السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
3638 باب: الذبح بما أنهر الدم. والنهي عن السن والظفر

وقال النووي : ( باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم; إلا السن والظفر، وسائر العظام) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص122-125 ج13 المطبعة المصرية

[عن رافع بن خديج ; قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا. وليست معنا مدى. قال صلى الله عليه وسلم: "أعجل أو أرني. ما أنهر الدم، وذكر اسم [ ص: 402 ] الله; فكل. ليس السن والظفر. وسأحدثك; أما السن فعظم. وأما الظفر فمدى الحبشة" قال: وأصبنا نهب إبل وغنم. فند منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لهذه الإبل أوابد، كأوابد الوحش. فإذا غلبكم منها شيء; فاصنعوا به هكذا" ].


(الشرح)

( عن رافع بن خديج) رضي الله عنه; ( قال: قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا) . لعله عرف ذلك بخبر، أو بقرينة.

( وليست معنا مدى) . بضم الميم، مخفف مقصور: جمع "مدية" بسكون الدال، بعدها ياء. وهي "السكين". سميت بذلك: لأنها تقطع مدى الحيوان. أي عمره. والرابط بين قوله: "لاقو العدو" و" وليست معنا مدى"، يحتمل: أن يكون مراده: أنهم إذا لقوا العدو، وصاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه.

ويحتمل: أن يكون مراده: أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلون ليتقووا به على العدو; إذا لقوه. ( قال: أعجل) بكسر الجيم ( أو أرن) بفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان النون. وروي: بإسكان [ ص: 403 ] الراء وكسر النون. وروي: "أرني" بإسكان الراء وزيادة ياء. وكذا وقع هنا في أكثر النسخ. قال الخطابي : صوابه: "أأرن" على وزن: "أعجل". وهو بمعناه. وهو من النشاط والخفة. أي: أعجل ذبحها، لئلا تموت حتفا. قال: وقد يكون: "أرن" على وزن: "أطع" أي: أهلكها ذبحا. من "أران القوم": إذا هلكت مواشيهم. قال: ويكون: "أرن" على وزن: "أعط" بمعنى: أدم الحز ولا تفتر. من قولهم: "رنوت": إذا أدمت النظر. وفي الصحيح: "أرن" بمعنى: "أعجل". وأن هذا شك من الراوي; هل قال: "أرن"، أو قال: "أعجل"؟

قال عياض : وقد رد بعضهم على الخطابي قوله: إنه من "أران القوم. إلخ"; لأن هذا لا يتعدى. والمذكور في الحديث متعد على ما فسره. ورد عليه أيضا قوله إنه - أأرن - إذ لا تجتمع همزتان، إحداهما ساكنة، في كلمة واحدة. وإنما يقال في هذا: "أيرن" بالياء. قال عياض : وقال بعضهم: معنى "أرني" بالياء: سيلان الدم. وقال بعض أهل اللغة: صواب اللفظة بالهمز. والمشهور: بلا همز. والله أعلم.

[ ص: 404 ] ( ما أنهر الدم) أي: أساله، وصبه بكثرة. وهو مشبه بجري الماء في النهر. يقال: "نهر الدم وأنهرته". قال عياض : وذكر الخشني في شرح هذا الحديث: "أنهز" بالزاي. والنهز بمعنى: "الدفع". قال: وهذا غريب. والمشهور: بالراء المهملة. وكذا ذكره إبراهيم الحربي والعلماء كافة: "بالراء".

قال في النيل: "ما" موصولة، في موضع رفع بالابتداء. وخبرها: "فكلوا". والتقدير: ما أنهر الدم، فهو حلال، فكلوا. ويحتمل: أن تكون شرطية.

وفي رواية عن الثوري : "كل ما أنهر الدم ذكاة". و"ما" في هذا: موصوفة. انتهى.

قال بعض العلماء: فيه دليل على جواز ذبح المنحور، ونحر المذبوح . وقد جوزه العلماء كافة; إلا "داود" فمنعهما. وكرهه مالك "كراهة تنزيه". وفي رواية: "كراهة تحريم". وفي رواية عنه: "إباحة ذبح المنحور، دون نحر المذبوح".

وأجمعوا على أن السنة في الإبل: النحر، وفي الغنم: الذبح. والبقر كالغنم عند الجمهور من الشافعية وغيرهم. وقيل: يتخير بين ذبحها ونحرها.

[ ص: 405 ] قال بعض العلماء: الحكمة في اشتراط الذبح، وإنهار الدم : تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما. وتنبيه على أن تحريم الميتة: لبقاء دمها.

وفي هذا الحديث: تصريح بأنه يشترط في الذكاة: ما يقطع ويجري الدم. ولا يكفي رضها ودمغها بما لا يجري الدم. انتهى.

قلت: وفيه: الرد المشبع على من يقول: بكفاية الدمغ، والرض، والخنق، ونحوها. وهم الفرقة النابغة في هذا الزمن المسماة "بالنيفرية". وهو أيضا صنيع النصارى البرطانية حكام اليوم، في أكثر الممالك. وقد صار أكثرهم: دهرية وحكماء، كأهل يونان القدماء وغيرهم.

( وذكر اسم الله فكل) . هكذا هو في النسخ كلها. وفيه محذوف. أي: ذكر اسم الله عليه. أو معه. ووقع في رواية أبي داود وغيره: "وذكر اسم الله عليه".

قال في النيل: وفيه دليل على اشتراط التسمية. لأنه علق الإذن بمجموع الأمرين، وهما: الإنهار، والتسمية. والمعلق على شيئين لا يكتفى فيه إلا باجتماعهما. وينتفي بانتفاء أحدهما.

[ ص: 406 ] ( ليس السن والظفر) . فيه: تصريح بجواز الذبح بكل محدد إلا السن والظفر وسائر العظام فيدخل في ذلك: السيف، والسكين ، والحجر، والخشب، والزجاج، والقصب، والخزف، والنحاس، وسائر الأشياء المحددة. فكلها تحصل بها الذكاة، إلا السن والظفر والعظام كلها.

أما الظفر; فيدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات. وسواء المتصل والمنفصل. والطاهر والنجس. فكله لا تجوز الذكاة به، لهذا الحديث. وأما السن; فيدخل فيه سن الآدمي وغيره، الطاهر والنجس، والمتصل والمنفصل. ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان. فكله لا تجوز الذكاة بشيء منه.

( وسأحدثك) . اختلف في هذا; هل هو من جملة المرفوع، أو مدرج؟ ( أما السن، فعظم) . قالت الشافعية : فهمنا العظام من بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم "العلة" في قوله هذا. أي: نهيتكم عنه لكونه عظما. فهذا تصريح بأن العلة كونه "عظما". فكل ما صدق عليه اسم "العظم"، لا تجوز الذكاة به. وقد قال الشافعي وأصحابه بهذا الحديث [ ص: 407 ] في كل ما تضمنه على ما شرحته. وبهذا قال أحمد، وداود، وفقهاء الحديث، وجمهور العلماء.

وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين. ويجوز بالمنفصلين.

وعن مالك: روايات أشهرها: جوازه بالعظم، دون السن، كيف كانا.

وعن ابن جريج : جواز الذكاة بعظم الحمار، دون القرد. قال النووي : وهذا مع ما قبله باطلان، منابذان للسنة.

وقال البيضاوي: هو قياس حذفت منه المقدمة الثانية، لشهرتها عندهم. والتقدير: أما السن فعظم، وكل عظم لا يحل الذبح به. وطوى النتيجة لدلالة الاستثناء عليها. قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: هذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم، كان قد قرر كون الذكاة لا تحصل بالعظم. فلذلك اقتصر على قوله: "فعظم". قال: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل، وكذا وقع في كلام ابن عبد السلام.

وقال النووي : معنى الحديث: لا تذبحوا بالعظام، فإنها تنجس بالدم. وقد نهيتم عن تنجيسها ، لأنها زاد إخوانكم من الجن.

[ ص: 408 ] وقال ابن الجوزي في المشكل: هذا يدل على أن الذبح بالعظم كان معهودا عندهم: أنه لا يجزي. وقررهم الشارع على ذلك.

( وأما الظفر فمدى الحبش) . معناه: أنهم كفار. وقد نهيتم عن التشبه بالكفار. وهذا شعار لهم. قاله النووي تبعا لابن الصلاح.

وقيل: نهي عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان. ولا يقع به غالبا إلا الخنق، الذي هو على صورة الذبح.

واعترض على الأول: بأنه لو كان كذلك، لامتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار. وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل. وأما ما يلتحق بها، فهو الذي يعتبر فيه التشبه. ومن ثم كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين.

( قال: وأصبنا نهب إبل وغنم) . "النهب" بفتح النون: هو المنهوب. وكان هذا النهب غنيمة.

( فند منها بعير) . أي: شرد وهرب نافرا. وهو بفتح النون وتشديد الدال.

( فرماه رجل بسهم فحبسه) . أي: أصابه السهم فوقف. ( فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش) . "الأبود": النفور والتوحش. "الأوابد": جمع "آبدة" [ ص: 409 ] بالمد وكسر الباء المخففة. ويقال منه: "أبدت" بفتح الباء "تأبد" بضمها. و"تأبد" بكسرها و"تأبدت". ومعناه: نفرت من الإنس، وتوحشت.

وقال في النيل: "آبدة" أي غريبة. يقال: "جاء فلان بآبدة". أي بكلمة أو فعلة منفرة . والمراد: أن لها توحشا.

قال النووي : وفي هذا الحديث: دليل لإباحة عقر الحيوان الذي يند، ويعجز عن ذبحه ونحره. قال الشافعية وغيرهم: الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان: مقدور على ذبحه، ومتوحش;

"فالمقدور عليه": لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة. وهذا مجمع عليه. وسواء في هذا: الإنسي، والوحشي إذا قدر على ذبحه، بأن أمسك الصيد، أو كان متأنسا: فلا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة.

وأما المتوحش، كالصيد; فجميع أجزائه مذبح، ما دام متوحشا. فإذا رماه بسهم، أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا منه ومات به: حل بالإجماع.

وأما إذا توحش إنسي، بأن ند بعير، أو بقرة، أو فرس، أو شردت شاة، أو غيرها: فهو كالصيد. فيحل بالرمي إلى غير مذبحه، وبإرسال [ ص: 410 ] الكلب وغيره من الجوارح عليه. وكذا لو تردى بعير أو غيره في بئر. ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه; فهو كالبعير الناد، في حله بالرمي بلا خلاف عندنا. وفي حله بإرسال الكلب وجهان; أصحهما: لا يحل.

وقال أصحابنا: وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات. بل متى تيسر لحوقه بعد، ولو باستعانة بمن يمسكه ونحو ذلك: فليس متوحشا. ولا يحل حينئذ إلا بالذبح في المذبح. وإن تحقق العجز في الحال: جاز رميه، ولا يكلف الصبر إلى القدرة عليه. وسواء كانت الجراحة في فخذه أو خاصرته، أو غيرهما من بدنه: فيحل. قال: هذا تفصيل مذهبنا. وممن قال بإباحة عقر الناد كما ذكرنا: علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، والنخعي، والشعبي، والحسن البصري، والأسود بن يزيد، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود، والجمهور.

وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث، ومالك : لا يحل إلا بذكاة في حلقه، كغيره.

دليل الجمهور: حديث رافع المذكور. انتهى .

[ ص: 411 ] قلت: ولعل هذا الحديث لم يبلغهم. ولو بلغ لقالوا به قطعا. وهذا هو الظن بهم.

قال في النيل: وفي الحديث: جواز أكل ما رمي بالسهم، فجرح في أي موضع كان من جسده، بشرط أن يكون وحشا، أو متوحشا. وإليه ذهب الجمهور. انتهى.

( فإذا غلبكم منها) أي: من الأوابد ( شيء فاصنعوا به هكذا) .

وروى الجماعة عن رافع، بلفظ: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في سفر، فند بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن لهذه البهائم أوابد، كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا".

كتاب الأضاحي

بتشديد الياء وتخفيفها: جمع "أضحية".

قال الجوهري : قال الأصمعي : فيها أربع لغات; "أضحية" بضم الهمزة. "وإضحية" بكسرها. "وضحية" وجمعها: "ضحايا". "وأضحاة" بفتح الهمزة. والجمع: "أضحى" كأرطاة وأرطى. وبها سمي يوم الأضحى.

وقال عياض : سميت بذلك، لأنها تفعل في الضحى. وهو ارتفاع النهار. وفي "الأضحى" لغتان: التذكير لغة قيس. والتأنيث لغة تميم.

التالي السابق


الخدمات العلمية