السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
3377 باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة، ويحذين وقتل الولدان في الغزو

وقال النووي : (باب : النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم ، والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 190 - 191 ج 12 المطبعة المصرية

[عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال؟ فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما، ما كتبت إليه. كتب إليه نجدة: أما بعد فأخبرني، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ .

فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة. وأما بسهم، فلم يضرب لهن. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن [ ص: 53 ] يقتل الصبيان. فلا تقتل الصبيان. وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري! إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه. ضعيف العطاء منها. فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم.

وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا. فأبى علينا قومنا ذاك
] .


(الشرح)

(عن يزيد بن هرمز ، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال ؟ فقال ابن عباس : لولا أن أكتم علما ، ما كتبت إليه) يعني : إلى نجدة " الحروري " ، من الخوارج.

" ونجدة " بفتح النون وسكون الجيم ، بعدها دال مهملة . هو ابن عامر الحنفي الخارجي . وأصحابه يقال لهم : "النجدات " محركة .

" والحروري " : نسبة إلى "حروراء " ، وهي قرية بالكوفة .

قال النووي : معناه : أن ابن عباس يكره "نجدة " لبدعته . وهي كونه من الخوارج ، الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية . ولكن لما سأله عن العلم ، لم يمكنه كتمه . فاضطر إلى جوابه . وقال : لولا أني إذا تركت الكتابة ، أصير كاتما للعلم ، مستحقا لوعيد كاتمه : لما كتبت إليه .

[ ص: 54 ] (كتب إليه نجدة : أما بعد ; فأخبرني ; هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم ، يغزو بالنساء ؟ وهل كان يضرب لهن بسهم ؟ وهل كان يقتل الصبيان ؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم ؟ وعن الخمس لمن هو؟. فكتب إليه ابن عباس : كتبت تسألني : هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم يغزو بالنساء ؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ، ويحذين من الغنيمة . وأما بسهم ، فلم يضرب لهن) .

فيه : حضور النساء الغزو ، ومداواتهن الجرحى ، كما سبق في الباب قبله .

" ويحذين " : بضم الياء وإسكان الحاء وفتح الذال ، أي : يعطين تلك العطية . وتسمى : " الرضخ " . قال في القاموس : " الحذوة "، بالكسر : العطية .

وفي هذا : أن المرأة تستحق الرضخ ، ولا تستحق السهم . وبهذا قال أبو حنيفة ، والليث ، والشافعي . وجماهير العلماء .

وقال الأوزاعي : تستحق السهم ، إن كانت تقاتل أو تداوي الجرحى . وقال مالك : لا رضخ لها . قال النووي : وهذان المذهبان ، مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح . انتهى .

قال في النيل : والظاهر أنه لا يسهم للنساء ، والصبيان ، والعبيد ، والذميين . وما ورد من الأحاديث مما فيه إشعار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أسهم لأحد من هؤلاء ، فينبغي حمله على الرضخ ، وهو العطية القليلة ، جمعا بين الأحاديث . وقد صرح حديث ابن عباس بما يرشد إلى هذا الجمع;

[ ص: 55 ] فإنه نفى أن يكون للنساء والعبيد سهم معلوم . وأثبت الحذية .

وهكذا حديثه الآخر ، فإنه صرح فيه بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كان يعطي المرأة والمملوك ، دون ما يصيب الجيش .

وهكذا حديث عمير ، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : رضخ له بشيء من الأثاث ، ولم يسهم له .

فيحمل ما وقع في حديث " حشرج ": من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسهم للنساء بخيبر : على مجرد العطية من الغنيمة . وهكذا يحمل ما وقع في مرسل الزهري ، من الإسهام لقوم من اليهود . وما وقع في مرسل الأوزاعي أيضا من الإسهام للصبيان . والله أعلم .

(وإن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم ، لم يكن يقتل الصبيان . فلا تقتل الصبيان) .

[ ص: 56 ] فيه : النهي عن قتل ذراري أهل الحرب . وهو حرام إذا لم يقاتلوا .

وكذلك النساء . فإن قاتلوا جاز قتلهم . قاله النووي.

(وكتبت تسألني : متى ينقضي يتم اليتيم ؟ فلعمري ! إن الرجل لتنبت لحيته ، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ، ضعيف العطاء منها . فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس ، فقد ذهب عنه اليتم) .

قال النووي : معنى هذا : متى ينقضي حكم اليتم ، ويستقل بالتصرف في ماله ؟ وأما نفس اليتم ، فينقضي بالبلوغ . وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : "لا يتم بعد الحلم".

قال : وفي هذا دليل للشافعي ومالك وجماهير العلماء : أن حكم اليتم لا ينقطع بمجرد البلوغ ، ولا بعلو السن . بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله . وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة ، زال عنه حكم الصبيان ، وصار رشيدا يتصرف في ماله ، ويجب تسليمه إليه ، وإن كان غير ضابط له .

وأما الكبير إذا طرأ تبذيره ; فمذهب مالك وجماهير العلماء : وجوب الحجر عليه .

وقال أبو حنيفة "رحمه الله ": لا يحجر .

[ ص: 57 ] قال ابن القصار وغيره : الصحيح الأول . وكأنه إجماع . انتهى .

قلت : ولا دليل لما ذهب إليه أبو حنيفة " رحمه الله " . (وكتبت تسألني عن الخمس ، لمن هو ؟ وإنا كنا نقول : هو لنا) .

معناه : خمس خمس الغنيمة ، الذي جعله الله لذوي القربي . وقد اختلف العلماء فيه ;

فقال الشافعي مثل قول ابن عباس . وهو أن خمس الخمس من الفيء والغنيمة : يكون لذوي القربى . وهم عند الشافعي والأكثرين : بنو هاشم ، وبنو المطلب .

(فأبى علينا قومنا ذاك) أي : رأوا أنه لا يتعين صرفه إلينا ، بل يصرفونه في المصالح .

وأراد بقومه : ولاة الأمر من بني أمية . وقد صرح في سنن أبي داود في رواية له : بأن سؤال "نجدة " لابن عباس عن هذه المسائل ، كان في فتنة ابن الزبير . وكانت هي بعد بضع وستين سنة من الهجرة .

وقال الشافعي : يجوز أن ابن عباس أراد بقوله هذا : من بعد الصحابة ; وهم " يزيد بن معاوية " . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية