني : أنه تكلفه في مخاطبته.

قال النووي : وهذان الوجهان من السجع ، مذمومان. وأما السجع الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوله ، في بعض الأوقات. وهو [ ص: 319 ] مشهور في الحديث : فليس من هذا. لأنه لا يعارض به حكم الشرع ، ولا يتكلفه. فلا نهي فيه. بل هو حسن. ويؤيد هذا التأويل : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : "كسجع الأعراب ". فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم. انتهى.

قلت : وفي النيل : أن محل الذم والكراهة : إذا كان ظاهر التكلف. وكذا لو كان منسجما ، لكنه في إبطال حق أو تحقيق باطل.

فأما لو كان منسجما ، وهو حق ، أو في مباح : فلا كراهة. بل ربما كان في بعضه ما يستحب. مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة. وعلى هذا يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا عن غيره من السلف الصالح.

قال الحافظ : والذي يظهر لي : أن الذي جاء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لم يكن عن قصد إلى السجع ، وإنما جاء اتفاقا ، لعظم بلاغته صلى الله عليه وسلم.

وأما من بعده ، فقد يكون كذلك. وقد يكون عن قصد، وهو الغالب ؛ ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا. انتهى.

التالي السابق


الخدمات العلمية